علي الحسيني/البعث السوري في لبنان هبوط اضطراري أم سقوط حتمي؟

637

«البعث» السوري في لبنان… «هبوط اضطراري» أم سقوط حتمي؟
«الراي» تحدثّت الى شكر وقانصو … ففتح كل منهما «النار» على الآخر

| بيروت – من علي الحسيني |

فايز شكر: • قانصو هو «زلمة» رستم غزالة والأخير دعم حركته

• القيادة التي أُنتُخبت في ثمانينات القرن الماضي لم تعد تملك أي صفة شرعية لأنها فقدت أكثر من ثلثي أعضائها

عاصم قانصو: • شكر متمرّد وقرار إقالته لم يأت من حب الاستقواء بل بتوجيهات من الرئيس الأسد

• نحن كقيادة «قوميّة» يمكننا حل قيادة شكر وتعيين بديل لها وهذه صلاحية بموجب النظام الداخلي للحزب

لم يمرّ قرار القيادة القومية في حزب «البعث العربي الإشتراكي» في سورية القاضي بإقالة الأمين القطري الحالي للحزب في لبنان الوزير السابق فايز شكر من منصبه مرور الكرام لا على الأخير ولا حتّى على مناصريه ومؤيديه من داخل الحزب أو من خارجه.

«البعث» في حال «استنفار» أو «طوارئ». جملة تختصر ما آلت اليه الوقائع داخل الحزب الأقدم على الساحات العربيّة، أو هكذا يصف «البعثيون» وضعهم الحالي، وخصوصاً أنهم عالقون بين قرار القيادة القومية، وهي السلطة الأعلى في الحزب، الذي قضى بحل القيادة القطرية اللبنانية وتعيين قيادة جديدة برئاسة عبد المعين غازي، وبين رفض شكر الأمر وتأكيده مع أنصاره أنه حتى الساعة لم يتبلّغ بأي كتاب رسمي في شأن إقالته وأنه سمع الخبر على الاعلام مثله مثل بقيّة اللبنانيين.

ما حزب «البعث»؟

«البعث» في لبنان هو جزء أساسي من منظومة «البعث» في سورية وبقيّة «الأقطار» العربيّة لدرجة أن هذا الفرع الوكيل كان طغى صيته على الفرع الأصيل في سورية في فترة الثمانينيات من القرن الماضي وتحديداً قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان وبعده قبل أن يعود وينكفئ بشكل كبير عن المشهد اللبناني وخصوصاً بعد الانسحاب السوري من لبنان عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 وما رافقه من اتهامات سياسية بضلوعه بالمشاركة في عمليّة الاغتيال رغم تمكّنه لاحقاً من إيصال عضوين منه إلى مجلس النواب في انتخابات العام 2009 هما: قاسم هاشم وعاصم قانصو.

ويُعتبر «البعث العربي الاشتراكي» في سورية الحزب الحاكم منذ مارس 1963 وقد تأسس العام 1947، وشهد منذ تأسيسه صراعات وانقسامات بين قيادتيْ «القوميّة» و«القطريّة» ثم بين تيارين واحد يساري وآخر يميني قبل أن يتسلّم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قيادة الحزب والدولة في نوفمبر 1970 بعد حركة انقلابية أطلق عليها اسم «الحركة التصحيحيّة». وظلّ «البعث» في سورية الحزب الحاكم وفقاً للمادة الثامنة من الدستور والتي تقول «إن حزب البعث العربي الاشتراكي» هو الحزب القائد في الدولة والمجتمع ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية «ليعود ويلغي الرئيس الحالي بشار الأسد هذه المادة عقب «انفجار» الثورة في البلاد العام 2011 ثم انزلاقها إلى حرب.

