جانين دافدسون/ستراتيجية أوباما للأمن القومي… أسئلة بلا اجابات

242

ستراتيجية أوباما للأمن القومي… أسئلة بلا اجابات
جانين دافدسون/السياسة/11 آذار/15

ليس محمودا ان تضع ستراتيجية جديدة للأمن القومي كما فعل باراك اوباما رئيس الولايات المتحدة هذا الشهر من خلال عشرات المسودات التي تم تدويرها بين اعضاء اللجان سيئي الحظ والذين تنحصر مهمة كل منهم في مراجعة موضوعه المحدد, مع وجود مساحة ضيقة لوضع الاولويات او لتبني افكار جديدة وجريئة, فأي تغيير ابداعي في الصياغة سيوفر ارضية لقرارات حكومية لاهوادة فيها. رغم ان الغرض من ستراتيجية الامن القومي التي وضعت 16 مرة منذ العام 1987 هو توفير معالم بارزة لكي توجه الوكالات التنفيذية المسؤولة عن الامن القومي الا انها تعمل ايضا “كمغنطيس جاذب لكل الانتقادات المختزنة تجاه السياسة الخارجية وحين نتوقع من وثيقة ان تغطي كل شيء فيتبقى فيها شيء يكرهه الجميع وقد ركز النقاد بقوة على موضوعات “القيادة من الخلف” واسترضاء وتهدئة ايران و”الصبر السترايجي” والضعف الستراتيجي وان الولايات المتحدة لا تستطيع حتى تحديد عدوها (والانتقاد الاخير واحد مما ذكره تلفزيون روسيا الحكومي. لكن بصرف النظر عن هذا النقد اللاذع فإن خطة الرئيس لستراتيجية الامن القومي ليست طبقا من “بودنغ الارز” فرغم ان قراءها لن يجدوا فيها ستراتيجية تركز على تهديد احادي له غايات وسبل وطرق واضحة فإن لها فلسفة متلاحمة اثناء عملها, وهذه الستراتيجية هي الثانية والاخيرة خلال رئاسة اوباما, وتصف بدقة عالما تحيط به التحديات من كل جانب وفي امس الحاجة لقيادة اميركا له (ظهرت كلمات “يقود” و”قائد” وقيادة 94 مرة في سياق دور الولايات المتحدة في العالم) انها ليست القيادة من الخلف, كما يحب ان يسميها نقاد الرئيس القلقون والراغغبون في شن الحرب كما انها ليست مشحونة تماما بمبدأ الاحادية. بدلا من ذلك نجد ان العالم في ستراتيجية اوباما للامن القومي تعتبر فيه القوة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة الاساس الوطيد للشراكة القوية وللمؤسسات العالمية المستندة الى القوانين, انه عالم متعدد الاطراف بصورة ذكية ويعمل في اطار النظام الدولي ومستعد لتحمل اعباء الدفاع. رغم ان هذا الدفاع لا يعني دائما القوة العسكرية وقد يتسنى لنا بذلك الاقتراب من عقيدة اوباما عندما قال الرئيس لخريجي وست بونيت في خطابه عن السياسة الخارجية: خلاصة القول ان اميركا تقود المسرح العالمي دائما, واذا لم نفعل ذلك فلا احد غيرنا سيتولى هذه المهمة والجيش الذي التحقتم به سيظل دائما العمود الفقري لهذه القيادة, لكن التصرف العسكري للولايات المتحدة لا يمكن الا ان يكون فقط المكون الاول لقيادتنا في كل حين كوننا نمتلك افضل “مطرقة” لا يعني ان نعتبر كل مشكلة “مسمارا” قابلا للطرق ولان التكلفة المرتبطة بالاجراء العسكري تكلفة باهظة فينبغي عليكم ان تتوقعوا من اي قيادة مدنية خصوصا القائد الاعلى للقوات المسلحة ان يتحلى بفهم واضح لكيفية استخدام هذه القوة المهولة. الاقتصاد والأمن ليس من قبيل المصادفة ان تركز ستراتيجية الامن القومي بصورة بارزة على القوة الاقتصادية والامن فهي الينبوغ الذي تتدفق منه العظمة العسكرية المطلقة للولايات المتحدة. ان “خطة الشراكة عبر الباسيفيكي (TPP) والشراكة في التجارة والاستثمارات عبر الاطلنطي (T-TIP)تحظيان باهتمام بارز وكذلك اسواق الطاقة العالمية واتجاهات النمو في المستقبل كما تلاحظها الوثيقة: “المستهلك الاميركي لن يستطيع حمل المسؤولية نيابة عن الطلب العالمي والطرق العميقة في التفكير هي التي تجاهد لكي تتطلع الى ما وراء المشكلات الجيوبوليتيكية البارزة اليوم والتخطيط لسنوات او لعقود في المستقبل”.

