بيتر بينارت/ما الانجازات الحقيقية للصفقة النووية مع إيران؟

250

ما الانجازات الحقيقية للصفقة النووية مع إيران؟
بيتر بينارت/السياسة/08 نيسان/15

يناقش حاليا الخبراء والنقاد والسياسيون تفاصيل الصفقة النووية التي ابرمت يوم الخميس الماضي مع ايران, واعتقد ان تفاصيل الاتفاق اهم بكثير من البدائل الاخرى, كتعثر النشاط الديبلوماسي, وانهيار نظام فرض العقوبات الدولية “بخاصة مع عودة كل من روسيا والصين الى التعامل مع طهران”, وعجز المجتمع الدولي عن ارسال مراقبين او مفتشين للتأكد من الاوضاع. ان التفاصيل – في نهاية الامر- لا تكتسب الاهمية القصوى, وانما الذي يكتسب هذه الاهمية هو وقف الحرب الباردة التي استمرت بين اميركا وطهران 36 سنة.

بالنسبة للولايات المتحدة يحقق وقف الحرب الباردة ثلاث فوائد كبرى, فهو يقلل من اعتمادها على المملكة العربية السعودية,- والمعروف انه قبل سقوط الشاه عام 1979 كانت الولايات المتحدة على علاقات جيدة مع كل طهران والرياض, وكان هذا يعني ان اميركا لم تكن معتمدة بصورة علنية وواضحة على اي منهما في استيراد ما تحتاج اليه من النفط. ومنذ نشوب الثورة الاسلامية الايرانية حتى اليوم والمصدر الرئيسي للنفط الذي تستورده اميركا هو المملكة العربية السعودية, وبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر التي قام فيها 19 شخصا من مختطفي الطائرات بتدمير برجي التجارة العالمي, ادرك كثير من الاميركيين خطورة الاعتماد على دولة نفطية واحدة, ولوحظ ان من بين الاهداف الاميركية التي لم يعلن عنها في ما يتعلق بالحرب العراقية توفير حليف نفطي كبير مستقر وثابت, تعتمد عليه اميركا كالعراق بدلا من المملكة العربية السعودية..

ويبدو ان ما فشل في تحقيقه جورج دبليو بوش عسكريا, قد نجح في تحقيقه باراك اوباما ديبلوماسيا, وفي الاسابيع الاخيرة اعرب صقور اميركا عن مشاعر القلق لدى السعوديين من احتمال توصل اميركا الى اتفاق مع ايران, الا ان السبب الاكبر للقلق لدى السعوديين, هو ادراكهم ان تحسن العلاقات الاميركية – الايرانية يعني ضعف تأثيرهم على الولايات المتحدة, وهم لا يقصدون القول ان التحالف الاميركي – السعودي سينهار تماما, وحتى اذا تأثرت تلك العلاقات بعض الشيء, فان الولايات المتحدة ستظل في حاجة الى النفط السعودي, وقد تتحسن العلاقات قريبا بين اميركا وكل من طهران والرياض بصورة افضل من تحسن العلاقات بين هاتين العاصمتين, وهذا بالضبط ما كان الرئيس الاميركي الاسبق ريتشارد نيكسون يريد تحقيقه من خلال مساعيه النشطة بين واشنطن وموسكو وبكين في السبعينات من القرن الماضي. اليوم نجد ان الاتفاق النووي بين اميركا وايران يرفع عن مستوى النفوذ الاميركي في العلاقات مع كل من ايران والمملكة العربية السعودية.

وبمرور الزمن – وعلى المدى الطويل – يمكن ان تثبت ايران ان تحالفها مع الولايات المتحدة الاميركية اقوى من تحالفها مع المملكة العربية السعودية, والمعروف ان الايرانيين اكثر ميلا الى الاميركيين من جيرانهم عبر الخليج, كما ان للايرانيين تاريخا اطول في مجال الديمقراطية, ومن اكبر المشكلات التي تواجه السياسة الاميركية بالشرق الاوسط في السنوات الاخيرة بدءا بمصر ومروا بالسعودية حتى باكستان, هو ان الحكومات التي تؤيدها الولايات المتحدة تحكم شعوبا تكره الولايات المتحدة, وعلى العكس من ذلك نجد ان الاتفاق النووي مع طهران يمكن ان يمهد الطريق امام علاقة ايجابية مع ايران مع الشعب الايراني.

الفائدة الثانية لانهاء الحرب الباردة بين اميركا وطهران تتمثل في الدعم الاميركي المعنوي للشعب الايراني في مواجهة حكم الملالي الاستبدادي, ويبدو ان الصقور الاميركيين يؤمنون بأن زيادة مشاعر العداء في علاقة اميركا بالنظام الحاكم في ايران, كلما اتسع المجال امام تطوير الديمقراطية الايرانية. ويبدو أنهم توارثوا هذه الفكرة من ايام الرئيس الاسبق رونالد ريغان, الا ان الثابت حاليا هو ان العكس هو الصحيح, وافضل ما فعله ريغان بالنسبة لشعوب اوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي هو احتضانه ميخائيل غورباتشوف, وفي عام 1987 هاجم الصقور الاميركيون بشدة الرئيس ريغان بسبب توقيعه معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية متوسطة المدى, وهي اكبر معاهدة للتخلص من كميات كبيرة من الاسلحة النووية في حقبة الحرب الباردة, وادت في النهاية الى تحرر اوروبا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفياتي.

وتماما مثلما فعل غورباتشوف, نجد الرئيس الايراني حسن روحاني راغبا في انهاء حالة الحرب الباردة بسبب الخسائر الاقتصادية الفادحة, ومثله تماما ايضا في مواجهته الصعبة والقاسية للنخبة الاميركية التي تعتمد على الحرب الباردة في اكتساب المزيد من السلطة والمزايا الاقتصادية. ويقول بعض المعلقين ان المتشددين من افراد الحرس الثوري الايراني يستفيدون وينتعشون من حالة العداء السافر في العلاقات الاميركية – الايرانية , ومن العقوبات المفروضة “ومن بينها المقاطعة الاقتصادية” التي تمكنهم من القيام بعمليات التهريب, اما في حالة رفع العقوبات فان الشركات الاجنبية يمكن ان تعود الى ايران, وهذا هو الوضع الذي يمكن ان يحدث اليوم بعد توقيع الاتفاق الاخير, وهذا ما سيرحب به الكثير من رجال الاعمال الايرانيين العاديين, وما فشل في تحقيقه جورج بوش عسكريا قد ينجح في تحقيقه باراك اوباما ديبلوماسيا.

اخيرا نقول ان انهاء الحرب الباردة مع ايران يمكن ان تنهي ايضا الحروب المدنية في الشرق الاوسط, وما يسمى “الحرب الباردة” في الشرق الاوسط ليست “باردة” لان فيها عمليات قتل ودمار, وهذا ما يحدث فعلا في سورية واليمن هذه الايام.

في حالة انهاء الحرب الباردة (مثلما حدث بين اميركا والاتحاد السوفياتي) تهدأ عمليات تجارة وشحن الاسلحة, وتحرير شيكات الاثمان والاسعار, وهناك بارقة امل اليوم اذا ساعدت اميركا في عمليات التهدئة بين مختلف الفرقاء والطوائف والنظم المتصارعة, وبامكانها على سبيل المثال بذل بعض الجهود لضمان حكومة توافق بعد انتهاء نظام بشار الاسد مثلا.

ومن الطبيعي ان يكون ذلك خطوة نحو التهدئة خصوصا في ظل تحسين العلاقات مع ايران.

* عن “ذي اتلانتيك”

* ترجمة محمد صفوت