وبالعودة إلى موضوع إقالة شكر من منصبه وما رافقها من خضّات وحركات اعتراضيّة ما زالت مستمرّة لغاية اليوم بين مؤيد لها ورافض لتطبيقها، فقد أكدت مصادر بعثيّة لـ«الراي» فضّلت البقاء على الحياد أن «خلافات القيادات الكبار انعكست بشكل سلبي على العناصر والمؤيدين، وهي كانت بدأت بالظهور إلى العلن يوم قرّر شكر تجميد عضوية عدد من الفاعلين مثل: النائب الحالي قاسم هاشم، عدنان حدّاد، رولا السمراني ومصطفى شحوّد الذي توفى لاحقاً، لتتطوّر الامور بعدها بشكل دراماتيكي بين شكر و(عضو القيادة القومية) النائب البعثي الحالي عاصم قانصو الذي أُفلت عياره يومها باتجاه الأول حيث وصف عمليّة إعادة انتخابه بغير القانونية وليتدخل على إثرها اللواء رستم غزالة الذي تمكّن من تهدئة الأمور لكن من دون أن ينجح بإنهائها او أقلّه إخمادها لفترة من الزمن».

أمّا لجهة اتهام شكر النائب قانصو بالوقوف وراء هذه الإقالة بالتنسيق والتعاون مع غزالة وبعض أعضاء «القيادة القوميّة» في «البعث»، يردّ قانصو عبر «الراي» قائلاً: «بداية يجب توضيح مسألة في غاية الأهميّة وهي أنني أعلى رتبة حزبيّة من شكر، فعملي هو الإشراف على (الأقطار) ونحن كقيادة قوميّة يمكننا حل قيادة شكر وتعيين بديل لها وهذه صلاحية بموجب النظام الداخلي للحزب تماماً كما حصل في العام 2006 عندما حُلت القيادة التي كنت أترأسها. كما أن الإقالة لم تأت من فراغ أو من حب الاستقواء بل بتوجيهات من الرئيس بشّار الأسد والأمين العام المساعد عبدالله الأحمر وقياديين آخرين بالإضافة إلى السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي».

ويعترف قانصو بأن لقاء كان جمعه قبل نحو عام مع شكر في سورية برعاية غزالة. لكنه يؤكد أن هذا اللقاء «لم يكن من باب الأوامر أو السلطة أو حتّى الرتبة الحزبيّة التي يتمتّع بها غزالة، إنما من باب (المونة) والعلاقة الشخصيّة التي تربطه بنا».

وإذ استغرب «حالة التمرّد» التي يقوم بها شكر، أوضح أن «هذا التمرّد يضر بالحزب ونحن في القيادة القوميّة كُنّا أمهلنا القيادة القطرية المؤقتة مهلة سنة لإعادة تجميع الحزبيين وتأهيل الفروع الحزبيّة واتحادات الطلبة والاتحاد النسائي، لكنها لم تسمع لنداءاتنا المتكررة. وهناك ضعف تنظيمي حاصل والبعض فضّل الاعتكاف وهناك مَن امتنع عن التصريحات السياسية وغالبية كوادرنا فضّلوا الانكفاء عن العمل الحزبي كما أن الحالة الجماهيرية افلتت من يدنا».

كلام قانصو بدا على «طريقة ما قلّ ودلّ»، وربما هي سياسة يتّبعها لتمرير المرحلة التي وصفها بـ «الصعبة نوعاً ما»، ولكن رغم نوعيّة هذا الكلام واستناده إلى موافقة عُليا على قرار الإقالة، يوضح فايز شكر لـ«الراي» مهمات القيادة «القوميّة» ودورها في حياة الحزب والقرارات التي تصدر عنها فيقول: «هناك قيادات قطرية على مستوى الأقطار، وفوق هذه القيادات توجد قيادة قومية وهي أعلى سلطة في الحزب، وقانصو هو أحد أعضائها. لكن مشكلة هذه القيادة أنها أُنتُخبت في آخر مرّة في الثمانينيات من القرن الماضي بالإضافة إلى أنها لم تعد تملك أي صفة شرعية بعدما فقدت أكثر من ثلثي أعضائها».