من افضل الطرق الواقعية لوصف هذه الوثيقة انها متعلقة ولقد تسرع نقاد اوباما في نبذ ما يسمى “صبر اوباما الستراتيجي” ووصفه بالفراغ والعجز, لكن الواقع يرى ان الصبر الستراتيجي وسيلة للاقرار والاعتراف بأن الاثر الاجمالي للاتجاهات العالمية او حتى للتدخلات الاميركية يصعب تقييمه في ايام او اسابيع او حتى في دورة كاملة من دورات الكونغرس. وكما تقرر الوثيقة: هناك نقلات تاريخية كبيرة سوف يماط عنها اللثام على مدى عقود وهذه الاوضاع الستراتيجية الاميركية ستؤثر على المسارات تقتنص لفرص التي توفرها وتدير المخاطر التي تمثلها تماما مثلما تتحرك الاحداث العالمية بسرعتها الذاتية المتعمدة, فإن اثر السياسات الاميركية قد يظل صداه مترددا لسنوات او لعقود, بعد الواقعة لا تستطيع الولايات المتحدة ان تحدد مشكلة ما وتتوقع ان تنتصر فيها بطريقة “الصدمة والرعب” وتعود وقد خرجت بحلول لكل جوانب المشكلة, فالعالم لا يعمل على هذا النحو. ومن ثم فإن الاضافة بعيدة المدى لاعادة التوازن في خطة اسيا – الباسيفيكي والتي لا تزال بطيئة في مسيرتها, هي مثال على صبر اوباما الستراتيجي خلال عمله المباشر بصرف النظر عن عدد المرات التي نقشت بها واشنطن بقلمها على ضريح هذه الخطة وفي الجهة المقابلة نرى العواقب المرعبة من غزو العراق العام 2003 والذي كان اشبه بصياح رعاة البقر وهم يلوحون بمسدساتهم وهذا هو التصوير الحقيقي للاسباب التي تدعونا اليوم لانتهاج سياسة الصبر الستراتيجي. هذه الوثيقة قدمت مادة ضعيفة في وصف الستراتيجية اثناء التطبيق والممارسة لان فلسفة وستراتيجية الامن القومي التي تقوم على قيادة الولايات المتحدة وتخدم النظام العالمي وتفيد اميركا.. لا نجدها واضحة في الوثيقة ولا يوجد تطابق ملائم بين مفردات الستراتيجية وبين تصرفات الولايات المتحدة. ولا تعكس خطة الانسحاب الحالية من افغانستان هذا الصبر, اما تصرفات الولايات المتحدة حتى اليوم في اوكرانيا فلا تتناغم مع الاهداف الموضوعة “لردع العدوان الروسي” ولكي تظل يقظة لامكانياتها الستراتيجية ومساعدة حلفائنا وشركائنا لمقاومة القهر الروسي على المدى الطويل اذا لزم الامر, والحرب الاهلية في سورية والقتل الجماعي للمدنيين على مدار السنوات الماضية يتناقضان مع اهداف الولايات المتحدة في العمل الوقائي قبل ان تصل المواقف الى درجة الازمة.

