علي الحسيني/من الخاسر الأكبر من مغامرات «حزب الله»؟

233

من الخاسر الأكبر من مغامرات «حزب الله»؟
علي الحسيني/المستقبل/18 نيسان/15

مرّة جديدة يغرق الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله في تحليلات أقل ما يُقال فيها انها بعيدة عن المنطق العام وبالتالي لا تعود على لبنان سوى بمزيد من الأزمات والإستعداء لدول شقيقة وإدخال شعبه في نفق طويل مُظلم لا نور يسطع في آخره ولا أمل يبعث فيه إيماناً بموعد قريب ليخرج منه.

في بداية خطابه أمس، ولإدراكه مُسبقاً عدم تمكّنه من ضبط إنفعالاته، طالب جمهوره بالسماح له بالتحدّث على سجيّته وهو نمط ليس بجديد بالنسبة اليه ولكّنه إزداد في الفترة الاخيرة وبات يُرافقه في كل إطلالاته المتلفزة. انفعل نصرالله وهدّد وتوعّد ثم ادرج حركة جديدة إلى معجم حركات يديه تُشبه تماما تلك التي كان يستعملها «أدولف هتلر» أثناء تهديده بمسح دول عن الخريطة الجغرافية وذلك عندما قال بأن « لا شيء يُمكن ان يمنعنا عن موقفنا تجاه السعوديّة«.

حاول نصرالله ان يلعب على غريزة جمهوره وعاطفته مستغلّا مجزرة «قانا» التي ارتكبتها اسرائيل في العام 1996 مُشبّهاً بينها وبين ما تقوم به «عاصفة الحزم» التي تقودها الدول العربيّة وفي طليعتها المملكة العربية السعوديّة ضد الجماعات «الحوثيّة» المدعومة إيرانيّاً، لكنه تناسى هنا أن الإجرام الذي إرتكبته الأولى بحق لبنان وشعبه في تلك الحقبة وقبلها وحتّى بعدها قوبل في الجهة الاخرى بدعم معنوي ومادي وسياسي من السعوديّة نفسها والتي يشهد على تاريخها أبناء «قانا» أنفسهم الذين ساندتهم المملكة بشكل فعلي وملموس في حين أن حزبه عجز يومها عن تأمين أبسط أنواع الدعم لهم.

لهو أمر مُضحك ومُبكٍ في آن واحد عندما يتم إستغباء الناس والتغاضي عن تاريخ مليء بذكريات مُفجعة وآلام ما زالت محفورة في قلوب اللبنانيين وتحديدا الجنوبيين. لحظة إنتقاله من موضوع «قانا» إلى معزوفة التهجم على الدول العربيّة، توجّه نصرالله بتحيّة ولو مُتأخرة بعض الوقت «إلى شُهداء المقاومة بينهم عناصر حركة «أمل» و»جبهة المقاومة الوطنيّة»، لكنّه لم يُكمل تتمّة التحيات ليقول لنا من قتل هؤلاء المُقاومين ونكّل بجثثهم وعلّق مشانقهم على الأشجار في حرب «إقليم التفاح» وغيرها، ومن منع عودة جثامينهم إلى قراهم ليرتاحوا في آخر محطّة لهم في حياتهم؟.

كم هو جميل أن تُختصر الحرب في اليمن بحسب نصرالله بأنها أطماع سعوديّة، وكم هو جميل أيضاً أن يعتبر التدخّل الإيراني في هذه الحرب دفاعاً عن «المُضطهدين» و»المظلومين»، ولذلك لا بد من التذكير أن اليمن هو جار للسعوديّة من قبل أن توجد بلد إسمها إيران ومع هذا لم يشهد التاريخ أي حرب دمويّة بينهما، وبما أن التدخل الإيراني سببه «الإضطهاد» و»الظلم» كما يدّعي، ألا يعرف السيد بأن في مجاهل أفريقيا مظلومين ومُضطهدين حقّاً، فلماذا لا يذهب هو والإيراني للدفاع عن هؤلاء طالما أن لديهم «شركة» خاصّة تُعنى بالعمل الخيري؟.

في قراءة واضحة ومُفصّلة لخطاب نصرالله، يتبيّن تماماً أن إطلالته بالأمس لم تكن مُجرّد لقاء «تضامني» كما أسماه، إنّما هناك نيّات مبيّتة للسعوديّة ولدورها في المنطقة خصوصاً عندما وصفها بأنها خطر على «الكعبة» وعلى المدينة «المنوّرة» وهو كلام «فارسيّ» قديم العهد أعاد نصرالله تكراره أمس ليُعبّر بكلامه هذا عن حقد تاريخي دفين ومُستمرّ وعن تهديدات للسعوديّة بشكل واضح، ومُستعيراً بعض «آداب» الخطاب الإيراني الإستعلائي من خلال قوله « إن أي تسوية في اليمن بعد «عاصفة الحزم» لا يُمكن ان تحصل«.

البارحة حمل كلام نصرالله الكثير من التناقضات والمُغالطات لا مجال للتطرّق اليها جميعها هنا، ولكن من بينها حديثه عن أن «الحوثيين» جماعات عُزّل وليس بإستطاعتهم ان يُشكّلوا خطراً على جيرانهم وتحديدا السعوديّة»، لكنه لم يقل كيف لهؤلاء «العُزّل» أن يقتلوا جنوداً سعوديين عند الحدود وأن يُهدّدوا بقصف مناطق سعوديّة بصواريخ «سكود» واخرى متطورّة، وليظهر تناقضه بشكل واضح بكلامه « أن عدم رد «الحوثيين» حتّى الآن بشكل عنيف على السعوديّة يندرج ضمن خطّة أطلق عليها اسم «الصبر الإستراتيجي» ما يعني أن تصعيداً عسكرياً من حزبه ومن خلفه إيران سيكون مسرحه اليمن في الفترة القادمة.

وكعادتهم وعند كل مأزق تمر به «الممانعة» يلجأ هؤلاء إلى لعبة تحريك الضمائر العربيّة من خلال تطرّقهم إلى القضيّة الفلسطينيّة وهي اللعبة التي أصبحت ممجوجة ومكشوفة أمام الجميع خصوصاً في الخطابات والمناسبات التي يحتاجون فيها إلى حرف أنظار الأمّة العربيّة عن إرتكاباتهم في العراق وسوريا، والمؤامرات التي يُديرونها ويُحركونها في البحرين واليمن وقبلهما لبنان. أمس اعتبر نصرالله أن الخاسر الأكبر من كل ما يجري هي فلسطين، لكنّه لم يقل لجمهوره من هو الخاسر الأبرز من المشروع الإيراني الذي يستعمل شيعة لبنان كوقود لحربه ومُخطّطاته في العراق وسوريا والبحرين واليمن ولبنان…