وفي رأي شكر «أن القيادة القومية كان عليها أن تسعى إلى عقد مؤتمرات من أجل ضخ دم جديد يواكب التطوّر الذي كان أطلقه الرئيس بشار الاسد والحداثة التي يعمل عليها على المستوى الوطني في سورية وعلى المستويين القومي والقطري، لكنها لم تفعل. وهناك أمر غاية في الاهميّة ويتمثل في أن القيادة التي ينضوي فيها قانصو لا يحق لها تعيين قيادات أو حلّها إلا أمام مؤتمرها».

وحول جدليّة صلاحية القيادة «القوميّة» لجهة قرار الإقالة يُعطي شكر مثالاً على عدم قانونيته من خلال تذكيره بقصّة مشابهة: «في العام 1966 كان ميشال عفلق أميناً عاماً لـ(البعث)، ويومها اتخذت القيادة القومية قرار حل القيادة القطرية السورية، لكن الأخيرة رفضت الإذعان للقرار ودعت الى مؤتمر ثم أعادت إعطاء الثقة لنفسها. بعدها رفضت القيادة القومية تنفيذ هذا الإجراء فجرت على أثرها ثورة 23 فبراير من العام 1966 أي الحركة التصحيحيّة»، معتبراً أن ما جرى بحقّه «لا يندرج ضمن قانون الأحزاب المعلنة والمرخص لها، بل ينطبق على الاحزاب السريّة وليس على حزب علني مثل (البعث) يعمل تحت سقف القوانين والأنظمة المرعية الاجراء على مستوى لبنان».

أصل المشكلة؟

يتهم شكر قانصو وغزالة مع بعض مَن هم في القيادة (القوميّة) بالتآمر عليه والوقوف وراء قرار الإقالة. وفي رأيه أن قانصو «ليس قادراً وحده على اتخاذ قرار كهذا. ورستم غزالة هو مَن دعم حركة قانصو، والأخير هو (زلمة) غزالة، والأمر ليس وليد الأمس بل يعود إلى فترة تحضير بدأت قبل ثلاثة أشهر». ويعترف شكر بأن الخلاف بينه وبين قانصو يعود للعام 2005 يوم اتُهمت سورية باغتيال الحريري إذ «يومها كان قانصو الأمين القطري في لبنان، فعمد إلى إغلاق مكاتب الحزب بعدما كان سلّم (غيرهارد ليمن) المحقق في لجنة التحقيق الدولية باغتيال الحريري جميع الملفات الخاصّة بالحزب. بعدها تداعينا نحن بعض الرفاق في الحزب وتواصلنا مع بعض أعضاء القيادة (القومية) لاستنهاض (البعث) مجدداً والعودة إلى الضوء، لكن هذا الأمر لم يرق لقانصو لكونه يعتبر (البعث) في لبنان مزرعة خاصة به كتلك التي يملكها في منطقة البقاع».

ويضيف: «لا مشكلة بيني وبين قانصو أقله من جهتي. أنا كأمين قطري لـ (البعث) في لبنان يمكن ان أخطئ في مكان ما كأي شخص، لكن هذا الخطأ يُحل ضمن المؤسسة وليس على المستوى الإعلامي. لقانصو مشكلة مسكونة في عقله وهي حب العظمة، فمَن هو ليقول انه أعلى رتبة من الرئيس بشار الأسد في (البعث)؟. وحين نسأله: أليس الأمر صحيحاً؟ يجيب: بالترتيب الحزبي قد يكون أعلى رتبة من الرئيس الأسد، لكن في حقيقة الأمر فإن هذه القيادة (القومية) لا مكان لها من الإعراب».

هل لـ «حزب الله» دور في الإقالة؟

قيل كلام كثير حول دور ما لـ «حزب الله» يمكن أن يكون لعبه في عمليّة إقصاء شكر مع بعض الحلفاء، لكن الاخير يُشير إلى أن «هناك حلفاء بالتأكيد يقفون إلى جانب قانصو في حملته هذه، ولكن (حزب الله) كقيادة لم يكن داعماً لهذه الحركة وقد جرى إبلاغي رسميّاً من قيادة الحزب بعدم علاقتهم بهذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، علماً أن قانصو وفي جميع محطّاته يزج باسم الحزب تملّقاً، ولذلك فهو لن يصل إلى أي مكان وسأبقى أنا في مكاني».

