منذر خدام/قراءة سياسية للمشهد العسكري في سورية

291

قراءة سياسية للمشهد العسكري في سورية
 منذر خدام/الحياة/18 أيار/15

 كان السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من المراقبين للشأن السوري، ماذا بعد سيطرة المعارضة المسلحة على وادي الضيف ومعسكر الحامدية، إلى الجنوب الشرقي من مدينة إدلب؟ فقياساً بتجارب سابقة كانت الجبهة المشتعلة، سواء حقق النظام فيها نجاحاً أو حققته المعارضة، تأخذ فترة راحة لتضميد الجروح وإجراء بعض الحسابات لتقويم نتائج المعركة. هذه المرة ما جرى في إدلب كان مختلفاً عن كل المعارك السابقة. هنا لم يترك المسلحون فرصة للنظام لكي يلتقط أنفاسه، فشنوا هجوماً واسعاً وكبيراً على قواته في مدينة إدلب، مركز المحافظة، ونجحوا في السيطرة الكاملة عليها، ليتابعوا هجومهم المعد بصورة جيدة، نحو مدينة أريحا الإستراتيجية إلى الغرب من مدينة إدلب ويسيطروا عليها أيضاً. وتقول مصادر محلية إن القوات السورية انسحبت من المدينتين بدون قتال، علما أن الهجوم، خصوصاً على مدينة إدلب، لم يكن مفاجئاً، إذ عمدت سلطات المدينة إلى نقل وثائق حكومية وأموال البنك المركزي إلى أماكن آمنـة قبل حصول الهجوم على المدينة ببضعة أيام، بل أعلمت سكان المدينة بذلك طالبة ممن يريد المغادرة أن يغادر فوراً، وهذا ما حصل بالفعل.

أسفر هجوم المعارضة المسلحة الواسع في محافظة إدلب إلى إحكام سيطرتها على كل المحافظة تقريباً، باستثناء جيب محدود في معسكر المسطومة، وفي مدينة أريحا إلى الجنوب من مدينة إدلب وهو الآخر قد صار جبهة مشتعلة.

ما حصل شمالَ سورية كان حصل شبيه له جنوبَها، في محافظة درعا، إذ سيطرت قوات المعارضة المسلحة على مدينة بصرى الحرير، وعلى المعبر الحدودي الوحيد المتبقي بيد النظام بين سورية والأردن.

وهكذا أعاد هجوم المعارضة المسلحة الناجح على قوات النظام في محافظة إدلب ومحافظة درعا، نوعاً من التوازن النسبي إلى المشهد العسكري على الأرض. غير أن مصادر النظام تقول إنه لا يمكن القبول به، وهي تعد لمعركة استعادة مدينة جسر الشغور ذات الأهمية الإستراتيجية في الشمال، والتعويض في جبهة القلمون. بيد أن السؤال هو: هل من أبعاد سياسية لكل ذلك؟

الإجابة عن هذا السؤال تكمن في تفحص ما يجري على الساحة الدولية من نشاط سياسي ودبلوماسي مصاحب لما يجري على الأرض السورية من معارك عسكرية. وبالفعل، فقد شهدت الساحة الدبلوماسية الدولية نشاطاً سياسياً ودبلوماسياً لافتاً منذ مطلع 2015، فبعدما نجحت موسكو في جمع عدد من المعارضين السوريين مع وفد النظام في «ساحة موسكو» بتشجيع من الإدارة الأميركية، ها هو السيد دي ميستورا المكلف الأممي بالملف السوري يوجه دعوات لجميع الأطراف السورية والدولية المؤثرة في الداخل السوري للتشاور معه في جنيف للبحث عن تسوية سياسية محتملة للأزمة السورية تحضيراً لإطلاق مسار جنيف-3. وها هي الدبلوماسية الأميركية والفرنسية والبريطانية تنشط مجدداً للبحث عن حل سياسي للأزمة السورية. فبعدما التقى الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، رئيسَ الائتلاف السوري المعارض خالد خوجة في باريس، وبحث معه إمكان تحريك مسار الحل السياسي للأزمة، يلتقي به وزير الخارجية الأميركي جون كيري في واشنطن ويناقش معه آفاق الحل السياسي. وكان لافتاً ما قاله كيري في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع خوجة، أن «الأسد ليس له دور في مستقبل سورية السياسي على المدى البعيد»، الأمر الذي استدعى هجوماً حاداً عليه من المعارض السوري ميشال كيلو، فتصريح كيرى هذا يعني عملياً تخلي واشنطن عن شرط ألا يكون للأسد أي دور في المرحلة الانتقالية.

وبالتوازي مع ذلك، كانت المملكة العربية السعودية وجهت بدورها دعوات رسمية لعدد من الشخصيات المعارضة للقاء يعقد في الرياض للبحث في إمكان توحيد جهود المعارضة استعداداً للتفاوض مع النظام والبحث في تشكيل وفد موحد منها. ومع أن السعودية عادت وطلبت تأجيل لقاء الرياض تأميناً «لأسباب ناجحة» كما جاء في كتاب التأجيل، فإن تحرك المملكة السياسي هذا ينطوي على دلالة سياسية بالغة. وينطوي ما تقوم به القاهرة من تحضير لمؤتمر يجمع طيفاً واسعاً نسبياً من المعارضين السوريين يعقد أواخر الشهر الجاري، على دلالات سياسية كبيرة، خصوصاً أن القاهرة لا تخفي تنسيقها مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بخصوص ذلك، وتحديداً لجهة تشكيل وفد من المعارضة استعداداً للمفاوضات مع النظام في جنيف-3.

وإذا وضعت في السياق ذاته تصريحات الرئيس الفرنسي حول ضرورة التعاون مع روسيا لحل الأزمة فـــي سورية، والنتائج غير المرضية لزيارة وزير الدفاع السوري لطهران، وما يشاع عن ضغوط تمارسها طهـــران على دمشق للقبول بتسوية سياسية، يصير الجــواب واضحاً، وهو أن الأزمة السورية قد وضعت على طريق الحل، وأن التصعيد العسكري في شمال سورية وجنوبها لا يعدو كونه رسالة سياسية لتحسين وضع المعارضة التفاوضي في جنيف 3. ويصب في هذا الاتجاه اجتماع قادة ثلاثة فصائل عسكرية معارضة مهمة، هي «جيش الإسلام» و «صقور الشام» و «أحرار الشام» في تركيا، وما يشاع عن احتمال مشاركتهم ضمن وفد المعارضة التفاوضي. لا شك في أن المشهد في سورية معقد جداً، لكن الثابت فيه هو أن تنامي أخطار الإرهاب والخوف من احتمال انهيار الدولة السورية بدآ يضغطان على كل الدول المؤثرة في الأزمة ويدفعانها إلى البحث عن حل سياسي.