علي الحسيني/الضاحية الجنوبيّة… من عهد الرجالات إلى زمن المافيات

302

الضاحية الجنوبيّة… من عهد الرجالات إلى زمن المافيات
علي الحسيني/ موقع 14 آذار/26 نيسان/15

تغيّرت ملامح الضاحية الجنوبيّة وما عادت كما كانت عليه في السابق، ولا عادت تُشبه في أحيائها وشوارعها تلك المنطقة الشعبيّة التي خرجت منها أولى طلائع المقاومين ضد العدو الإسرائيلي وشخصيّات مُتعدّدة ومتنوّعة كان لها في كل ميدان بصمة نجاح. ولم تعد تُحافظ على طابع “موزايك” خاص بها ميّزها عن بقيّة المناطق طيلة عقود سابقة بأنها جمعت بمساحتها الشرعيّة شرائح مختلفة من النسيج اللبناني. يُجمع ما يُعرف بسُكّان الضاحية الجنوبيّة “الأصليين” اليوم على أن الفترات الحالية التي يمرّون بها، هي بالنسبة إليهم من من أسوأ المراحل التي عايشوها هم وأهاليهم من قبلهم منذ أن سكنوا المنطقة. يترحّمون على زمن جميل لن يتكرّر حمل اليهم الأمن والأمان ورافقهم لسنوات طويلة قبل أن يتحوّل مُجرّد ذكرى بعد أن عبثت فيه يد أحزاب وتنظيمات فحّولته إلى واقع مرير مليء بالقهر والأسى.

تجول في شوارع الضاحيّة فتشاهد تعدّيات واضحة على الاملاك العامّة والخاصّة. مناطق أشبه بغابات إنسان البقاء فيها للأقوى، والقوّة هنا تُترجم بدعم حزبي لا محدود يبدأ بإحتكار بيع المياه والكهرباء عبر مولّدات خاصة بحيث يخضع كل حيّ تحت سلطة أحدهم، ولا ينتهي بإجبار الناس على القبول بهكذا نمط من الحياة وإلّا تم وضعهم على “جدول” زعيم الحيّ المدعوم وعندها لن يكون أمامهم سوى خيارين أحلاهما أمر من الاخر، فإمّا الرضوخ للأوامر، وإمّا بيع المنزل والإنتقال إلى خارج حدود الضاحية.

لم تعد الحياة هناك تستهوي الكثيرين، لكن وحدها الأسعار الخيالية للمنازل والإيجارات المُرتفعة خارج مُحيط الضاحية تمنعهم المغادرة. وبرأي هؤلاء أن المنطقة لم تعد آمنة كما عاهدوها في السابق وما من أحد منهم يجروء على إخراج أولاده الصغار بعد غروب الشمس حتى ولو بهدف حاجيّات من المحال القريبة من منازلهم، فأعداد من “شباب الحيّ” المتنوّعين عادة ما يتوزّعون على الأرصفة وجوانب الطرقات، على غرار العصابات في الأفلام السينمائيّة، بعضهم تُجّار مخدرات وبعضهم من أصحاب الخوّات، أمّا بالنسبة إلى العابرات من بينهم، يقول أحد سُكّان منطقة “حيّ السُلّم”، “كل وحدة هي وشاطرتها”.

الغطاء الشرعي الديني في الضاحيّة الجنوبيّة يُمنح لفئة ويُحجب عن فئة اخرى، كيف لا ورخص البناء وتشغيل مولّدات كهربائيّة والسماح بالعمل على سيّارات “اكسبرس”، جميعها بيد بلديّات تعمل بإمرة جهات حزبيّة متنفّذة. وخير دليل محمد سليم ابن محلّة “حارة حريك” العاطل عن العمل منذ سنوات مع العلم انه لم يوفّر مسؤول حزبي في الضاحية إلّا وطرق بابه لكن من جدوى. تتلخّص حكاية محمد أنّه واحد من بين الاف الشًبّان الذين يرفضون الإنحراف رغم فقر حالهم.

