عقل العويط/المجنَّح القتيل والكاهنة الأرملة

229

المجنَّح القتيل والكاهنة الأرملة
عقل العويط/النهار/7 آذار 2015

كانت الكاهنة الأرملة التي من نينوى، تتكئ في عراء السهل وهي تتأمّل زوجها المضرّج. لم تشأ المرأة تلك أن تبكي، ولا أن تولول، بل آثرت أن تكتفي بعينَين مسدلتَين. حتى لَتساءلتُ: أهي أرملةٌ حقاً، أم كاهنة المعبد التي غادرها توّاً عشيقها الحارس الآشوري، لحكمةٍ في نفسه المعظّمة؟!

لكنْ، أيّ حكمةٍ هي تلك، عندما يترجّل النصب العزيز من موضعه الأشمّ، منكفئاً إلى الثخين من جروحه، حيث تحلّق القتلة ليحصدوا قمح الضوء وطحين النهارات المقبلة؟!
ألمثل هذه الفجيعة، يوثّق المؤرّخون أحوال العدم؟
ألمثل هذا الرثاء، ينتشل الشعراء نجومهم الغرقى؟!
وإذ أتوهّم الآن، أنه أنين الغبار، آتياً من نواحي السهل الجريح في نينوى، أوقن بالبرهان القلبي أن الشيء الذي أتوهّمه ليس محض غبار، بل لعنة الحاضر مختلطةً بدم التاريخ.
أليس الآشوريون هم هؤلاء الذين أراهم يتأوّهون كأعشاب مشلّعة، ومعهم أهل آكاد وبابل وسومر؟! أليسوا هم هؤلاء الذين يمسّدون الآن، ألواحهم ومسلاّتهم وأفئدة المجنّحات من حرّاسهم وثيرانهم، ويرفعون شظاياها على الراحات؟!
ألستُ أنا الذي أسمع صوتاً يقول من أعماق الخراب: إنها طريقة أهل الرافدَين في الودّ التاريخي المكتئب، وقد تكون الطريقة تلك، أسلوبهم الأثير في توديع الآلهة القتلى!
لكنها الترّهات، مجبولةً بدم الأساطير، وقد قرأتُ شيئاً يوحي أن ذلك ربّما يكون تعبيراً عمّا ينذر بسوء المصير، وأن القتلى المحطَّمين هؤلاء إنما يؤثرون أن يلتئموا على جدودهم، كما يلتئم ترابٌ، بعضُه على بعضه، بعد استتباب الظلام!
لم تكن الكاهنة الأرملة التي من نينوى، تبكي أو تولول. ولم يكن ذلك الذي رأيته، من النحيب في شيء، بل ما يلائم الذهول النازف، وقد استحال نهرَين من وجع التراجيديا الأكول.
وها أنا في السهل الجريح ذاك، أرى، بأمّ قلبي، نخيل الموصليين وشجرهم الآخر، متألّمَين من وقاحة اليقين. فأتساءل: أهكذا تكون أحوال الشجر عندما يصير الليل هو الظلّ، ويصير الظلّ المدمّى هو الأصل واليقين؟!
وكم يكون التعبير صعباً، مثل كلّ شيء يشقّ رأفة الغيوم.
وكم يصير مسجد العقل مستحيلاً، عندما تُذبَح الغيوم ذبحاً شرعياً، ويمسي العنف هو الليل الحارس الإله الذي يُعمي عن كلّ بصرٍ وبصيرة!
أليست هذه، يا ترى، حال البصر والبصيرة، عندما يختلط الواقع بهدير الغرائز السحيق؟!
وأراني أتورّط عميقاً في الوهم، وبعيداً، خشية أن يفوتني شيءٌ من تلك الواقعة.
كان الغبار يتلاقى من تلقائه، ذرّةً في إثر ذرّة، ليستجمع شتاتاً كان قد تفرّق، كما تتفرّق تأوّهات المسامّ في ثنايا الصخر التليد.
وكان الدم يسيل في السهل، متسللاً إلى متاهات التراب.
وكما ترتمي أعشابٌ على جرح، كانت يدايَ تنوحان، كراحتَي مصلوب، أمام الكاهنة الأرملة التي من نينوى.
وهل بغير المسامير التي في اليديَن، أشهد لأسد آشور، وللثور القتيل، ولألواح سومر وآكاد وبابل! وإذا لم أُرفِق الأنين بنظرة، فكيف لي أن أعزّي الكاهنة تلك، وأرمّم بالقلب خرابَ الحجر الجليل!
وأراني أصرخ: أهو نحتٌ موجوعٌ، هذا الذي يتشظّى، أم دم الزوج الحارس القتيل، وقد صارا اللعنةَ متوهّجةً في أيدي السفلة؟!
وأروح أسأل الهواء الداكن، كيف أسكب هديلاً على جسد قتيل، وكيف أشفي وقتاً لم يعد قابلاً للشفاء؟!
وإذ أراني أُنصت إلى صراخ نينوى، أُدرك أني لا أصلح لإلقاء تحية على أصدقاء موتى.
