بول شاوول/لماذا ثارت ثائرة «حزب الله» على المجلس الوطني

271

لماذا ثارت ثائرة «حزب الله» على المجلس الوطني؟
بول شاوول/المستقبل/21-03-2015

هناك مفردات ومصطلحات وحتى عبارات تهز أبدان الطغاة، وأحزاب الوصايات والاحتلالات. حتى تراكيب هذه العبارات ومفرداتها وأحرفها وايقاعاتها «تقلقلهم». من هؤلاء «طليعيو« أحزاب إيران أي «حزب الله» الذي يعتبر أن استخدام مثل هذه المصطلحات وكأنها مواجهة «ضده«. (وحتى وان لم تكن كذلك) وتكرارها ضرب على أوتار أعصابه، وانتظامها تجريحاً بمشاعره «النبيلة» المرهفة كشفرة الموس. من هذه العبارات التي تزعزع بدنه: «الديموقراطية» التي تسقط على اسماعه سقوط المقاصل. و»الحرية» أف! كأنها بالنسبة إليه من «قاموس» الضعفاء والشعوب المنقرضة، والجنون اللامحدود. و»السيادة»: أي سيادة الشعب على أرضه وحكم بلاده… يا لها من كلمة «عبثية» تافهة؛ مهلوسة، لا جدوى منها. و»الحدود»: آه! هذه مرتبطة بالسيادة. كلمة محتقرة، متواضعة، لا تعبر عن «حلم» الامبراطوريات عابرة الحدود والدول. وكل حدود للبنان يحميها جيشه وناسه، تعني عداء لنا، بل وحصار، وهرطقة. ماذا ستفعل ايران، اذا اكتملت سيادة لبنان وحدوده… هل تريدون بلاد فارس مجرد مشروع «محلي».. قروي لتحرموا العالم من خيراته وكنوزه وحضارته المذهبية وقوميته الفارسية! كل حدود مرسومة هي تراجيديا لشعوبها؛ وكل حدود مفتوحة لنا وأسيادنا تشبه العبور من دار الفناء إلى دار البقاء.

اما عبارة «العروبة» فهي ملعونةـ، حقيرة، ومخيفة من إرث الشعب العربي «المتخلف«، وهي «جامعة» الجماهير العربية.

بمَ تريدون ان تخترق ايران هذه البلاد العربية اذا تمسكت بعروبتها، أَبالفارسية؟ طبعاً لا! بالاسلام؟ طبعاً لا! إذاُ بالمذهبية! والحروب الأهلية والموت والقتل. الغوا هذه العبارة «العروبية» كما الغاها العثمانيون…. فرسنوا العربية كما حاول العثمانيون تتريكها. ومن العبارات التي تصيب الحزب في مقاتله «التنوير». آه! انها النهضة العربية. انها مشايخ التنوير: محمد عبده الافغاني، الكواكبي، الطهطهاوي، جبران، فرح انطون، طه حسين… وصولاً إلى عبد الناصر. انها بضاعة الاستعمار. لا أكثر ولا أقل. وكل هؤلاء التنويريين ليسوا سوى عملاء للغرب، ولقيمه المبتذلة، الساقطة… الغريبة عن عاداتنا «الفارسية»!

[ القاموس الذي يكرهه الحزب

مفردات هذا القاموس النهضوي الحر، تؤذي حساسيات الحزب. (فما بالك بالمجتمع المدني: العوذ بالله) ! لأن كل مجازات هذه المصطلحات وتجسداتها، نقيض المشروع الامبراطوري الذي ينتمي اليه الحزب بكل «ايمان وفخر»! وها هو (وقبله اسرائيل) يحاول أن يدمر هذه الثقافة وهيكلياتها الحضارية والسياسية والدينية. ونظن ان ايران خططت لاغتيال الشهيد رفيق الحريري وشقيقها الأصغر النظام السوري، لأنه جسد كل هذه القيم. وقد حاولوا قتل هذه القيم بقتله. (تماماً كما فعلت الأنظمة العربية، ونظام الملالي من خلال ثورة الخميني الفاشية. انه لبنان، النموذج الأنبل لهذا الارث التنويري الديموقراطي المدني… العروبي، العالمي. ورفيق الحريري حمل المشعل، وانخرط في جبهة تحرير لبنان من الوصايتين الظلاميتين السورية والفارسية!

