فيرا بو منصف/إن ننسَى فلن ننسى: أمهات زحلة إشهد يا تاريخ بدك تاخد زحلة؟ فشرت

775

إن ننسَى فلن ننسى: أمهات زحلة… إشهد يا تاريخ بدك تاخد زحلة؟ فشرت!!

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1501:

صارت الصورة مهشّمة بعض الشيء بفعل الزمن لكن المضمون ما زال نقياً. تحمل الزحلاوية صورة شهيدها، تصرخ من قعر الملجأ ومن دون دمع للتلفزيون الفرنسي وبلكنة زحلاوية صميمة “ليكي هالصورة مش حرام؟ بس ليكي مش فارقة معنا فدا زحلة فدا لبنان، زحلة مربى الأسودي، يا ويلن من الله ياخدولي ابني من قلبي بس بعد عندي تنين مقدمتن للوطن، شو إلو عنا حافظ الأسد؟ ينقبر ياخد جيشو ويحل عنّا بقا، بس زحلة بدها تضل زحلة زحلة مربى الأسودي زحلة دار السلام”… أمهات زحلة ماذا نخبر عنكن؟

تتقدم أخرى، أمهات يتسابقن على الكلام، وصور في القلب حُفرت قبل أن تصبح بيرق الجبهات، تقول الأخرى وبلهجة أعنف “أرنب بالجولان جايي يعمل حالو علينا هون بطل؟ ولك فشر، ولك نحنا الزحالنة رافعين راسنا برجالنا، نحنا عم نحارب تـ نحرر بلادنا هوي ليش عم يحارب؟ شو إلو عنا الـ (…)؟ بدو ياخد زحلة؟ بدو ياخد …” وتوجّه بإصبعها إشارة نابية لحافظ الأسد وجيشه المحتل، وفي الخارج أصوات القصف تلعلع. كان العام 1981 وكانت الحرب بين “القوات اللبنانية” والسوريين في عزّ حماوتها قبل إعلان هزيمة الاحتلال في 2 نيسان، وكانت الشعبة الخامسة في “القوات اللبنانية” صورت ذاك الوثائقي الشهير، وكان الشهداء وأمهاتهم…

كان الشباب يحاربون على الجبهات كافة، ولكل أم قلب يحارب كي لا ينهار خوفاً، ويصلي كي يصمد الأبناء أمام شرّ القرن العشرين المفتوح حقداً على زحلة ولبنان، لم تفعل أمهات في التاريخ كما فعلت أمهات زحلة ونساؤها عموماً، قليل أن حصل عبر التاريخ الحديث أن لم تستطع أمهات دفن أبنائهن الشهداء، أو حتى وداعهم أو تشييعهم أو حتى البكاء عليهم كما يحصل عادة، وهذا ما حصل في حرب زحلة، استشهد لنا فوق كثر واستشهدت معهم دموع الثكالى.

لم تسمح أمهات الشهداء في زحلة لأنفسهن بالاسترسال بالنحيب أو البكاء صاغرات طائعات منحنيات لهولاكو العصر، وسامحات له بأن يستبيح حتى أحزانهن، كأن حزنهن مؤجل لأن الانتصار لا يتحقق بالبكاء، ولأن الشباب في حاجة لمن يسندهم ويساعدهم ويساعد الناس العزّل في ملاجئهم، لم تكن الأمهات نساء في حرب زحلة، بل كن رجالا بأرواحهن وقوتهن ومقاومتهن، ونساء بالرحمة والشجاعة والقلوب، كما هي تلك السيدة التي كانت تحميهن وتحمي الشباب، تلك السيدة المعلقة بين الأرض والسماء، عذراء زحلة.

تسعون يوما متواصلة تحت وابل الموت، شباب من بيروت والمناطق المحررة تدفقوا الى زحلة لإنقاذها من الحصار، قطعوا الجبال تحت الثلج، استشهدوا وبعنف فوق الصقيع، جرجروا دماءهم الحارة المتجمدة في وعر الجبال لينقذوا المدينة من الدماء، الكثير منها، ليحرروها من فك الأسد، من أنيابه الضارية فوق شرايين لبنان، كانوا كثرا عددا وعديدا، وكنا القلة عددا وعديدا لكن حسبنا الحق وأرضنا والأكثرية.

في قلب زحلة كان عدد المقاتلين لا يتجاوز المئة، ومن خارجها عند التلال والمخارج وجسر زحلة الشهير اختلف الوضع، وقف ذات مرة الشيخ بشير هناك مع المقاتلين قال لهم بالحرف: “ما رح نعطيكن جسر زحلة، بدكن تاخدوه خدوا بالقوة، بدكن تضَهروا دباباتكن عن الجسر بتضهروها بالقوة… لـ منقدر نعمله رح نعمله، صار عنا تقريبا خمسين شهيد بس بالمقابل صار في أكثر من 250 قتيل للـ…”. كان بإمكانهم يومذاك أن يتخلوا عن جسر زحلة، وأن يوافقوا على عقد ما يشبه الصفقة وتنتهي القصة، لكن رفض الشيخ بشير، ورفض المقاومون، ورفضت الأمهات والأباء، لأن التوقيع على الصفقة يعني إعلان زحلة مدينة مهزومة مستسلمة ملعونة من التاريخ والناس والشرف، فذهبوا جميعا الى القرار الصعب، الى المواجهة، وحصل ما حصل.