بلا اولويات ندد النقاد بعنف وهم على حق بأن ستراتيجية الامن القومي تبدو كأنها قائمة تطلعات “عيد الميلاد” دون تحديد الأولويات فقوة الولايات المتحدة ليست مطلقة بلا حدود كما اكدت الستراتيجية بوضوح على ذلك, لذا ما الذي نضعه على قمة ترتيب الأولويات? عجزت الستراتيجية عن تلبية الصعبة لكن ربما تكون اكبر العقبات امام اوباما ان النهج المقصود والعاقل يستير عكس حقيقة السياسة الاميركية والسياسة الدولية, ان ايقاع الاحداث الدولية دائما لا ينتظر حركة صناع السياسة الاميركيين لكي يوجهوها بشكل فعال وكثيرا ما يجب ان تكون هذه التحركات المقصودة سريعة وحاسمة. فالجهود الشاقة لدعم المعارضة السورية المعتدلة في عامي 2011 و2012 قبل ان تتمزق الى جبهات جهادية متحاربة كان بمقدورها ان تضع الولايات المتحدة وشركاءها في وضع اكثر قوة اليوم كما كانت ستتيح اتخاذ اجراءات حاسمة مع تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) الذي اكتسب الزخم في اوائل شهر يونيو 2014 . في الجهة المقابلة من الطيف اعلن اوباما للملأ الانحدار السلس والجدول الزمني للانسحاب من افغانستان والذي قد يمثل قراءة صحيحة لمشكلات الولايات المتحدة السياسية الداخلية, لكن هذه الجهود سارت في اتجاه عكسي هو الصبر الستراتيجي الضروري لضمان النجاح في مهمة الاستقرار الذي يستمر طويلا كما يسير في اتجاه معاكس للستراتيجية المدروسة التي صدقت عليها ستراتيجية الامن القومي. تصحيح المسار قد تشير التصريحات الاخيرة الخاصة بالمساعدة العسكرية لاوكرانيا والتفويض باستعمال القوة العسكرية ضد داعش والتلميحات في تغيير الانسحاب من افغانستان الى الاقرار بهذه المظاهر غير المتوافقة وبوجود عامين باقيين للرئيس في البيت الابيض قد تحتاج تلك الوثيقة الى قليل من تصحيح المسار. في نهاية المطاف قد يكون اعداد ونشر هذه الستراتيجية الجديدة للامن القومي مشروعا متناقضا بشكل جوهري يضع الآمال العظيمة امام حقائق جيوبوليتيكية غير مريحة وغير ملائمة (قدم بيتر فيفر البروفيسور في جامعة ديوك وجهة نظر ممتازة حول بعض التحديات التي واجهها في مشروع الستراتيجية الثانية في ظل الرئيس جورج بوش “احدى الوظائف المهمة للوثيقة هي الوظيفة البيروقراطية التي توفر الوسائل التي يمكن بها للوكالات التنفيذية الذكية ان تستخدم مبادراتها الذاتية لابتكار ستراتيجيات فرعية تقدم التفاصيل التي يتلهف عليها النقاد. يمكن لهذه الوثيقة ان تكون مفيدة بالتأكيد, لكنها لن تكون الصورة الذهنية للاجتماعات رفيعة المستوى على الطاولات العظيمة المصنوعة من خشب السنديان والعبارات الانيقة لحقبة الحرب الباردة مثل سياسة الاحتواء وسياسة التقارب والوفاق والتي يستحضرها عنوان مثل: ستراتيجية الامن القومي,. تعرب ستراتيجية الامن القومي الثانية التي يقدمها الرئيس عن ايمان بنظام عالمي مسالم يستند الى القانون, كما تعيد التأكيد على الحقيقة القائلة بأن لاشيء من ذلك سيتحقق من دون قيادة الولايات المتحدة. وبالنسبة للباحثين الذين يسعون لتتبع الموضوعات الاوسع في ستراتيجية السياسة الخارجية للرئيس تتعهد الوثيقة بأن تمثل قيمة تاريخية جيدة, لكن ان نتوقع منها تقديم اجابات حاسمة لكل ازمة مشتعلة الان على ظهر الكرة الارضية, فإن هذا قد يكون اكثر مما يمكن لاي ستراتيجية للامن القومي ان تقدمه.