مهى عون/حول شرعية التدخل السعودي في اليمن

258

حول شرعية التدخل السعودي في اليمن
مهى عون/السياسة/15 نيسان/15

إذا كان صحيحاً أن رؤية وطريقة تقييم أي موضوع تتوقفان على الموقع حياله, أي نسبة القرب أو البعد منه, وربما أيضاً نسبة التأثر بالعامل العاطفي الأولي وغير العقلاني الذي قد يطبع أحياناً هذا التقييم, فإن رؤيتنا وتقييمنا لأي قضية سياسية, يأتيان استطراداً بنسبة التزام مكان القرب أو البعد منها, وذلك بحكم موقعنا في المعارضة أو الموالاة للسلطة القائمة. بيد أن هناك قاعدة أساسية ملزمة لكل باحث قبل خوض التقييم السياسي ومحاولة التعليق عليه, وهي الوقوف على ما يمليه علينا علم السياسة, ناهيك عن تحكيم المنطق والعقل بعيداً من تدخل الميول الشخصية, أو العصبيات الدينية, أو الأهواء المضللة للتفكير الصحيح. أما وقد برز في خضم الأحداث والتطورات الدراماتيكية التي يشهدها العالم العربي, ولا تزال تعصف به, نزاعٌ متفاقم حول ادعاء الحق أو الشرعية, لتبرير أي تصرف أو رفض للخصم, كان لا بد من محاولة الوقوف على المعنى الفعلي والحقيقي والمنطقي لهذا المفهوم. قد تكون الأحداث المتتالية في عالمنا اليوم, تعمل على تشويه الرؤيا وتشويش وجه الحق في هذا المفهوم, إلا أن يبقى هناك معيار أولي وأساسي يتعلق به مباشرة, ألا وهو حق المواطن بالعيش الكريم في ظل نظام عادل ومتساو على أرضه, من غير إكراه أو تسلط من أي نوع كان, بموجب نصوص قانونية ثابتة تسمى الدستور, على أن يكون لهذا المواطن حق اختيار سلطته بموجب نصوص هذا الدستور بشكل حر ومن غير إكراه, كي تتمكن هذه السلطة من تقديم ما يتوجب عليها من خدمات, وفي مقدمها الذود عنه من أخطار الأطماع الخارجية بواسطة قواها المسلحة, بصرف النظر عن ان اتخذت هذه الأطماع شكل الغزو الخارجي أو الشغب الداخلي المفتعل من هذا الخارج.

ولكن عندما يثور الشعب على حاكم ظالم, تخطى نصوص الدستور بغير وجه حق وانقلب عليه, تكون الشرعية هنا مع الشعب على حساب السلطة, وما على الحاكم المنحرف والمرتكب والمتسلط حينها سوى التنحي, كونه فقد شرعيته, وكما قيل في ما مضى, “الشعب هو صوت العدل على الأرض”, فمهما تكبر الحاكم أو تجبر, فسوف تكون الكلمة الفصل في النهاية لشرعية الشعب, ولا يمكن الحاكم ادعاء الشرعية, بموجب الدستور الذي أوصله إلى حيث هو, كون الشرعية تصبح في المقلب الآخر, أي بيد الشعب, مصدر الشرعية والمعني الأول والأخير بنصوص الدستور قبل السلطة القائمة. وإذا أخذنا النموذج اليمني اليوم, حيث يكثر الكلام عن الشرعية أو عدمها, يمكننا فهم ما تقوله السعودية عندما تعلن أن ما اقدم عليه الحوثيون هو تمرد على الشرعية المعطاة بواسطة الانتخابات العامة, للرئيس عبد ربه منصور هادي وهي شرعية قائمة, بحكم قبول غالبية المواطنين إياها على حساب مجموعات وفلول مخربة ارتهنت للخارج ورهنت مصيرها ومصير البلد وأبنائه لتسلط دولة خارجية, في حين كان الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح فقد هذه الشرعية, بعد أن استردها منه الشعب نتيجة ثورة عارمة, أدت إلى الإطاحة به وبمن حوله من الأزلام الفاسدين المارقين.

إن ادعاء إيران شرعية الأقلية الحوثية, ودعمها بالسلاح والعتاد الحربي, للوصول إلى تجسيد مقولة علي يونسي مستشار الرئيس روحاني, أن اليمن الدولة الرابعة في الإمبراطورية الفارسية الجديدة, حقيقةً على الأرض, لهو ضرب من الدجل السياسي والتعدي على كل معايير المنطق والنصوص الدستورية المعترف بها في كل دساتير العالم, فالثورة الشعبية التي أطاحت الرئيس المخلوع توسلت المبدأ الشرعي الإنساني العالمي المعروف, أما الانقلاب العسكري على الشرعية الذي ينفذه الحوثيون بمساعدة إيران, فينسف كل القواعد, ناهيك عن المعايير الإنسانية المعروفة. وبعبارة أخرى, فإن شرعية أي رئيس ليست سرمدية, وهي ليست ملكاً دائماً له وحده يتصرف بها كيف يشاء, وليست حقاً مقدساً لأحد, بل أن الشرعية عقد بين الرئيس المنتخب وشعبه, والذي يلغيها ويستردها هو الشعب, وليس للرئيس أي حق بذلك قطعاً.

إن الشرعية كالحرارة, ترتفع بالرضا الشعبي وتنخفض بالغضب الشعبي, وبالتالي عندما يستنجد شعب لا حول ولا قوة له سوى شرعيته, بدولة شقيقة وجارة, للتخلص من صلف وظلم فلول ارتهنت لدولة غازية أخرى لأنه لا يمتلك أدوات تحقيقه, يكون تدخلُ أي دولة جارة شرعياً, وشرعيته متحصلة من شرعية الشعب. وتزداد شرعية التدخل السعودي في اليمن قوة ليس بطلبه من الشعب اليمني فقط, ولكن بحصوله على شبه إجماع, عربي ودولي, يستند إلى قوة الحق والمنطق, فالجامعة العربية والأمم المتحدة اعترفتا بهذه الشرعية ليس إرضاءً للسعودية, ولكن من منطلق شرعة حقوق الإنسان في الذود عن أخيه الإنسان العاجز في محنته, ومن منطلق التضحية من أخ أكبر, تجاه أخيه الأصغر. إن ثقل المعارك وإن اشتد حدةً اليوم وطال, لكن التاريخ سوف يشهد على مدى التفاني الذي قامت به السعودية في اليمن, وعلى أنه لولا الخطوة الجريئة بالتصدي للتوغل الحوثي, لما وُجدت دولة أخرى مستعدة للإقدام على شن حملة عسكرية كبيرة ومباشرة, لاسترداد الحق والشرعية لأصحابهما, أي للشعب اليمني.