وكم أراني عاجزاً عن مداواة هؤلاء الذين يقيمون في عراء السهل، وكانوا يسألونني أن آتيهم بزعفران يعجن قلوبهم بخبزٍ يفهمون معناه.
وكم يعزّ عليَّ أن لا أعرف كيف أسدل غيمةً على حجرٍ آشوريّ أليم. ولا أيضاً على صفحات اللوح الكريم.
وها أنا أفتح التاريخ لأستقرئ أحوال جلجامش، الباحث عن عشبة خلود، فلا أعثر على عشبةٍ واحدة تبلسم أوراق الجروح الراهنة.
وإذ تأخذني الملحمة إلى أحوالها، أراني ألاحق جرح أنكيدو هائماً برحيق شجر الأرز، فلا أعثر إلاّ على وجهه مضرّجاً بالغبار الجديد.
والكاهنات اللواتي كنّ يجمعن المنيّ من رحيق الأبد، لم يعد ثمّة مَن يمسح عن أرحامهنّ أوجاع الرثاء المرير.
ولأن بابل لا تبعد كثيراً عن نينوى، أراني أسأل: أيكون لبنان بعيداً، يا ترى، عن نينوى، بل عن بابل الأزمان والأمكنة؟!
وإذ يستدرجني الكابوس إلى فخاخه، أرى المدن والخرائب كلّها، من القدس إلى بغداد والموصل. وكم أرى بيروت والطريق إلى دمشق، وأنطاكيا، وحلب، وذلك كلّه شبه رؤيا لفريسة واحدة.
وأسأل العالمَ، هذا الكلبَ العالم: ألم تقرأ أيها العالم أناشيدَ أهل الرافدَين؟ ألم تجالس كاهنات معابدهم؟ ألم تتصفح وجوه الثيران والأسود ورفيف الأجنحة؟ والألواح تلك، ألم تمسّد أسرارها وتجلياتها، لتستدرج الأجوبة العليا؟
وأسألكَ أيها العالم، كيف لا ترسل يدكَ لتتّكئ عليها المئذنةُ المائلة، تلك التي من شدّة الأسى تكاد تلامس حتفها في سامرّاء؟ والمسلّة العظمى، ألا تعتقد أنه ينبغي لكَ أن تحفظها لتبقى ساهرةً على الحياة لا على الموت؟ والإله الشمس، ألم ترَ ملامحه وهي تتعظ بشريعة خليل الآلهة، المسطَّرة قوانينه على العمود البازلت؟
وإذ أقف أمام الكاهنة الأرملة، تلك التي من نينوى، أملك فقط أن أطلب منها عدم المغفرة لهذا العالم الكلب.
ولأصرخْ عالياً وعميقاً، وليصرخ معي شعراء العراق، حتى يسمعني العالمُ الكلبُ كلّه:
اخترعي أيتها الكاهنة التي من نينوى، اخترعي، الآن، ثوركِ الحارس المجنّح.
وبدل أن يكون حارساً عند بوّابة دور شروكين، اخترعيه ليكون إلهاً.
ولتسعفْكِ أناشيد المطر، أيتها الكاهنة.
وليجترحْ لكِ شعراء العراق معجزةً تمحو النبوءات الكاذبة.
هؤلاء جعلوا في الخوابي وجرار الدهر، أرغفةً من أوجاع الطحين وغبار الدموع.
هم اخترعوا ملحمة الأسود التي صارت آلهة.
هم نحتوا الألواح التي صارت أناجيل.
هم صنعوا بالحبر نشيجاً، كالذي يسقي دموع النهرَين الخالدَين.
هم استولدوا نقاءً يجترح ملامح القتلى ووجه الحلم والأمل.
وإذ يستنهضون من موتهم اليومي شيئاً ينبئ بالألق، وألواح الطين، وصكوك الحجر، يهبّ من جهات المغول الجدد مَن يجزّ عشب الألق من جذور ينابيعه، ومَن يضع الألواح وأعناق الثيران تحت نصل المقصلة.
كم يعزّ عليَّ أن أشاهد المغول الجدد في كلّ مكان.
كم يعزّ عليَّ أن أتصفّح أوراق توراتهم الجديدة، منثورةً في كلّ مكان، تمحو الشعر والتاريخ والشعراء.
هل نكون كلّنا هؤلاء المغول؟
وحدكِ أيتها الكاهنة الأرملة، أنتِ التي من نينوى، وحدكِ تستطيعين أن تدحري المغول هؤلاء.
أنتِ أيتها الكاهنة الأرملة، التي من سهل نينوى، تزوّجي ذكورةَ فجيعتكِ.
ولتتلاقحي وحدكِ، أيتها الكاهنة الأرملة.
وليخرج من رحمكِ جنين الثور المجنّح، فيكون لعنةً تشلّ أيدي هؤلاء.
ومن أنوثة مَنيّكِ الإلهي، اغسلي أرض العراق، وأنجبي الأطفالَ الشعراء، قصائدَ لنينوى الجديدة وبلاد الرافدَين!