اميل خوري/ استمرار الفراغ يفتح الباب للبحث في ميثاق وطني جديد// روزانا بومنصف/شلّ الحكومة لا إسقاطها في المقلب التصعيدي الحزب يدعم عون تعزيزاً لأوراقه وموقعه

238

شلّ الحكومة لا إسقاطها في المقلب التصعيدي الحزب يدعم عون تعزيزاً لأوراقه وموقعه
 روزانا بومنصف/النهار/15 أيار 2015

على وقع انطلاق مرحلة جديدة من التصعيد من جانب “التيار الوطني الحر” على خلفية المطالبة بتعيين العميد شامل روكز قائدا للجيش ترتسم صورة ازمة مفتوحة على احتمالات كبيرة يعتبرها البعض تهويلا مضخما فيما لا يخفف آخرون منها وفق الآتي:

– ان حكومة الرئيس تمام سلام قد لا تسقط على الارجح نتيجة استمرار مصالح الجميع بما فيها مصلحة التيار العوني و”حزب الله” التي تتأمن من خلالها. وفي الوقت الذي يشكل هذا الامر اطمئناناً من حيث المبدأ للفريق السياسي الخصم نتيجة ضيق الهامش بمعنى عدم تطيير الحكومة، فانها في المقابل قد تغدو من دون فاعلية ومن دون اي قدرة على العمل على رغم ان قدرتها محدودة اصلا في الوقت الذي سيتابع جميع الافرقاء امورهم. الا انها ستقف عند أبواب ازمة انطلاقاً من ان طرح موضوع التعيينات الامنية على جدول اعمال المجلس ولو ان الباب لا يزال مفتوحا لذلك وهو ما سيحصل في وقت من الاوقات قبيل حلول موعد التمديد لمدير قوى الامن الداخلي اللواء ابرهيم بصبوص في مطلع حزيران المقبل ومن غير المرجح ان يؤتي عرض اسماء على المجلس لتعيين قائد جديد للجيش نتيجة، انطلاقا من عدم استعداد فريق المستقبل لتسليف العماد ميشال عون منصب قيادة الجيش في الوقت الراهن، واستباقا لحل ازمة الشغور في منصب الرئاسة الاولى خشية ان يكون المطلب الثاني للجنرال هو انتخابه رئيسا وفق معيار التعطيل والضغط نفسه.

– ان العماد عون رمى هذا التحدي في وجه حلفائه وتحديدا “حزب الله” مقدار ما رماه في وجه الفريق السياسي الآخر من اجل الحصول على دعمه في مطالبته في تعيين روكز قائدا للجيش. فالحزب الذي لمس في أزمة رفع السقف ضد المملكة العربية السعودية في موضوع اليمن ابتعاداً لحلفائه السنّة عنه لا يجد القدرة على الابتعاد عن حليفه المسيحي في هذه المرحلة او تمييز موقفه منه. ولذلك فانه ستكون هناك تغطية سياسية كاملة له في موضوع شل الحكومة علما ان الحزب لا يسقطها في الوقت الذي يستمر في تحصيل ما يريد منها ويستفيد في الوقت نفسه من اثبات انه يبقى الحليف الاساسي لعون، في وقت ان انفتاح الاخير على تيار المستقبل والذي اخاف الحزب في مرحلة من المراحل قد خيب آمال التيار مما يعيده بكليته الى حضن الحزب. ومع ان هذا الاخير لا يوافق التيار اطلاقا لا بل يخشى بقوة من اندفاعه الى محاولة فرض مشروع استعادة الجنسية للمغتربين على مجلس النواب، وهي خشية فعلية توازي دعمه له في المقلب الآخر اذ يخشى من تبعاته في استعادة اعداد كبيرة من المسيحيين الجنسية بما يخشى ان يعيد عقارب النفوذ الاميركي الى لبنان، فان وقوفه ضده في هذا المشروع ولو على نحو غير معلن لا يعني عدم دعمه كليا. وسيكون هناك في المدة الفاصلة عن تعيين قائد جديد للجيش في ايلول المقبل موعد انتهاء ولاية العماد قهوجي مجالاً كافياً لمزيد من التصعيد السياسي كما التصعيد في الشارع على وقع رهان على جملة تطورات اقليمية في الدرجة الاولى. وهذه التطورات تبدأ وفق هذه الرهانات من الاتفاق النهائي مع ايران حول ملفها النووي الذي من المفترض ان يعطي دفعا قويا للمحور المؤيد او المناصر لها في لبنان. فمن جهة تؤكد معلومات توفرها مصادر سياسية واسعة الاطلاع اصرار ايران على عدم السماح للسعودية باستثمار انتصارها في اليمن أياً يكن الثمن، والانظار تتجه في هذا الاطار الى محاولات لتحريك الامور في داخل السعودية وليس ابقاء النار حامية في اليمن فحسب وفق ما بدأت تظهر الامور اخيرا على الحدود اليمنية مع المملكة او البلدات القريبة من الحدود. وفي حال كان ثمة توافق على تهدئة الامور فإن هم المملكة سينصب على اليمن ولن يكون للبنان اولوية لديها بما لا يدعم مواقف مؤيديها في لبنان.

