إياد أبو شقرا/الانتخابات البريطانية.. في ما قد تعنيه للعالم العربي

250

الانتخابات البريطانية.. في ما قد تعنيه للعالم العربي
إياد أبو شقرا/الشرق الأوسط/11 أيار/15

قد يسأل سائل عما يهمّ العالم العربي من الانتخابات البريطانية التي حُسمت قبل بضعة أيام. وهذا سؤال قد يكون مطروحًا في أوساط عربية كثيرة في ضوء ما يرونه تراجعًا في الثقل السياسي لبريطانيا على المسرح الدولي، بل ما يبدو من تخلّيها عن مكانتها التاريخية في المشرق بعد ما عُرف بـ«أزمة السويس عام 1956».

صحيح، بعد «السويس 1956» تغير النظام الإقليمي كثيرًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتأكد الواقع السياسي، بشقّيه الاستراتيجي والآيديولوجي، الذي ولد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بانتزاع الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي مناطق نفوذ القوتين الاستعماريتين القديمتين بريطانيا وفرنسا. غير أن هيمنة موسكو وواشنطن على سياسات الشرق الأوسط، بل والعالم بأسره إبان «الحرب الباردة» بين «الشرق والغرب»، لم تلغِ تمامًا التأثير الثقافي لبريطانيا وفرنسا وتعاملهما الرصين مع أزمات المنطقة، كونه يستند إلى عقود كثيرة من المعايشة والتفاعل، وأحيانا الولاءات المزمنة.

شارل ديغول، مثلاً، خلال عقد الستينات، أدرك أن أمامه فرصة ممتازة لإعادة فرنسا إلى حلبة الشرق الأوسط بعدما أنقذها من العبء الثقيل للحقبة الاستعمارية في الجزائر. واستفاد الزعيم الفرنسي الكبير من ضيق بعض العرب من الانحياز الأميركي المُطلق لإسرائيل مقابل إحجام قطاع عربي واسع ملتزم قوميًا أو دينيًا عن التبنّي الكامل للبديل السوفياتي الماركسي اللينيني. ومن ثم، وجد ديغول، الفخور بإيمانه بدور فرنسا التاريخي والحضاري، يومذاك فرصة مؤاتية لتأكيد «استقلاليته» عن صراع القطبين الجديدين بفتح جسور وبناء علاقات وتأسيس صلات عسكرية – تسليحية مع عدة دول عربية.

سياسة لندن في عهد القطبين السوفياتي والأميركي كانت مختلفة عن سياسة باريس الديغولية، وحتى في مرحلة لاحقة «الميترانية» الاشتراكية ثم «الشيراكية» النيو – ديغولية. وكان من ملامح الاختلاف الفارق بين الشخصية البريطانية البرغماتية والشخصية الفرنسية العاطفية. فبريطانيا ارتضت بصمت، ولكن من دون استسلام، دور الحليف الأصغر للولايات المتحدة منذ تجربة السويس. وبصرف النظر عمّن كان يحكم في واشنطن كانت «العلاقة الخاصة» بين واشنطن ولندن تقضي بالتفاهم والتنسيق الكاملين تقريبًا. وخلال العقود الأربعة الأخيرة كان هناك «شهرا عسل» حقيقيان بين العاصمتين الغربيتين الكبيرتين شهدا انسجامًا فكريًا مطلقًا انعكس فعالية واضحة وحاسمة في القضايا الدولية التي تصدّتا لها.

شهر العسل الأول كان يمينيًا ومحافظًا متشدّدًا بامتياز إبان فترة وجود رونالد ريغان في البيت الأبيض (1981 – 1989) ومارغريت ثاتشر في الرقم 10 داوننغ ستريت (1979 – 1990). وكان من أبرز تأثيراته حسم «الحرب الباردة» لمصلحة الغرب على حساب اتحاد سوفياتي مترهّل عجز عن مواجهة «هجومية» غربية امتزجت فيها القناعات الآيديولوجية القاطعة، والإنفاق الحربي السخي، والتحدي السياسي المباشر. وعلى الصعيد العربي، أقنع إصرار ثاتشر ودفعها على التصدّي لاحتلال العراق للكويت الرئيس الأميركي جورج بوش الأب – الأقل «هجومية» من سلفه ريغان – بخوض حرب تحرير الكويت. وعلى صعيد آخر، إزاء لبنان والقضية الفلسطينية، كان من نتائج انسجام ريغان وثاتشر السماح لإسرائيل باحتلال نصف لبنان لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية وإبعادها عن أراضي فلسطين المحتلة.