ولأن 14 آذار انبثقت من ثورتها شهادة الرئيس الحريري ومن دمه ومن قيمه الوطنية باتت هذه الحركة هدف الحزب، لأنها جسدت كل ما يخافه الحزب وكل ما لم يعرف: لم يعرفه ويحسه ويمارسه هذا الحزب لا الحرية ولا الديموقراطية ولا السيادة. ويقض مضجعه! فالأفكار هي عدو ارباب الحزب، لأن نظامهم قام بلا أفكار وانما على فتاوى! انها اذن 14 آذار العدو العنيد والسور الحصين الحائل دون تنفيذ المشروع الامبراطوري.

فلنُدمّره بالاغتيال والغزوات الجاهلية والتهديد والسيارات المتفجرة والتخوين والتكفير والعمالة لاسرائيل والغرب. لكن المفاجأة جاءت من حيث لم يتوقعوا هذه المرة. فاجأتهم 14 آذار بإنشاء «مجلس وطني» بالإجماع بعد مداولات ونقاشات مديدة. هالت الحزب التسمية. ألأنّها تتماهى بـ»المجلس الوطني السوري» ونهوض الشعب لإسقاط الطاغية (اي اسقاطنا معه). وما إن اعلن المجلس الوطني في مؤتمر البيال بمناسبة عشرية 14 آذار حتى اهتزت فرائص 8 آذار واندلقت السنتهم المطاطية، فنظموا حملات تشهير وشتائم وتهويل وتهديد وتسفيه واشاعات، اي كل عدة «جهادهم» المقاوم والممانع وكل لغتهم الخشبية.

[ زجّال الحزب

وها هو «زجّال الحزب» محمد رعد يتراقص ويتغاوى على الشاشات، يتبجح ويصول ويجول (بالمخمس مردود): «نحن لا تهمنا المجالس لا وطنية ولا غير وطنية» محمد رعد ذاته الذي صرح قبل أسابيع: وما لبنان؟ لا شيء انه بحجم نثرة من اظافرنا. لم يكن موجوداً على خريطة العالم قبلنا. لبنان لا شيء قبلنا. تذكرنا زجلية محمد رعد بخطب هتلر في الثلاثينات لدى بروز النازية «خلق المانيا جديدة، وانسان جديد (لم يكونا موجودين من قبل) وكائن جرماني «خلنج« صاف، نقي الهوية، واللون يحكم العالم» ويمكن استبدال «كلمة» «الجرمانية» بالفارسية (او الزرادشتية). لتكتمل تاريخية خطاب الزجال ومواويله. ومحمد رعد لا يُعبّر سوى عن نيات وخلفيات حزب سليماني: شطب لبنان والعرب وكل تاريخه وإنجازاته ورموزه وديموقراطيته ودوره الحضاري في المنطقة!ّ فكل هذا التاريخ صادره محمد رعد باسم محتشمي أو جعفري! براو محمد! انهم يريدون لبنان مجرداً من رمزيته، ومن ارثه، ومن ثقافته وارضه وكيانه! «صناعة وكن جديد»! بالمولينكس الايرانية! (كما أرادت إسرائيل الأرض الفلسطينية).

وهنا الصدمة التي صعقت هؤلاء: المجلس الوطني المنظم المعطيات ، ذو الهيكلية الهرمية، والتعددية السياسية والدينية والحزبية والطائفية والمدنية. انه الوجه النقيض والناقض لمشروع الحزب التفتيتي، التقسيمي. ونظن ان هذا الانجاز هو ثمرة ارادات الجماهير المليونية التي ملأت الساحات في 14 آذار 2005 واختزنت هذه اللحظات المليونية النادرة ونرى ان كل المصطلحات والمفردات التي يكرهها الحزب (وسليمانه) ويذمها ويخافها. تضمنها بيان المجلس الوطني في تضاعيفه وفي مجازاته وتورياته. فالمجلس جامع، وتلا بيانه الرئيس السنيورة وتم اقراره بإجماع الموجودين من الاحزاب والحركات. يعني، انه يعبر عن «حركة» جديدة متماسكة وملتزمة وجماعية وهرمية. قد يتقاطع «المجلس الوطني» اللبناني والمجلس الوطني السوري لكن لكل منهما خصوصياته ومعطياته الجغرافية والتفصيلية، لكن كلاهما يصب في خانة تحرير سوريا ولبنان من الإرث الاستعماري الفارسي، والبعثي وما بينهما. وقد يذكر بالحركة الوطنية اللبنانية التي قامت في السبعينات بين مكوّنات اليسار والثورة الفلسطينية وفتح، لكن كان للحركة الوطنية جناحها العسكري: «القوات المشتركة» (يرئسها عرفات)، وكذلك المقاومة الفلسطينية المسلحة. وهذا يشبه مثلاً كتلة الوفاء للمقاومة» وجناحها العسكري (القيادة العليا سليماني)، المقاومة وسرايا الدفاع الغستابوية والـ«SS» النازية. ولا يمكن عقد مقارنة بين هذه الكتلة «الغيتوية» ذات اللون الواحد (والبندقية الواحدة)، وبين المجلس الوطني، الذي لا يمتلك لا جناحاً عسكرياً ولا أمنياً ولا مخابراتياً، عاهداً ذلك إلى الدولة وأجهزتها وقواها.