– الا ان الرهان يبقى على تأزم داخلي نتيجة الضغوط الذي سيشكله التصعيد السياسي والاعلامي والتعطيل الذي سيطاول الحكومة بعد الشغور الرئاسي بحيث يضع تيار المستقبل وقوى 14 آذار امام خيار القبول بتعيين روكز قائدا للجيش قبل ايلول المقبل او خيار الذهاب الى صفقة شاملة تقول المصادر المعنية انها ستكون متعذرة وفق المعايير التي تفترض المقايضة باعتبار ان عون وحليفه يمسك بموقع رئاسة الجمهورية وبورقة قيادة الجيش، فيضطر الفريق الآخر القبول بأحدهما بالحد الادنى. فاذا قبل بروكز فانما يكون حصل ذلك على الحامي، علماً ان فريق 14 آذار لا يمانع بروكز اصلا ويحترم اهليته بغض النظر عن مصاهرته لعون والا فان الثمن الاكبر اي انتخاب عون رئيسا ستكون كلفته اعلى لقاء التضحية بروكز. في اي حال فان الضغط الذي سيمارسه هذا الفريق خلال الاشهر القليلة المقبلة سيدفع حكما الفريق الآخر الى دفع اثمان عليه قد يصعب عليه تجنبها، علما ان دفع الامور الى صفقة شاملة لن تتم على الارجح وفق القواعد السابقة بل ان الدستور سيوضع على الارجح على الطاولة. وايا تكن التسمية التي سيحملها هذا التطور، اكان مؤتمرا تأسيسيا ام تعديلا دستوريا او ايا يكن، فهو سيأتي حكما على حساب المسيحيين بمعرفة عون او بتجاهل منه، لكن “حزب الله” سيستفيد من تصعيد عون كما في موضوع الرئاسة لتعزيز موقعه واوراقه.

هل يَعي المقاطعون المسيحيون أنّ استمرار الفراغ يفتح الباب للبحث في “ميثاق وطني” جديد؟
 اميل خوري/النهار/15 أيار 2015

إذا كان رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع يحمّل “حزب الله” مسؤولية تعطيل الانتخابات الرئاسية لأنه يعمل لأجندة ايرانية ولا يحمّل هذه المسؤولية للمسيحيين ايضاً الذين يشاركون في هذا التعطيل ولا سيما منهم نواب “تكتل التغيير والاصلاح”، إذ لولا هذه المشاركة لكان اكتمل النصاب وانتخب رئيس للجمهورية قبل سنة. فالمسيحيون اذا كانوا مسؤولين عن عدم اتفاقهم على انتخاب رئيس لأن هذا الانتخاب يعني المسلمين ايضاً، فانهم مسؤولون عن تعطيل الجلسات لتغيبهم عنها من دون عذر مشروع، لأن المشكلة لم تعد في انتخاب رئيس تعذّر الاتفاق عليه، إنما في تعطيل نصاب الجلسات للحؤول من دون تمكين الاكثرية النيابية المطلوبة من انتخاب من تشاء دون شروط مسبقة تفرض عليها تحت طائلة تعطيل النصاب الذي قد يصبح قاعدة في كل انتخاب، ليفرض، كل من يعطل الانتخاب، الرئيس الذي يريد وخلافاً لرأي الاكثرية، وهذا يشكل مخالفة صريحة لأحكام الدستور.

إن اخطر ما في استمرار الشغور الرئاسي هو مشاركة زعماء موارنة فيه، ولولا هذه المشاركة لاكتمل النصاب. لذلك فهم مسؤولون عن استمرار هذا الشغور في أعلى منصب في الدولة يخصهم وليس المسلمون، وتحديداً “حزب الله” ما دام يعمل لمصلحة ايران.