ويحزّ في قلب شكر إصدار قرار إقالته بالتزامن مع «اليوم الذي جرى فيه الإدعاء عليّ على يد محامين من تيّار (المستقبل) على خلفيّة مقابلة كانت أجرتها معي قناة (أو تي في) تهجمتُ خلالها على دور الامير بندر بن سلطان».

وأثناء الحديث مع شكر كان لا بد من التطرّق إلى قصة اللواء غزالة وتحديداً لجهة ما يُحكى عن موته أو إصابته أثناء القتال، ليؤكد «أن الأخير لم يقاتل ولم يُصب بقنبلة كما ادّعى البعض. ومشكلة غزالة تتمثّل في أنه (دعس دعسة ناقصة على درج طويل)، وهذه (الدعسة) جعلته يقع من أعلى السلّم، وأُدخل على إثرها إلى المستشفى مصاباً بالضغط وبصعوبة بالغة في التنفس. وحين نسأله: هل السُلّم حقيقي أم هو تلميح منك؟ يجيب:الشاطر يفهم».

لكن ماذا عن البعثيين؟

هذه الإشكالات انسحبت بدورها على المحازبين «البعثيين» بين مؤيد لقرار إقالة شكر وبين رافض له، ولذلك كان لا بد من الوقوف عند آراء بعضهم من خلال اللقاء بهم داخل المركز الرئيسي في منطقة «رأس النبع» في بيروت. على مدخل المركز عُلّقت صورتان كبيرتان للرئيس حافظ الأسد وأخرى للرئيس بشار الأسد. المشهد أشبه بمواجهة بين الأب والابن حول ما آلت إليه الأوضاع في سورية و«البعث». ينظر حسين الحاج حسن، المسؤول الأمني للحزب إلى صورة الأسد الأب ويقول «الله يرحمك، لو كنت حيّاً لما حصل كل هذا». ماذا تقول لنجله؟: «الله يحميه ونتمنى ان ينظر إلى حال (البعث) وأن يُعطيه ولو القليل من وقته».

حال الضياع بين القيادة كان له تأثير كبير على العناصر الموجودة في المركز. لم يصلنا أي بلاغ رسمي بتسليم المركز للقيادي القطري الجديد عبد المعين غازي، وحتّى أننا لم نعرف لغاية الآن إذا كانت تمت تسميته أميناً قطريّاً فعلاً أم أنها مجرد أقاويل«.

وحين نسأل هؤلاء العناصر عن الجهة الوحيدة المخوّلة إصدار قرار يقضي بتنحية شكر عن القيادة، يُجيبون»لا نعترف إلا بقرار صادر عن الرئيس الدكتور بشار الأسد«.

ولقانصو معسكر داخل»البعث«؟

مقابل معسكر شكر داخل»البعث«يوجد أيضاً معسكر آخر يتبع لقانصو وتصدر فيه اتهامات للاول بـ»قلّة الوفاء«. أحدهم يُشير إلى»أن شكر كان صغيراً في السن عندما عمل مرافقاً لقانصو في جولاته السياسية يوم كان شابّاً«، وأن قانصو هو من وفّر لشكر منحة دراسية كي يتابع تحصيله العلمي كطبيب في إحدى الدول الشيوعية في زمن الإتحاد السوفياتي ومع هذا فشل في مهنته وفي ردّ الجميل لقانصو. ويقول هؤلاء»قرار ترشيح قانصو للمقعد النيابي العام 2009 على لائحة المعارضة عن دائرة بعلبك الهرم كان رسالة واضحة الى شكر الذي رفض بدوره قراءتها بالشكل الصحيح«.

إلا أن شكر يردّ على هذه الاتهامات ويقول:»لقد مارستُ مهنة الطب منذ العام 1986 إلى حين تبوأت منصباً وزارياً. أمّا اتهامي بـ «قلّة الوفا» فأنا رجل معروف عني بوفائي لزوجتي وأولادي».