علي نون/ظاهرة امبراطورية أم صوتية؟//ربى كبّارة/ الإرباك الأميركي «يوسّع» الحلم الإيراني

224

 الإرباك الأميركي «يوسّع» الحلم الإيراني
ربى كبّارة/المستقبل/12 آذار/15

سعى الرئيس الأميركي باراك أوباما، منذ توليه مهام ولايته الأولى قبل أكثر من ست سنوات، الى الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط. لكنه يجد نفسه حالياً مربكاً داخلياً وخارجياً بين التوافق على قتال «الإرهاب السني» ممثلاً بـ«داعش» وأخواتها من جهة، وبين الخلاف على قتال «الإرهاب الشيعي» من جهة أخرى، وهو الإرهاب الذي تمدد في دول مجاورة لدرجة دفعت بمسؤولين إيرانيين الى الاعتقاد بأن بلادهم استعادت أمجاد امبراطوريتها الفارسية التي أطاح بها العرب قبل أكثر من 1400 عام.

ففي داخل الولايات المتحدة ثمة موضوعان يحتلان حالياً صدارة الاهتمامات وفق سياسي لبناني مطلع عن قرب على مناخات دوائر الإدارة الأميركية. الأول متوافق عليه بين الجمهوريين والديموقراطيين وهو ضرورة قتال «داعش» حتى لو اقتضى الأمر استخدام قوة عسكرية تتخطى ضربات التحالف الدولي الجوية. أما الثاني فيشتد الخلاف بشأنه ومحوره المفاوضات مع إيران حول ملفها النووي، خصوصاً أن مضمون المفاوضات، وبالتالي مصيرها، لم يزل غامضاً، قبيل نحو أسبوعين على احتمال إنجاز اتفاق إطار يجري الترويج له.

ويشدّد المصدر على وضوح نية أوباما بشأن تحسين العلاقة بإيران رغم معرفته أنها تسعى أساساً الى لعب دور إقليمي ناجح ويتمتع بأولوية في منطقة تضم حلفاء استراتيجيين تاريخيين للولايات المتحدة أبرزهم دول الخليج. فالرئيس الأميركي على قناعة بأن إيران تمتلك مفاتيح حلّ أزمات المنطقة وليس أقلها استمرار بشار الأسد في رئاسته لسوريا وسلاح «حزب الله».

لكن الجمهوريين يطالبون بالمساواة في المواجهة مع «داعش» وإيران. وقد وصل الأمر بأوباما حدّ اتهامهم بالتحالف عملياً مع المتشددين الإيرانيين الذين لا يرغبون بأن يضع الغرب ضوابط على النووي الإيراني، وذلك في معرض تعليقه على توجيه 47 سيناتوراً رسالة تحذير علنية الى القيادة الإيرانية عن مقدرتهم على إحباط أي اتفاق لا يرونه مناسباً.

وحفزّ تهالك أوباما طهران على توسيع نفوذها مستفيدة من انتقال الأولوية الى مواجهة «داعش«، مع أن الغرب بمجمله يعرف دورها ودور أدواتها في تمهيد السبل لنشوء التطرف السني. فقد باتت للجمهورية الإسلامية هيمنة شبه مكتملة على العراق وسوريا، فيما يتحكم «حزب الله» عملياً بإدارة شؤون لبنان وصولاً الى فرض الفراغ الرئاسي، كما تدل المؤشرات على احتمال تدخل ميداني مباشر في اليمن.

كل ذلك سمح لمسؤولين إيرانيين ينتمون الى الوسط المعتدل بالادعاء أن بلادهم «منعت سقوط بغداد ودمشق واربيل بيد «داعش« وأنها باتت الآن على ضفاف المتوسط وباب المندب»، كما صرح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني. كما سبقه قبل يومين مستشار الرئيس حسن روحاني ويدعى علي يونسي الى الإعلان عن تحقيق الحلم باستعادة أيام مجد الامبراطورية الفارسية الساسانية التي أقامت عاصمتها في المدائن العراقية قبل الميلاد بقوله إنها «عادت امبراطورية كما كانت عبر التاريخ» وإن العراق كله عاصمتها، مشدداً على أن جغرافيا إيران والعراق «غير قابلة للتجزئة» وأن ثقافتنا «غير قابلة للتفكيك». كما صنف أعداء بلاده بوضوح عندما قال إن إيران تدافع عن شعوب المنطقة «ضد التطرف الإسلامي والإلحاد».

ويلفت المصدر الى أن الاتهامات بالعمل على تغيير الخرائط في منطقة الشرق الأوسط تتركز على الولايات المتحدة فيما فعلياً، تدل هذه التصريحات كما أخرى سابقة، على أن إيران هي التي تسعى الى ذلك. ويتساءل عما إذا كان الغرب، وأساساً الولايات المتحدة، سيقوم حالياً مع إيران بتكرار الأخطاء القاتلة التي ارتكبها مع حافظ الأسد عندما أقر له بالهيمنة على لبنان ثمناً لمشاركته الرمزية في القوات الدولية التي خاضت حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت من صدام حسين.