كان الشهداء يسقطون ولا يتمكن أحيانا المناضلون من سحب جثثهم من أرض المعركة بسبب كثافة النيران، كان الاحتلال يهدف لإذلالهم، لجعل الشهداء طعاما لذئاب جائعة في ليالي الصقيع، في الجرود المحفورة وعرا وموتا، وكانت الأمهات في الانتظار المروّع، لا تعرف متى يدخل مقاتل باب الملجأ ليحمل مع المؤونة والأدوية، خبرا ما لأم ما ثابتة في الانتظار، ولا نقول مختبئة، لم تختبئ الأمهات في حرب زحلة، كنّ النحل حين يغزل العسل، حتى في الحرب ثمة عسل، حتى في الانتظار والخوف ثمة عسل، الانتصار عسل الحروب، الشهادة رغم الوجع هي شهد الكرامة.

تحولت أمهات زحلة الى ما يشبه الأسطورة، تحوّل المجتمع في زحلة الى عائلة واحدة متراصّة مترابطة، فُتحت الجدران بين الملاجئ والمباني المتلاصقة ليتمكن الجميع من التواصل قدر المستطاع، وليتمكّن الشباب من إحضار المؤونة بأسرع وقت للجميع، كانت النساء تحضّرن الطعام للشباب على الجبهات، تخبزن، تطبخن، تغسلن الثياب، تداوين الجرحى في الملاجئ، تطعمن الأطفال والمسنين، تتواصلن مع الشباب لتأمين كل ما يلزم، وكل ليلة يعقدن حلقات الصلاة على ضوء الشموع والمدافع، على نيّة زحلة وشبابها المقاوم، وأيضا كن يغنين وبالصوت العالي تحدّيا لـ”داعش” ذاك الزمن، للاحتلال السوري، بفضلهن تحولت زحلة الى عيلة كبيرة كثيرة الفروع والأبناء، متراصّة موحّدة على المواجهة.

تروي قريبة شهيد أنها في ليلة من تلك الليالي وكانت الدبابات تدكّ زحلة بعنف هائل، جلسوا في العتمة يصلّون، فجأة دخل شاب من “القوات اللبنانية” يحمل أدوية، أخبرهم أن ثلاثة شبان من رجالنا استشهدوا دفعة واحدة، وقفت أمهات وسط الملجأ وطلبن منه ألا يخبرهن الآن عن أسمائهم، كانت كل منهن تخشى أن يكون ابنها وتخشى على الأخرى أن يكون ابنها، رفضن معرفة الأسماء الى أن يحين الصباح وليتمكّن من إنهاء مهماتهن في الملاجئ، إذ كان القصف شديداً وكان الاحتلال دكّ عمدًا مبنى سكنيا فوق رؤوس الناس علّ المقاومين يستسلمون، وسقط عدد كبير من الجرحى والشهداء وزحلة تعيش قلب المعاناة والموت والقصف، وطلع الصباح وانتشر الخبر، لم تتمكن أمهات الشهداء من تشييع أولادهن، ذهبوا الى حيث يرقدون تشيّعهم القلوب، وكانت القلوب تقطر دما حارا كدمائهم، ألما يقارب وجع العذراء حين احتضنت يسوع الشهيد بين ذراعيها. هذا كان عزاؤهن الوحيد، التشبّه بالعذراء، كل شهيد في زحلة كان ابنا لكل الأمهات، وكل أم كانت لكل الشباب والشهداء، لم ترقص زحلة على وقع النعوش البيضاء فوق الأكتاف، لم تتمكن من أن تقيم أعراس الشهادة لأبنائها حين تزفّهم الى رجاء القيامة مع يسوع، كان الموت داهما الى درجة الجنون، يستشهد مناضل تحمل الأمهات الدمع الى عتمة الملجأ وفي الصباح ينهضن ليكملن النضال مع لـ بقيوا، ويللي بقيوا كتار…

كُتب مرة أن المراسلة الفرنسية التي جاءت زحلة أيام حربها مع ذاك الهولاكو الحاقد، كان لديها انطباع مختلف تماما عما تضمنه تقريرها لاحقا، إذ ظنت بداية أن المسيحيين في لبنان يلجأون الى الخوف في عتمة الشموع والاستسلام، لكن نساء زحلة تحديدا ومقاوميها وضعوها في دهشة الموقف والخلاصة، فذهبت الى بلادها تخبر ما تفعله أمهات المناضلين في لبنان وكيف يواجهن الموت بالأغنية والصلاة والصلابة.

كانت تسعون يوماً، كتبت زحلة أسطورة المقاومة صحيح، لكن أمهات زحلة ونساؤها غزلن حكاية تشبه الدانتيل المخرّم، فيه ما فيه من الحنان والدقّة، لكن الخيوط الرفيعة فيها ما فيها من القوة، هي ذاك الخيط الرفيع بين الأنوثة المطلقة حين تتحول امرأة الى رجل قوي تضحك بقلب دام من الألم، وتبكي بقلب امرأة حرقه الفراق وهي تعرف أن الشهيد قد يصبح اثنين، وأن أبناءها لم يكونوا يوما لها إنما أبناء القضية، أولاد المقاومة، ثمرة الحب الخالص لأرض لم تصبح أرض البخور والقديسين إلا باستشهاد الأبناء وبدموعهن وضحكاتهن وأياديهن الناعمة حرير السماء مشلح العذراء، إشهد يا تاريخ…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.