دلال البزري/مصلحتنا ومصلحة حزب الله

270

مصلحتنا ومصلحة «حزب الله»
دلال البزري/المستقبل
27 نيسان/15

في رسالته إلى «المستضعفين» عام 1985، بعيد تأسيسه، يصف «حزب الله» برنامجه، فلا يتوقف عن ذكر مرجعيته الإيرانية: «العمل بولاية الفقيه القائد»، أمير المسلمين، آية الله خميني»، إيران بصفتها «طليعة أمة حزب الله، التي أسست نواة دولة الإسلام المركزية في العالم»؛ يتحرّك هو على «ضوء سياسي عام تقرّه ولاية الفقيه القائد»، يدعو إلى «اعتماد النظام الإسلامي»، بدلاً من «النظام الطائفي اللبناني العفن»، يقوم هذا النظام على القرآن والأحاديث الشريفة واجتهادات الفقيه الإيراني. وكل ذلك متوَّج بمهمة مقدسة اسمها «إزالة إسرائيل من الوجود». وهذه العبارات الواردة هنا ليست «لقطات» نادرة في هذه الرسالة التأسيسية الأولى؛ إنما هي لازمات تعبر «الرسالة» من أولها إلى آخرها، مكرِّسة المرجعية الإيرانية للحزب، التي كانت تترجم على الأرض بإشراف إيران المباشر على تدريب الكوادر العسكرية للحزب وتلقينه العقيدة الإيرانية الدينية، وتزويده بشتى أنواع السيطرة «الناعمة».

في العام 2009، أصدر «حزب الله» وثيقة حزبية أخرى، فرضتها «التحديات الفكرية السياسية» و»حالة التضخم التي أصابت بنيته التنظيمية والعسكرية الخ»، بحسب أحد المنظرِّين «الناعمين» لمقولاته، إذ يصف هذه الوثيقة، بـ»المراجعة». فيما هي، أي الوثيقة، عبارة عن «لبْننة» للحزب، بالطريقة اللبنانية الدارجة، الشاطرة؛ إذ يعلن فيها الحزب عن ميله إلى «الديموقراطية التوافقية»، يستغني عن اللغة الإيرانية الرسولية التبشيرية، يخفي مرام الدولة الإسلامية بقيادة الفقيه العليم؛ مسهلاً بذلك تكريس وجوده في قلب الدولة اللبنانية ومؤسساتها، معبِّراً عن لحظة استقرار حكومي…

ولكن هذه الأخيرة لم تدم طويلاً، إذ اشتعلت بعدها الثورات العربية، ومعها السورية خصوصاً، فعاد الحزب إلى وثيقته الأولى؛ ليس مثابرة على «إزالة إسرائيل من الوجود»، فهذه المهمة، تحت القيادة الإيرانية، لم تكن جدية الا بالقدر الذي يضعف نفوذ اسرائيل ليخلي للإيراني مكانه… فعاد الحزب الى الوثيقة الأولى إذن، بالنقاط الجوهرية التي كوّنته، أي بالمرجعية والقيادة الايرانيتين.

مع الثورة السورية، ومع عبور ميليشياته الحدود اللبنانية للقتال إلى جانب بشار الأسد، كان الحزب يلحّ على انه يضحي بشبابه «المجاهدين« دفاعاً عن المراقد الشيعية المقدسة. ثم اختفت المراقد لتحتل مكانها «القرى الشيعية المحاصرة في قلب سوريا»، والعمل على «إنقاذ أهلنا هناك». ثم ظهر تنظيم «داعش»، ففرك الحزب يديه فرحاً بإيجاد ما هو أهم من القرى والمراقد: التكفيريون! فانتصبت القامات العلمانية في الحزب، وصار «مشروع المقاومة» يتغذى من توحش «داعش». كان لإسرائيل نصيب في هذه العداوة، إذ انها تغار من الايرانيين الذين سيتولون إدراة العلاقة معنا، فضربت مرة، وهدّدت مرات. هكذا انعقد «مشروع المقاومة» تحت ظلين: إسرائيل والإرهاب التكفيري. فكانت أنبل المعارك وأكثرها حيوية لنمونا وتحررنا واستقرارنا… طبعاً ليس المجال متسعاً هنا للقول بأن دخول الحزب إلى سوريا كان من العوامل التي غذّت الإرهاب في مراحله الأولى بالذات، عندما كانت قاعدته الأيديولوجية تقوم على الحق المذهبي المهدور من قبل مذهب إسلامي آخر، في سوريا والعراق. ولكن في سوريا قبل العراق. لأن هذا الأخير، أي العراق، تتولى أموره عشرات الميليشيات المذهبية تحت القيادة الإيرانية المباشرة؛ فلا يتدخل فيه «حزب الله»، ولا يخطب فيه، إلا بالقدر الذي يستر حقيقة دوره هناك، حقيقة تبادل الخبرات والمرجعيات والطقوس والاخوة… الخ. العراق في أياد أمينة، بين «الحشد الشعبي» (المليشيات المذهبية) والجيش الرسمي، الذي لا يقل مذهبية، و»داعش» والأميركيين والإيرانيين، الوضع فيه «ممسوك»، والحدود العراقية الإيرانية مباشرة وبرية، ليست اسرائيل معنية بها ؛ وبالتالي، ما من حاجة إلى «التضامن» معه على طريقة «التضامن» مع سوريا.