ظاهرة امبراطورية أم صوتية؟
علي نون/المستقبل/12 آذار/15

تستعجل إيران في احتفالها بإعادة بعث امبراطوريتها، واستحضار طيفها من التاريخ الى الحاضر. وتستعجل في إعلان النتائج والخلاصات، مع أن كل شيء، وحرفياً كل شيء، يشير الى ان المرحلة العويصة الراهنة، لا تزال في مرحلة البدايات، أو بالقرب منها.

الاّ اذا كانت تفترض، ان امبراطوريتها المشتهاة هذه، هي صنو الحريق. وأن ما يجري من بلاء اسطوري، في العراق وسوريا تحديداً، هو الأساس الرافع لمداميك تلك الامبراطورية. وأنها على طريقة الهنود الحمر، ترقص صاخبة حول نار ضحيتها، من دون أن تحسب أي حساب منطقي، لخط العودة. ولا أن تمتلك ما يكفي من بُعد نظر يسمح لها بالانتباه الى أن ربح معركة أو اثنتين لا يعني ربح الحرب!

.. وحتى في ذلك، لا يمكنها الادعاء بأنها ربحت تماماً في أي معركة مفتوحة في حرب إحياء امبراطوريتها هذه. لا في اليمن ولا في العراق ولا في سوريا ولا في البحرين ولا في لبنان. بل هي في هذه النقاط مجتمعة، «تلعب» مثلما يلعب غيرها. وتنزف مثلما ينزف غيرها. بل الواقع هو أنها تُستنزف أكثر من غيرها وتنخرط في أتون أكبر من قدرتها على تحمله. أي انها في المحصلة، لا ترسو على أي برّ يسمح لها بإطلاق صيحات الانتصار، فكيف بادعاء الإحياء الامبراطوري؟!

ومع ذلك، وتحت سقف ادعاءاتها وليس فوقها، تبدو مقوّمات امبراطوريتها هذه، غريبة بقدر ما هي استثنائية: تبني على خرائب الآخرين وليس على عمرانهم، وعلى التعطيل وليس على الإنتاج. من شواطئ قزوين الى شواطئ الابيض المتوسط، ولا تستطيع إدعاء العكس: دُمّرت افغانستان فصار لها ادعاء التأثير على الطاجيك والاوزبك في المناطق الشمالية المحاذية لها. ودمّر العراق فصار لها ادعاء التأثير على سلطته المركزية وجزء من شعبه وفي جنوبه تحديداً. ودمّرت سوريا فصار لها ادعاء التقرير والمصير فيها. وهو ادعاء ليس إلا! وخرّب لبنان فصار لها ادعاء التعطيل فيه علماً ان غيرها الذي يبني ولا يعطّل، يظهر قدرات تعطيلية موازية لقدراتها ان لم يكن أكثر.. ضُرب اليمن فصار لها الادعاء بأن شعاع ثورتها أعاد لذلك البلد سعادته المفقودة! حاولت وتحاول اللعب في البحرين فصُدّت وتصّد.. حتى في العراق ستكتشف لاحقاً وبسهولة نسبية، ان أهلها أعصى في عروبتهم، من الاستخفاف الذي أظهره علي يونسي. وان بغداد ليست المدائن الساسانية. وأن مراسهم وطبائعهم لا تحتمل إهانة من طراز اعتبارهم مجرد رعايا في امبراطورية الوصاية المعلنة.

ولا يمكنها فوق ذلك كله، نكران واقعة انها خسرت وتخسر في سوريا وليس العكس: مجرّد اندلاع الثورة الشاملة على نظام كان أقرب حليف لها في هذا العالم، هو تأكيد لذلك.. ولا يمكنها الادعاء انها استطاعت أو تستطيع حسم الأمر إلاّ إذا كانت تصدّق ان دمشق تعني سوريا كلها في الجغرافيا وخريطة الحرب. وان بشار الاسد سيعود ليحكم ويتحكم! وكذا الحال، اذا كانت تصدّق فعلاً، ان تفريخ الميليشيات الطائفية أو دعم الشطط المذهبي في هذا البلد أو ذاك، يعني سيطرة تامة لها أو ترسيخاً لسطوتها!

الحاصل هو اننا أمام ظاهرة صوتية، أكثر بكثير من ظاهرة امبراطورية.. وان كان ضرباً من ضروب المراهقة والنكران، تجاهل الكارثة التي سببتها وتسببها السياسات الايرانية لمحيطها العربي كما لأصحابها أنفسهم!