عجز محمد عن إيجاد وظيفة ذهب تسد باب جوع عائلته. ذهب لمسؤول حزبي في المنطقة التي يسكنها ليُساعده في الحصول على ترخيص “اكسبرس” صغيرة يضعها في احدى زوايا الشوارع، لكن الاخير رفض حتّى النقاش في الامر قائلاً له بأن الرخص هي فقط من حق جرحى “المُقاومة وأبناء “الشُهداء”، علماً يقول محمد، أن أكثر من 300 “أكسبرس” في الضاحيّة الجنوبيّة لا تعمل بترخص ومُعظم أصحابها هم إمّا مدعومون من أحزاب معروفة وإمّا محسوبون على مسؤولون كبار في البلديات، كما أن معظمها تحوّل إلى مراكز امنيّة منها تنطلق التعليمات للعناصر المُسلّحة.

حكايات كثيرة ومُتشعّبة يشيب لها شعر الرأس يرويها السكان بين منطقة وأخرى داخل هذا “المُربّع الكبير”، لا تبدأ بقضيّة حسين فرحات الذي خُطفت ابنته منذ اشهر على يد أحد ابناء العشائر ليتزوّجها رغم انها تُعتبر قاصر، ولا تنتهي بإفلاس معظم أصحاب المحال التجاريّة وإغلاق تجاراتهم بعدما تحوّلت الضاحيّة إلى مكان غير مُطابق للمواصفات الحياتيّة ولا المعيشيّة، فالعبء الذي تحمّله الأهالي على الصعيد الامني طوال المرحلة السابقة إنعكس على نمط حياتهم بشكل سلبي إذ تحوّل هم المآكل والملبس وتامين اقساط المدارس، إلى هم البقاء على قيد الحياة وتوفير المُدّخرات لأيام مقبلة يعتبرونها أصعب من تلك التي مرّوا بها.

حتّى معظم الفتاوى الشرعيّة “المُتقلّبة” لم تعد تجد لها مكانا في نفوس معظم الأهالي في الضاحية، ومظاهر التديّن التي طبعت عدد كبير من المنتمين إلى فريق حزبي مُحدّد في مرحلة ما، تبدّدت هي الاخرى بعدما فضحت رفاهيّة الحياة التي يعيشونها وتجاراتهم الواسعة والمُتعدّدة كل ما حاولوا التستّر خلفه كل تلك الفترة، ولهؤلاء الشخصيّات ملف خاص لدى الأهالي يدل بالأُصبع على كل منهم، وعلى سبيل المثال، فأن بعضهم احترف مهنة المقاولات والبناء، والبعض الاخر وسّع نشاطه في مجال بيع السيّارات فأصبح يمتلك معارض منها بعدما كان يعرضها في السابق على إحدى الأرصفة.

بالأمس اضطر يعقوب عواضة إلى بيع متجره المُخصّص لبيع الألبسة الأوروبيّة الواقع بين منطقتي “حارة حريك” و”بئر العبد” مُقرّراًّ العودة إلى كندا التي كان تركها مع زوجته وأولاده الثلاثة منذ خمس سنوات للمجيء إلى لبنان والإستقرار فيه بناء لرغبة الأهل، علماً أنها المرّة الثانية التي يتنقّل بها يعقوب بمتجره هذا بين منطقة إلى اخرى داخل الضاحيّة. يُخبر يعقوب عن خسارة ماديّة فادحة تعرّضت لها تجارته وكيف أنّه تحوّل من تاجر معروف بين الصين وكندا إلى رجل مديون يتهرّي من المصارف.

كُثر هم الذين ينتظرون لحظة البدء بالخطّة الامنيّة المُزمعة في الضاحية، وكثر هم الذين يُعوّلون على عودة الروح إلى حياتهم بعدما تلوّنت بالسواد بفعل التفجيرات وما تبعها من عملية إحياء “الأمن الذتي” التي كان لها الأثر الاكبر في قلب رأس حياة الناس رأساً على عقب، ومن بين سُكّان الضاحية من ينظر إلى الخطّة في حال جرى تطبيقها بالشكل المطلوبن على انّها الفرصة الاخيرة ليشعروا أنّهم في وطن شرعي خال من الإضطرابات و”المافيات”.