الـيـاس الزغـبـي/مشاهد إنحطاط مسيحي

483

 مشاهد إنحطاط مسيحي
الـيـاس الزغـبـي

16 أيار/15

في أداء بعض الشخصيّات المسيحيّة، وبينها مَن يُصنَّف “زعيماً”، ما يخجل به تاريخ المسيحيّين وحاضرهم ومستقبلهم، في لبنان والمشرق.
ففي حين يموج مصير لبنان والمنطقة في بحر هائج، وينصرف الجميع إلى الشؤون الكبرى، ينشغل هؤلاء بشؤونهم الصغرى، وينحدر خطابهم إلى المصالح الشخصيّة العائليّة وحصصهم في السلطة والمال.
يصدر حكم معيب في واحدة من أخطر جرائم العصر، فيحاولون التبرير والتفسير، ويعلكون كلاماً سخيفاً في القانون والقضاء، ليس لشيء إلاّ لخدمة نظام شاء أن يدمّر لبنان على رؤوس بنيه، وأن يزرع الموت على طرقات قياديّيه السياسيّين والروحيّين تأجيجاً للفتنة الكبرى. وقد سبق للنظام نفسه أن قتل منهم المئات وأخفى مئات أُخرى من عسكريّين ومدنيّين، في تلك الحرب الضريرة سنتي 1989 و 1990.
والمعيب أكثر أن يذهب بعضهم إلى حدّ الدفاع عن مجرم موصوف بحجّة أنّه مسيحي! فبذلك يكون الانحطاط تخطّى السياسة إلى الأخلاق، ووصل إلى حدّ تحريك النعرات الطائفيّة وتسميم النفوس وهدر الدماء.
وهذه الآفة لم تنل من حصانة الجسم المسيحي وسلامته، حتّى في أخطر مراحل الحرب الداخليّة في ال 75 وما بعد، فيأتي اليوم من يصبغ المسيحيّين بصباغ زمن التخلّف والانحطاط، بحجّة حمايتهم.
ويجول وزير من هذه الفئة المسيحيّة التائهة على المناطق، حاملاً فقط مضخّة السمّ نفسه، رافعاً عقيرته باسم المسيحيّين، طارحاً شعارات وعناوين تقضي على ميزتهم الحضاريّة، وتدفعهم إلى مصير الهنود الحمر، ما جعل صوتاً “حليفاً لحليفهم” يستنكر ويستفظع.
والوزير نفسه، يذهب في الحقن الطائفي إلى مداه “العالمي”، فيزايد في قضيّة الانتشار اللبناني، ويتجاوز كلّ الأصول والأعراف في التحضير لمؤتمر يزيد في شرذمتهم، ليس فقط بين مسيحيّين ومسلمين، بل داخل الاغتراب المسيحي نفسه، بما يجعل ذاك “الحوار” ستاراً مهلهلاً لكسب العواطف المسيحيّة ومحاولة ترميم الخسارة الشعبيّة.
والخجل الأكبر أن يجنّد “زعيم” مسيحي كلّ طاقاته، ويوظّف كلّ أوراقه السياسيّة والنيابيّة والشعبيّة، وعطف “حلفائه” أو خبثهم لا فرق، لإشباع شهيّته في الموقعين: رئاسة الجمهوريّة وقيادة الجيش.
يريد، وبأيّ ثمن، إزاحة القائد الراهن للجيش عن طريق بعبدا، والقبض على مفاتيح أساسيّة في السلطة له ولأقربائه، ولو انهارت المؤسّسة الأخيرة الباقية، مجلس الوزراء.
فلتسقط الحكومة كرمى لعيون الصهر الثاني، بعدما تعثّرت سابقتاها كرمى للصهر الأوّل.
إنّ وصول عمى المصالح إلى هذه المرحلة المتفاقمة لا يُنذر فقط بارتطام صاحبه بأكثر من حائط، بل بتحطّم الصورة المشرقة التي رسمها كبار المسيحيّين عن حضورهم ودورهم ورسالتهم.
فهل يُعقل ألاّ يرى هذا “الزعيم” المسيحي، في كلّ التحوّلات والتطورات الخطيرة، سوى منصب هنا ومكسب شخصي هناك، ودائماً باسم المسيحيّين المساكين؟
ألا تستحق خطورة ما يقوم به “حزب الله” بين لبنان وسوريّا وما بعد بعد.. كلمة أو إشارة منه؟
ألا تستحق خطورة حكم سياسي في أبرز الأعمال الارهابيّة وقفة ضمير؟
ألا تستحق جرائم ضدّ الإنسانيّة يرتكبها بالجملة رئيس نظام شاءت المصالح الشخصيّة أن يكون وصيّاً جديداً، مجرّد تلميح أو تصريح؟
هل بات التمديد للغريم الرئاسي قضيّة القضايا ومسألة حياة أو موت عند هذا “الزعيم”، ودونها تسقط كلّ الأهداف والقيم والاستراتيجيّات؟
وهل تحوّل المسيحيّون إلى سلعة للبيع والشراء في بازار موقع هنا أو منصب هناك؟ وهل تقزّمت أبعادهم إلى مرمى كرسي ووظيفة؟
بالطبع ليس كلّ المسيحيّين قطيعاً. فما زالوا يُنتجون قيادات واعية وعاقلة ووازنة تحافظ على مستواهم واتساع أفقهم.
وبعضها يحاول، ربّما عبر الحوار، إنتشال الساقطين من حفرتهم، وإعادة ترميم الصورة التي شوّهوها.
لكنّ الضرر البليغ، المعنوي والمادّي، الذي ألحقه هؤلاء بالمسيحيّين بات واقعاً، وإصلاحه يتطلّب جهوداً إستثنائيّة.
وأمامنا مرحلة صعبة قبل النجاح في تغيير مشاهد الانحطاط.