أما شهر العسل الثاني فكان ليبراليًا معبّرًا عن تيار يسار الوسط إبان تولي بيل كلينتون الحكم في واشنطن (1993 – 2001) وتوني بلير السلطة في لندن (1997 – 2007)، وفيه روّج الزعيمان الشابان – يومذاك – لما كانا يصفانه بـ«الخيار الثالث» بين الاشتراكية التقليدية والرأسمالية المتشددة. وفي هذه الحقبة نجحت واشنطن ولندن في إنهاء مآسي البوسنة وكوسوفو، وشنّتا عملية «ثعلب الصحراء» ضد العراق عام 1998 مستهدفتين القدرات العسكرية لنظام صدام حسين، وزار كلينتون فيتنام عام 2000 وكانت تلك أول زيارة من نوعها لرئيس أميركي منذ نهاية الحرب الفيتنامية، وانسجم الجانبان في تبريد التشنج الدولي وزيادة الاهتمام بالقضايا البيئية.

خلال السنوات الأخيرة، كانت هناك حكومة ائتلاف محافظة – ليبرالية في لندن برئاسة المحافظ المعتدل ديفيد كاميرون حالت طبيعتها دون بلوَرة سياسات واضحة المعالم، داخليًا وخارجيًا. في حين يحتلّ البيت الأبيض منذ مطلع 2009 وحتى مطلع 2017 الرئيس الديمقراطي الليبرالي باراك أوباما الذي صبّ جلّ اهتمامه طوال فترة حكمه حتى الآن على الشأن الداخلي في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي هزّت الاقتصاد الأميركي. وهنا لا بد من الإقرار بأن أوباما نجح في علاج الوضع الاقتصادي، وحقق ما كان يصبو إليه دفاعًا عن برامجه الاجتماعية والصحية، وإن كان ذلك جاء في نظر البعض على حساب فعالية سياسته الخارجية.

غير أن أوباما لم يغفل السياسة الخارجية تمامًا، بل ما فعله هو تغيير أسلوب التعامل وطريقة المعالجة. فحيال «القاعدة» والحركات المتشدّدة المماثلة تمكّنت إدارته من قتل أسامة بن لادن واعتمدت سياسة نشطة في مهاجمة تنظيمه باستخدام الطائرات من دون طيار. ثم انطلاقًا من اقتناع أوباما باستحالة التعايش مع التطرّف السنّي، واقتناعًا منه بتكرار تجربة انفتاح ريتشارد نيكسون على الصين والاستفادة منها اقتصاديًا، قرّر الانفتاح على إيران. وواضح اليوم أن حجم الاستثمار الذي وضعه في التطبيع – إن لم يكن التحالف – مع إيران يسقط أي احتمال لحدوث تبديل جذري في موقف واشنطن من قيادتها. وهو ما أضعف ثقة المواطن العربي بمدى حرص واشنطن على أمن المنطقة، ووقف التمدد العدواني الإيراني فيها. أما بما يخصّ بريطانيا في عهدها المحافظ الجديد فيفترض بالمراقب توقّع سياسة أكثر وضوحًا وأقل ميلاً للتسويات على الرغم من أن الغالبية البرلمانية الجديدة أصغر بكثير من غالبيات ثاتشر وبلير في عصريهما الذهبيين.

لنتذكر، إن تصويت مجلس العموم البريطاني ضد التدخل في سوريا ردًا على فظائع النظام وفّر الذريعة المناسبة التي تستّر بها أوباما للامتناع على معاقبة بشار الأسد.

وهكذا، خلاصة القول، إن لندن قد لا تكون شريكًا كاملاً في صوغ سياسات واشنطن، لكنها تستطيع أحيانًا أن توفّر لها الغطاء والذريعة وما يمكن أن يعتبر في أميركا «شرعية» الحليف الموثوق.