الآن، في اليمن، مع الردّ العربي السعودي على توغل الحوثيين، النظراء المبتدئين لـ»حزب الله» بالمرجعية الفقهية الإيرانية، في قلب اليمن، وقيامهم بانقلاب على مؤسسات اليمن الهزيلة أصلاً… يخرج «حزب الله» من «حكمته» وتلاعبه بالألفاظ، يخرج عن طوره، فيزعق بعصبية فائقة بأن اليمن لن يمر بسهولة، بأن الروح والقلب والسلاح مع الحوثيين الثوريين ضد «مملكة القهر والظلام»، ضد «الوهابية الرجعية البدائية الداعشية». الآن، مع اليمن، لا يعود مشروع المقاومة يخص بلاد الشام وحدها، انما يمتد مظفراً نحو أقاصي الجزيرة العربية. مشروع المقاومة الذي يدافع عنه «حزب الله» في اليمن، والذي نعرف الآن انه كان على صلة اقوى مما تصورنا سابقاً، صار عنده من الأولويات.

ما هي مصلحة «حزب الله» في الجزيرة العربية، في جنوبها تحديداً؟ سيطرة إيران على اليمن، عبر الحوثيين؟ بحيث يصبح مثل لبنان، غير قابل لأن يُحكم؟ متجلّد، موقوف، معلول، فقير، مثل لبنان، الواقع عملياً تحت هذه السيطرة؟ لبنان بـ»حزب الله»، الرائد بتجربته الايرانية؟ وماذا تكون مصلحة لبنان ساعتئذ؟ أن يُضاف إلى لائحة البلدان الفاشلة، دولة شقيقة أخرى؟ ما هي مصلحة لبنان بأن تسيطر إيران على اليمن؟ ما هي مصلحة العرب؟ المسلمين والمسيحيين؟ أن يكونوا بإمرة إيران، «المقاوِمة» لأميركا، بعد «اتفاقها» معها، وانفتاحها عليها ودخولها نادي القوى الإقليمية، صاحبة اليد الضاربة في كل بقعة عربية تشاؤها مصالحها الحيوية وتمدُّد «مجالها الحيوي»؟ ما هي مصلحتهم أن يركعوا لدولة بحثت عن قرارها الحر، فبقي نظامها وعلا مقامها بسلاحها النووي والبالستي؟ هل يعني هذا بأن علينا ان ندافع عن الوجود الإيراني في الخليج لأن ايران هي الأقوى، عسكرياً وحضارياً، ونالت بذلك اعترافاً واحتراماَ، دولياً رسمياً؟ هل هناك من سبب آخر لمناصرة إيران في دعمها للحوثيين؟ نظامها الاجتماعي السياسي؟ القائم على ديكتاتورية الملالي ومرجعياتهم؟ ام نظامها الإقتصادي «النظيف الشريف»؟ طبعا «حزب الله» واخوانه لا يرون المسألة من هذا المنظار؛ انهم، في خضم إداناتهم الشديدة للعصبية السنّية، وتذكيرها بتاريخ الحرمان الذي لم تصنعه… في خضم هذه الإدانة إذن، يريد الحزب إيران من أجل أن ترفع شأن من صودر تمثيلهم، الشيعة، ورثة المستضعفين اللبنانيين، فتكون قوتهم من قوتها. اي ان الحزب، وهو منخرط في قلب مؤسسات الدولة اللبنانية وعلى قمتها، يريد من ايران ان تقويه بصفته ممثلاً لشيعة لبنان؛ تلك هي مصلحة الحزب العميقة والسطحية. وان لا تقتصر قوة هذه الدولة الحامية على بلاد الشام وحسب، أن تمتد الى الجزيرة العربية، فهذا خير على خير، يقوي الحزب، ويرفع من شأنه أمامنا وأمام العالم بأسره. وهذه لعبة لبنانية سبقه اليها كل من السنة والموارنة، ولم يفلحوا بغير تجديد دماء طائفية نظامنا السياسي؛ العلة والنتيجة.

فهل الحزب يعمل لمصلحة لبنان في هذه الحالة؟ كما سبقه السنّة والمسيحيون؟ أم ان تجربته الإيرانية أقوى من تجربة السنّة الناصريين، أو تجربة المسيحيين الأوروبية؟ هل نرى يوماً دراسة مقارنة بين علاقة هذه الطوائف اللبنانية الثلاث مع «خارجييها» ونخلص الى التقاط نقاطها الناتئة المشتركة والمتفرِّدة؟

قبل هذه المراجعة، وبعدما تبينت لنا مصلحة «حزب الله» ككيان سياسي وعسكري موال لإيران، يبقى علينا تحديد مصلحة اللبنانيين المباشرة، كل اللبنانيين: أن يخرج من الشلل وتدور عجلة مؤسسات الدولة، أن لا يبقى سائباً غير مستقر، أن يحمي نفسه بجيشه وبمجتمعه من «داعش»، أن يقف على قدميه اقتصادياً، أن يوقف تدهور أوضاع ابنائه المعيشية والعمرانية والبيئية. وهذه كلها «مصالح» دنيئة، ضئيلة، إذا ما قيست بعظمة الحمى التي يقودها «حزب الله» دعماً للحوثيين في اليمن.