إذاً هناك ظاهرة جديدة اسمها «المجلس الوطني»، لا تشبه لا الحركة الوطنية، ولا «تجمّع الأحزاب الوطنية والقومية» (المرتبط بمخابرات النظام السوري)، ولا كتلة الوفاء المذهبية! إنه جاء من أمكنة أخرى: من إرادة الجماهير، ونضالها من أجل قيام دولة عادلة، وسيادة، وديموقراطية، وتحرر من كل الوصايات. وجاءت تعددية في مكوّناتها، ومتحررة من كل جهاز أجنبي، أو محلي، أو أي سلاح فردي أو فئوي (السلاح الشرعي هو في يد الدولة فقط). هذا الاختلاف، والتماسك، والوضوح، والهيكلية التراتبية (غير الفوقية ولا البيروقراطية) هو الذي أثار حفيظة حزب الله وأربابه في إيران. لأن هذا المجلس وبالطريقة التي تشكل بها، يُذكر بالاندماجية الحية التي عرفتها التحركات والتظاهرات والاجتماعات في بداية الثورة التي خلعت الوصاية السورية عن «عرشها» وأرعبت حزب الله. فمخاوف الحزب، تعود إلى ذكرى الانتفاضة الأولى.

[ الحزب ينتفض ضد المجلس الوطني!

وفي حالة تمّ استنفار تلك القواعد المليونية «الجاهزة» ونزولها إلى الشارع، فلن ينفع عندها سلاح سليماني الموجود عند حزب الله ولا صواريخه ولا مدافعه ولا غيستابواته! تظاهرة مليونية جديدة قد تدك اطمئنان الحزب، ويقينه، وحقائقه المنهارة أصلاً. إذاً، رأى حزب ولاية الفقيه وجوب تطويق هذا المجلس الوطني (السلمي، الشعبي)، وإمطاره بالاتهامات والتهديدات، والتسفيه، والشتائم والتخوين… لكن هذا لا يكفي بالنسبة إلى حزب لم يعد أحدٌ يصدقه ولا هو يصدق نفسه. المطلوب أيضاً تخريب تماسك هذا المجلس وتنويعاته، ورميه بالشكوك والإشاعات. ومما وصل إلينا، أن الحزب الذي جمع بين التخوين والتهديد، أضاف محاولة التفكيك: أي الوحي بوجود انقسام داخل تيار المستقبل، وداخل 14 آذار. واختاروا «ضحيتهم» الدائمة الرئيس فؤاد السنيورة، ليشيعوا أنه «تمرد» على سعد الحريري، لأنه يريد أن يكون «الرقم واحد» (قالها أحد الأميين بالإنكليزيةNumber One! ) مستندين في محاولاتهم التقسيمية هذه إلى ما أصاب 14 آذار في الماضي من تشرذم نسبي، ومن تفكك في الأواصر، وخلافات بين الأحزاب، وانسحاب وليد جنبلاط منها. فلماذا لا نكرر في تعاملنا مع المجلس الوطني ما من شأنه أن يصيب وحدة المجلس الوطني ويحول تعدديته إلى انقسام! وهكذا «أفلتوا» صحافتهم «الداعشية» المعروفة لممارسة لغة الشتائم والتخوين، وعلى عنصر الانقسام. ودبت عند بعضهم الغيرة على الرئيس سعد الحريري، لأن السنيورة «خانه» وتمرد عليه، خدمة لإسرائيل ولأميركا. إذاً، ركزوا على السنيورة ليطاولوا الحريري، ثم استفردوا الرئيس السنيورة «دفاعاً» عن الحريري. الله! تماماً كما حاولوا في السابق مدح الرئيس الشهيد رفيق الحريري (وهم مغتالوه) للذم بابنه الرئيس سعد الحريري. هذا الأسلوب التفريقي قديم. وقد روجته بعض الصحف بطريقة مبتذلة ومكشوفة، لتذكرنا بمجلة «صوت العدالة»، وأسلوب المرحوم حبيب مجاعص. لم نكن نعرف أن هذه الصحافة متأثرة إلى هذا الحد بأسلوب «صوت العدالة»! رائع!