هل يعي النواب المسيحيون المقاطعون جلسات انتخاب الرئيس خطورة ذلك؟ أفلا يسقطون من حيث يدرون أو لا يدرون ركيزة مهمة واساسية من ركائز “الميثاق الوطني”، الذي يقول عنه الرئيس تمام سلام انه “يقوم على سيبة رئاسية ثلاثية، وعندما يشغر أحد المراكز في الرئاسات الثلاث تختل السيبة وتقع البلاد في المحظور”؟ فما هو هذا المحظور الذي اشار اليه الرئيس سلام ولم يفصح عنه؟ إنه في نظر كثير من المراقبين الدخول في بحث عن “ميثاق وطني” جديد قد لا يتم التوصل الى اتفاق عليه بسهولة، كأن يصبح مطروحاً جعل الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة) مفتوحة على كل المذاهب لاختيار الاصلح والكفي منها حتى قبل إلغاء الطائفية، او ان تصبح الرئاسات الثلاث مداورة بين الطوائف الثلاث الكبرى ولا تبقى موزعة كما نص “الميثاق الوطني” الحالي على هذه الطوائف فقط، أو ان يعتمد لحكم لبنان مجلس رئاسي كما في سويسرا، وعندها قد لا يكون ذلك مقبولاً ربما مسيحياً إلا اذا صار اتفاق على ان يكون لبنان “سويسرا الشرق” فعلاً لا قولاً لأن في حياده تطميناً للبنانيين، ولا سيما للمسيحيين، وضماناً لبقاء لبنان سيداً حراً مستقلاً لا خوف على وجوده ولا على كيانه ولا على استقراره سياسياً وامنياً واقتصادياً لضمان استمرار ازدهاره. وقد يقبل المسيحيون دفع ثمن هذا الحياد بتخليهم عن مناصب لهم في الدولة وحتى عن امتيازات خصصت لهم في “ميثاق 43” فكانت لهم بمثابة ضمانات بعد نيل الاستقلال ليبقى محصناً بها. حتى ان زعماء مسيحيين لم يكونوا يريدون انضمام لبنان الى جامعة الدول العربية خشية ان يشكل انضمامه مخالفة لمبدأ “لا شرق ولا غرب” الذي نص عليه الميثاق، فكان الحل لقبول الانضمام الى الجامعة اشتراط ان تكون قراراتها غير ملزمة الا اذا اتخذت بالاجماع وليس بالاكثرية، وهو ما لا يزال معمولاً به حتى الآن على رغم المطالبة من حين الى آخر بإعادة النظر في ذلك.

لقد أخذ المسيحيون يفقدون شيئاً فشيئاً بعض الامتيازات – الضمانات عندما لم يعد انتخاب رئيس الجمهورية قراراً حراً للبنانيين بل لخارج عربي أو غير عربي، وعندما اصبحت معادلة 5 الى 6 بين المسيحيين والمسلمين 6 الى 6 وقد تكرست باعتماد المناصفة في مؤتمر الطائف، اضافة الى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لأن الشريك المسلم اعتبرها واسعة الى درجة جعلت منه “ملكاً على جمهورية”.

أما وقد اصبح المسيحيون في لبنان على هذه الحال وسط هذا المنحدر فما عليهم سوى توحيد موقفهم ليس من انتخاب رئيس للجمهورية فقط، انما من حضورهم جلسات الانتخاب وعدم المشاركة في تعطيلها، لأن الاستمرار في تعطيل النصاب وبمشاركة مسيحية هو خدمة لخارج وإفساح المجال له كي يتدخل لفرض رئيس للبنان يكون حارساً لمصالح هذا الخارج وليس حارساً لمصالح لبنان. وعلى المسيحيين ان يوحدوا مواقفهم ايضاً اذا ما استمر الشغور الرئاسي بقصد البحث في “ميثاق وطني” جديد قد لا يكون للمسيحيين فيه ما لهم في “الميثاق الوطني” الحالي، وأن يتفقوا على تحييد لبنان عن كل صراعات المحاور ضماناً لسيادته واستقلاله وحرية قراره، إذ من دون ذلك يبقى لبنان بوجوده وكيانه واستقلاله معرضاً للخطر. فالحياد وحده هو الذي يضمن استمرار استقراره سياسياً وامنياً واقتصادياً، وهو ما باتت دول كبرى مقتنعة به. أما الانحياز فيبقيه عرضة لشتى المخاطر.