عبدو شامي/حدائق السعودية وملعب إيران

682

حدائق السعودية وملعب إيران
عبدو شامي
1/4/2015

مع استمرار “عاصفة الحزم” الخليجية-المصرية-الباكستانية بقيادة السعودية في ضرب عصابة الحوثيين إجهاضًا لولادة نموذج لبناني جديد، أي حزب إيراني تكفيري-إرهابي يسيطر بواسطة حفنة عملاء من حمَلة الهويات اليمنية على اليمن ومضيق “باب المندب” واضعًا الأمن القومي السعودي والمصري في البحر الأحمر مباشرة تحت سيطرة إيران… كثيرون تحدّثوا عن صحوة عربية-سنيّة وتغيير لموازين القوى. فما مدى صحة هذه التحليلات؟

المتتبّع لسياسة السعودية حيال البلدان التي ابتلعها المشروع الفارسي الحاقد يجدها بعيدة كل البُعد عن الاعتبار السنّي أو العربي، هي سياسة مصالح خاصة وضيّقة فاقدة لرؤية استراتيجية تُوقف مشروع إيران الأخطبوطي ما سمح له بالتمدّد بدعم وتسهيل مباشر من اللاعِبة على الحبلّين ومدعية الحلف مع السعودية: أميركا؛ هذا على الأقل ما حصل في بوّابة العالم العربي، العراق، باعتراف الإيرانيين أنفسهم. توسّعت إيران وضمّت الى العراق سوريا ولبنان وغزة(حماس)، مع ذلك لا تحرُّك استراتيجيًا سعوديًا يردعها. قامت الثورة في سوريا وكانت فرصة ذهبية لتحريرها من الاحتلال الفارسي، مع ذلك التزمَت السعودية بالأوامر الأميركية في عدم تقديم ما أسمَوه “الأسلحة الفتاكة” للجيش الحر، بل موّلت جماعات دينية تحمل فكرًا متشدّدًا لم تلبث أن انشقت عن هذا الجيش أو حاربته وشتّت قواه لمصلحة النظام المجرم. في لبنان، السعودية مسؤولة عن تعاظم النفوذ الإيراني لوقوفها بالكامل وراء التنازلات القاتلة والمفاجئة والمستمرة التي قدّمها وكيلها “الحريري” طوال 10 سنوات، وهي اليوم تحاور إيران بِذُلّ في لبنان بعد إذُلاله بمعادلة الـ س.س الغادرة. أما في اليمن، فالتخبّط السعودي في التعامل مع ملف الرئيس المخلوع “علي عبدالله صالح” وعزوف المملكة عن دعم السنّة المقاومين للتمدّد الحوثي بحجة أنهم من “الإخوان المسلمين” أتاح لإيران الهيمنة على البلاد بتحالف جمع الحوثيين وجماعة “صالح”… الى أن قرّرت السعودية اليوم تصحيح خطئها في اللحظة الأخيرة كما فعلت عام2011 في البحرين بواسطة “درع الجزيرة”. فما هي دوافع هذا التحرّك؟

منطقيًا، التدخل الاستراتيجي الرادع الذي اتخذته السعودية في البحرين واليمن جاء بدافع مصلَحي خاص نظرًا لكون سقوطهما يشكّل تهديدًا أمنيًا مباشرًا لمملكة آل سعود بخلاف سقوط لبنان وغزة وسوريا، أما العراق فاحتلاله فارسي-أميركي مشترك “على رأس السطح” وبالتالي فات فيه أوان التدخل. وعمومًا، تصاريح إيران التوسعية والعنصرية الوقحة التي خلعت معها “تشادور” التقيّة خصوصًا في آذار2015 وتطلّعها الى مكة والمدينة كما يجاهر بعض معمّميها، إضافة الى مآخذ السعودية على أميركا على خلفية ما تصفه بسلوك إدارة “أوباما” المتساهل حيال إيران… جعل السعوديين يستشعرون خطرًا مضاعفًا على أمنهم، فقضم إيران اليمن (كما البحرين) تمّ بضوء أخضر أميركي عكَسه السكوت حيال العربدة الإيرانية، وهو ما أكّدته صحيفة “الجريدة” الكويتية في 28/3/2015 على لسان مصدر مطلع كشف”أن مسؤولين كبارًا في “البنتاغون” حاولوا إقناع القيادة السعودية بوقف العملية وإعادة النظر”، مضيفاً أن “الجانب الأميركي فوجئ بالتصميم الخليجي وبالائتلاف العربي والإسلامي الواسع الذي شُكّل، ووافق عليه على مضض”.

مما لا شك فيه أن العرب والسنّة تحديدًا بل والشيعة الأحرار وكذلك المسيحيّون مستفيدون من تحرير أي بلد تحتلّه إيران عدوّ العرب والسنّة الأول قبل إسرائيل؛ لكن هذا لا يُعمِينا عن أن التحرّك السعودي-المصري حيال اليمن لم يُبنَ على مبدأ عربي ولا سنّي ولا حتى نصرة لشعب اليمن، إنما أتى بدافع المصلحة الخاصة، أي حِفظ أمنهم القومي حيث يمكنهم التدخُّل وحيث هو مهدّد بشكل مباشر، وهذالا يعدو عن عملية حزم موضعي لا تتجاوز حدود اليمن ولن تأتي بحسم شامل يُنهي الاحتلال الفارسي للبلدان العربية. باختصار، نحن أمام ترسيم حدود لإيران مفاده أن السعودية وما يحدّها من “حدائق” خط أحمر، أما الملعب الإيراني فهو العراق وسوريا ولبنان.

نريد التحدّث بواقعية وعقل دون عواطف وأوهام، عاصفة الحزم على أهميّتها وما شكّلته من ألَم لولاية الفقيه بقطعِها إحدى أذرعها، بعيدة عمّا وصفَتها به التحليلات من “توحُّد مليار سني ضد ايران”، و”رد اعتبار العرب والسنّة”، و”تغيير موازين القوى في سوريا والعراق ولبنان”، و”بداية انهيار الامبراطورية الفارسية”؛ وطالما أن الحلف الصهيو-فارسي قائم لا خلاص من المشروع الفارسي إلا بعاصفة حزم شاملة تهبُّ بدافع عامّ عربي-سني مشترك، أو بدعم حقيقي للسنّة المنتفضين في سوريا والعراق، أو بثورة داخل إيران تعيدها من امبراطورية فارسية عاصمتها بغداد الى جمهورية إيرانية ديمقراطية عاصمتها طهران وعلى خاصرتها دولة عربية مستقلة اسمها الأحواز. هذا ما نقرؤه الآن، وعند آتي الأيام الجواب اليقين.