محمد علي فرحات/ السعودية ولبنان

290

 السعودية ولبنان
محمد علي فرحات/الحياة/22 نيسان/15

اللبنانيون الذين يعانون من وطأة الميليشيات، تصدمهم المحاولات الميليشيوية لتهديم الدولة اليمنية، خصوصاً بعدما هزلت دولتا الجوار، العراق وسورية، وانتقلت ظاهرة الميليشيا الى الداخل العربي لتفسد لحم الدولة ودمها وعظمها.

المحافظة على الدولة في أساس تضـــامن الــــغالبية الساحقة للشعب اللبناني مع المملكة العربية السعودية في موقفـــها من اليـــمن، وفي إصـــرارها علـــى دولة يمنية تساوي بين أبنائها ولا تفضل حامل السلاح على غيره، أي لا تفضل الحوثيين على سائر المواطنين. ولأن المملكة هي الجار الأكبر فهي الأولى بالمحافظة على دولة اليمن ومنع انحلالها. اكتشف اللبنانيون في أزمة اليمن مدى الصلات التي تربطهم بالسعودية، وتذكروا صور الملك عبدالعزيز في بيوت أجدادهم في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، عندما عوّضهم عن الخيبة بالشريف حسين الذي وقع في فخ مكماهون وعجز عن تلبية طموحات العرب بدولة تخلف السلطنة العثمانية المندحرة. تعويض الملك عبدالعزيز تجسد في مملكة وحّدت معظم جزيرة العرب، وأنجزت دولة حديثة جاذبة للعرب كونها مهدهم وللمسلمين كونها حامية للحرمين. وكان للنخب اللبنانية التي ناهضت التتريك مكانة عند موحد المملكة العربية السعودية الى جانب نخب مماثلة مصرية وسورية وعراقية. ويزداد اقتراب اللبنانيين من السعودية حينما يلاحظون أنها، مع شقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي، تشكل صخرة النجاة الوحيدة في عواصف تضرب الدولة العربية الحديثة، من تفكك سورية والعراق الى تخوفات الأردن وانحدار مصر وتدهور السودان ودم ليبيا المسفوك ذاتياً وانعزال تونس والجزائر وقلق المغرب. يدرك اللبنانيون جيداً قيمة الصخرة السعودية، وكونها منطلقاً لاستعادة العرب فكرة الدولة والتخلص من الميليشيا الشائكة التي خبروا تجاربها القاتلة منذ حرب لبنان أواسط السبعينات. انحياز اللبنانيين للسعودية سببه في الدرجة الأولى انحيازهم الى الدولة وعيش المواطنة، وبعد ذلك تأتي عوامل خاصة في العـــلاقات، بينها صورة الأمير طلال بن عبدالعزيز مصاهراً زعيم الاستقلال رياض الصلح، وصورة حســـين العويني رئيس الوزراء اللبناني مزوّجاً ابنته من شاب سعـــودي تسلّم مراكز حساسة في المملكة. ومع المصاهرة هناك صورة لبــــنان الزاهــــية فـــي خيال ملايين السعوديين والسعوديات، وصورة السعودية الحانية في خيال مئات آلاف اللبنانيين الذين عملوا في المملكة ونبغ منهم رجال أعمال وسياسيون، ليس الراحل رفيق الحريري سوى واحد منهم على رغم شهرته المأسوية. وفي المحطات السياسية الكبرى: مؤتمر الرياض أواخر العام 1976 الذي أسس لمؤتمر القاهرة وإرسال قوات الردع العربية لإنهاء الاقتتال في حرب السنتين. واللجنة العربية الثلاثية التي أنهت الحرب في لبنان ومهدت لاتفاق الطائف، النسخة الحديثة للدستور اللبناني. ولا ينتهي الكلام على تاريخ علاقة مستمرة بين شعبين ودولتين، فالسعودية هي الأكثر حضوراً في التحصين شبه اليومي لدولة لبنان أمام ضغوط الداخل العربي، ونكاد نقول إن السعودية هي محرضة العرب والعالم على دعم دولة لبنان. وهذا ما يلمسه المواطن اللبناني إذا شاور ضميره وأدرك مصلحته العميقة، لذلك نلمس تضامنه مع الرياض من باب تضامنه مع فكرة الدولة والسلام الاجتماعي.