خيرالله خيرالله/دولة لإيران في شمال اليمن

237

دولة لإيران في شمال اليمن
خيرالله خيرالله/المستقبل/03 آذار/15

بتوقيعهم اتفاقاً في شأن النقل الجوّي مع إيران، طوى الحوثيون، أي «أنصار الله«، صفحة من التاريخ اليمني. أثبتوا أنّهم غير مهتمين بوحدة اليمن. صارت لإيران دولة خاصة بها في شمال اليمن بعدما بدا واضحاً أنّ ليس في استطاعتها السيطرة، بواسطة الحوثيين، على البلد كلّه. ليس اتفاق النقل الجوي الذي يؤمن أربع عشرة رحلة جوية إيرانية إلى صنعاء مجرّد ربط مباشر بين مدينتين. الواضح أنّه اتفاق ذو طبيعة استراتيجية وسياسية.

يستهدف الاتفاق الردّ على انتقال سفارات خليجية وأخرى أجنبية إلى عدن مع الرئيس الانتقالي عبد ربّه منصور هادي، الذي يظلّ إلى إشعار آخر رئيساً شرعياً.

لم تتأخر إيران في ردّها على هرب الشرعية إلى عدن. لعبت ورقة في غاية الخطورة بتوقيعها اتفاقاً مع ميليشيا مذهبية تسيطر على صنعاء ومطارها. وهذا يعني عملياً وضع جزء من اليمن تحت وصايتها غير المباشرة.

حصل هذا التطوّر في وقت ظهر ما يستجيب لهذا التوجّه الانفصالي في الجنوب أيضاً. هناك، محاولات للتخلّص من الشماليين في بعض الوحدات العسكرية المرابطة في عدن، واستبدال هؤلاء بعناصر من «اللجان الشعبية« التابعة للحراك في الجنوب. وهذه اللجان الجنوبية هي غير «اللجان الشعبية« و«اللجان الثورية« التابعة للحوثيين. إضافة إلى ذلك، ثمّة محاولات لفرض حصار على بعض وحدات الجيش المرابطة في منطقة ردفان (الجنوبية). يترافق ذلك مع تخوف من ردود من الطبيعة نفسها في الشمال، علماً أنّ ذلك لا يزال مستبعداً إلى حدّ كبير، أقلّه إلى الآن.

مع سيطرة إيران على مطار صنعاء، بات الانفصال واقعاً. الدليل على ذلك طريقة تعاطي زعيم «أنصار الله« عبد الملك الحوثي مع خروج الرئيس الانتقالي إلى عدن وعودته عن استقالته.

كان الخطاب الأخير للحوثي، وقد ألقاه قبل توقيع اتفاق النقل الجوي، تعبيراً عن إفلاس الرجل. لماذا كان مفترضاً بعبد ربّه منصور لعب الدور المطلوب منه إيرانياً؟. لماذا لا يلعب الدور الذي يريح اليمنيين، خصوصاً أهل الجنوب الذي ينتمي إليه؟.

في كلّ الأحوال، منذ خروج عبد ربّه منصور من صنعاء وتحرّره من الحوثيين وانتقال عدد من السفارات الأجنبية إلى عدن، لم تعد أمام عبد الملك الحوثي من خيارات غير التصعيد. وهذا ما فعله بتوقيعه اتفاق النقل الجوي مع طهران.

لا يعني التصعيد بالضرورة نجاحاً للمشروع الإيراني. ففي طريقهم إلى الوسط والجنوب، اصطدم الحوثيون بالحاجز الشافعي. ما كانوا يعتقدون أنّه نزهة، تحوّل إلى كابوس خصوصا أنّهم أثاروا كل أنواع الغرائز المذهبية، بما في ذلك حساسيات قديمة بين الزيود أنفسهم.

من يتذكّر أن تظاهرات جرت قبل أيام في محافظة حجّة، التي تعتبر معقل العائلات الزيدية الكبرى في اليمن، وأن هذه التظاهرات كانت موجّهة ضدّ «أنصار الله« وممارساتهم. هذا يعني بكلّ بساطة أنّ لا إجماع زيدياً على عبد الملك الحوثي وما يمثّله وما يريد فرضه. لم يعد كافياً قوله إن هناك «شرعية جديدة« بعد سيطرة «أنصار الله« على صنعاء في الواحد والعشرين من أيلول الماضي، كي يكون هناك نظام جديد يقبل به اليمنيون، خصوصاً أهل العاصمة والمحافظات الشمالية.

بات في طليعة الأسئلة التي لا مفرّ من طرحها الآن: ما مستقبل الوسط الشافعي؟. وهل يمكن للجنوب أن يكون موحّداً، على غرار ما كان عليه بين الاستقلال في العام والوحدة في العام ؟.

أيّاً تكن الأجوبة عن مثل هذا النوع من الأسئلة، لا بدّ من الاعتراف بأن المشروع الإيراني في اليمن يتراجع بعدما تبيّن أنّ كلّ ما يستطيع تحقيقه هو الاكتفاء بالسيطرة على جزء من الشمال. إنّه الجزء الذي يتحكّم به الحوثيون. كلّ ما تبقّى كلام من دون مضمون، بما في ذلك كلام بعض قياديي «أنصار الله« عن أنّهم سيخرجون عبد ربّه منصور من عدن. سيخرج الرجل من عدن، عاجلاً أم آجلاً، ولكن بعد انتهاء الدور المطلوب منه أن يلعبه، خصوصاً أنّ هناك حسابات طويلة وقديمة ومعقّدة بين الجنوبيين أنفسهم، أحدها حساب أحداث .

ما يمكن قوله الآن أمران. الأوّل أنّ هناك خريطة داخلية جديدة لليمن. أمّا الآخر، فهو أنّ الوحدة اليمنية التي تحقّقت في العام ، أي قبل ربع قرن، كانت حلماً جميلاً. انتهى الحلم. لا بدّ الآن من العودة إلى الواقع وإلى التساؤل كم عدد الكيانات التي ستنشأ في اليمن؟. السؤال الأهم في الأيام والأسابيع المقبلة، سيكون مرتبطاً بالحوثيين أنفسهم وهو في غاية البساطة: هل في استطاعة «أنصار الله«، أي إيران، البقاء في صنعاء إلى ما لا نهاية، أي هل يمكن لصنعاء أن تكون عاصمة الدولة الحوثية في اليمن؟.

ثمّة سؤال أخير في غاية الأهمّية وهو من شقين: هل يبقى ميناء الحديدة المهمّ مع «أنصار الله«، أي تصبح إيران لاعباً مهمّاً في البحر الأحمر حتّى لو لم تصل إلى باب المندب بسبب العقبات التي اعترضتها على الأرض؟. وهل يتمكن الحوثيون من السيطرة على محافظة مأرب التي يمكن أن تؤمن لهم بعض ما يحتاجونه من موارد مادية في ضوء وجود نفط وغاز ومحطات لتوليد الكهرباء فيها؟.