أما المجلس الوطني فها هو متماسك. وقد رد تيار المستقبل على هذه الإشاعات «المجاعصية« معلناً أن كل ما صدر بخصوص المجلس قد تم بالإجماع.

إلى كل هذه الضوضاء الإعلامية، ووحول الحزب التي تلطخ «مناره»، وزرازيره من المرتزقة الصغار و»الكبار»، يكمل المجلس الوطني رسم خريطة طريقه. فهذا المجلس الجامع، الاتحادي والتعددي، والديموقراطي والمدني، والتحريري، سيكون الرد التاريخي على المشاريع الإمبراطورية الفارسية (وسواها)، وقرينتها «الداعشية» وشبيهتها الصهيونية…

[ التعبير الجمهوري

إنه التعبير الجمهوري الأنصع منذ عقود عدة في لبنان، إنه التعبير الجمهوري بكل ما تعني القيم الجمهورية العريقة، في وجه الديكتاتوريات الشمولية والإمبراطوريات «المتجددة». قد يقال أن الصراع في المنطقة اليوم قائم بين الإمبراطوريات الضائعة، التي يريد بعض العقول «المنفصمة» اللاتاريخية، واللامكانية، استعادة أمجادها: الإمبراطورية العثمانية وخليفتها «الحداثوي» أردوغان، والإمبراطورية الفارسية بولي فقيهها الشاهنشاهي المعمم خامنئي، والإمبراطورية الروسية بقيصرها الستاليني بوتين، والإمبراطورية الإسلامية بخليفتها المهرج البغدادي (حامل ساعة الرولكس في يده). هذه الصراعات الإمبراطورية (الوهمية) تريد أن تصفي كل ثقافة التنوير والحداثة، والتعدد، والخصوصيات، والإرث النهضوي، والتواريخ: تريد أن تركب «آلة الزمن» وتعود بها إلى الوراء. إلى اللاشيء. إلى العدم. إلى الموت.

وهنا بالذات تكمن أهمية «المجلس الوطني» الذي يواجه هذه الظواهر «المَرَضية» بالقيم الجمهورية، ونزعاتها الليبرالية، والحزبية، والعروبية، والإسلامية والمسيحية، والحضارية: إنها اللحظة المشعة التي تمتزج بالتراث العربي الإسلامي العريق وحضارته التنويرية في عهوده السالفة، وكذلك بالإنجازات الحضارية الجديدة، بعيداً عن كل انعزالية مذهبية، أو حزبية أو جغرافية أو عنصرية، كأن المجلس هو رسالة جديدة موجهة إلى الكيانات الحزبية السائدة (كالكيانات المذهبية) تقول فيها أن منظومة هذه الكيانات لم تعد كافية لمواجهة الحاضر المتشابك والمركب، وسط انهيار منظومات الأفكار والإيديولوجيات اليسارية واليمينية وحتى الليبرالية. لكن مهام المجلس، لا نظنها اختزالاً للأحزاب أو امتصاصاً لها؛ بقدر ما هي إشارة إلى فتح آفاقها على الاختلاف داخل تكوينات وهيكلياتها وقواعدها. بمعنى أن التعددية الموجودة داخل المجلس الوطني يمكن أن تنتقل تجربتها إلى داخل كل حزب ذي لون واحد، وفكرة واحدة وهوية واحدة: أي هويات عديدة في حزب واحد! ونظن هذا ما حاول فعله «تيار المستقبل» (إلى حد ما)، وكذلك تجربة اليسار الديموقراطي (أمينه العام المناضل الياس عطالله)! وهذا ما انعكس على المجلس الوطني الذي يمكن من فرط غنى دلالاته أن يوسع نقاط مشروعه بالتفصيل والتدقيق والمروحة العريضة. أنسميه «مجلس طوارئ»؟ ربما! أنسميه «مجلس الظل»؛ ربما! أنسميه مختبراً للتجارب الفكرية والسياسية؟ ربما! أنسميه مجلساً تحريرياً مقاوماً؟ ربما! لكن، نظن أن كل هذه التسميات المتفرعة يختزلها المجلس الوطني الذي ينتصب بقوة تماسكه، وقيمه الوطنية، في مواجهة المشاريع الشمولية، والإمبراطورية…

وهذا بالذات ما أثار حفيظة حزب محتشمي. وهذا ما جعله يستنفر «زرازيره» ومرتزقته لتخريب هذه التجربة الجديدة!