محمد الحايك/العمامة و«الطنجرة» و«حزب الله» ثالثهما!

396

العمامة و«الطنجرة» و«حزب الله» ثالثهما!
محمد الحايك/جنوبية/السبت، 28 فبراير 2015

في إحدى خُطب مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس، خلع الرجل عمامته ووضعها مقلوبة بين يديه، وقال بنبرة حادة “يا قوم هذه عمامة.. عمامة وليست طنجرة”. فما الرابط بين العمامة والطنجرة؟

في إحدى خُطب مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس، خلع الرجل عمامته ووضعها مقلوبة بين يديه، نظر إلى المصلّين وقال بنبرة حادة “يا قوم هذه عمامة.. عمامة وليست طنجرة”.

بقيت هذه العبارة عالقة في ذاكرتي، عصية على النسيان رغم مرور زمن طويل على سماعها. لسنوات وسنوات وأنا أتساءل ترى ماذا كان يعني سماحته حين شبّه العمامة بما تحمله من دلالة ورمزية مادية ومعنوية، بالطنجرة؟ ما الرابط بين الطنجرة والعمامة؟

ظلت هذه الأسئلة حائرة بلا جواب إلى أن جاء صيف 2013. خلال إجازتي السنوية في ذلك العام (مقيم في الخليج)، وبينما كنتُ أتفقد أحوال قريتي برالياس، كعادة كل مغترب بين الإجازة والإجازة، لفتني تشييد مسجد جديد يحمل اسم الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).

سألت مرافقي متى بُني هذا المسجد؟ ومن هو إمامه؟ أجابني “لقد شُيّد خلال الأشهر القليلة الماضية، أما خطيبه فهو “الشيخ” أحمد القطان، ألا تذكر الرجل؟ تساءل مُحدثي.

بدا الأمر غريباً للغاية، الغرابة لم تأت من فعل البناء بحد ذاته، بل من قدرة شخص (تُطرحُ الكثير من علامات الاستفهام حول كيفية بروزه وتصدّره المشهد) على تأمين تكاليف إنشاء مسجد جديد، منفرداً، لاسيما وأن الأمر تم دون العودة إلى المرجعية المعنية، أي دارالفتوى ومن خلفها أزهرالبقاع، إذ إن “الشيخ” المذكور على خلاف وخصومة تصل حد العداء مع كلا المؤسستين.

صحيح أن أحمد متعب القطان الذي ولد في العام 1984 يحمل صفة “شيخ”، لكنه للمفارقة لم يمر يوماً على جامعات أو مؤسسات تابعة لدار الفتوى، بل تخرّج من كلية أو “دكان” الدعوة كما يحلو للبعض أن يصفها، والتي يديرها “الشيخ” عبدالناصر جبري المعروف بتوجهاته وانتماءاته الحزبية والسياسية.

أول ظهور للقطان بالعمامة الحمراء يعود للعام 2005، حينها منحه إمام مسجد “مصعب بن عمير” في برالياس (إحدى أكبر القرى السنّية في البقاع الأوسط) الشيخ وسام عنَّوز صفة مساعد إمام، لينال إعفاء من خدمة العلم، ولكن عندما بدأت تظهر ميوله الفاقعة في تأييد نهج “حزب الله” في بلدة تدين بالولاء التام لتيار المستقبل، رفض عنّوز كما سائر أهل القرية أن يدخل القطان المسجد ثانية، وهذا ما حصل بالفعل.

على أن خروج القطان من “جامع الضيعة”، لم يكن سوى البداية فقط، فما هي إلا أسابيع قليلة حتى بادر الحزب إلى تأمين مسجد بديل لحليفه “المعمّم” في بلدة حمانا، قبل أن يقوم مفتي جبل لبنان علي الجوزو بفصله في وقت لاحق بعدما عَلِم بحقيقته.

وبين الفصلين أو الطردين الأول والثاني، كان الحزب يقدم للقطان دعماً مادياً وإعلامياً يثير المزيد من الشبهات حول علاقة الطرفين، خصوصاً وأن “حزب الله” ليس سبيلاً أو جمعية خيرية، وتاريخه حافل في دعم الشخصيات والحركات السنّية (الخارجة عن إجماع الطائفة) تحت غطاء مساندة مشروع “الممانعة”، تمهيداً لتحقيق مآرب أخرى لا تخفى على أحد، أقلها التغلغل في بيئة لا تشاطره خياراته السياسية.

عَمد الحزب خلال أقل من عشر سنوات فقط إلى تمويل ثلاثة مشاريع لـ “الشيخ”، استهلها بإنشاء مجمع أطلق عليه مركز “عمر بن الخطاب” لتحفيظ القرآن، تلاه الإشراف على تأسيس جمعية تُعرف باسم “قولنا والعمل”، قبل أن ينتهي به المطاف حد تغطية تكاليف إقامة المسجد الذي يتخذه القطان اليوم منبراً ظاهره دعم “المقاومة”، وباطنه شق الصف وتأليب أهل القرية الواحدة بعضهم ضد بعض، وبين هذا وذاك تجنيد بعض المناصرين.

يُقيم القطان في مؤسساته الثلاث خطباً ودروساً ولقاءات أسبوعية واحتفالات وإفطارات رمضانية تغري بعناوينها البرّاقة، الأطفال الصغار والمراهقين الذين يتوافدون لسماع المدائح والأناشيد الإسلامية، التي سرعان ما تتحوّل إلى حفلات تأييد وتمجيد للحزب والقيادتين الإيرانية والسورية.

يشكل المال أحد أمضى أسلحة “حزب الله” في معركة اختراق صفوف مشايخ السنّة، بيد أنه ليس السلاح الوحيد، فهناك مغريات الظهور الإعلامي والنجومية من خلال الشاشات الموالية والحليفة كالمنار و”الجديد” والـ “أو تي في” والـ “إن بي إن” والتلفزيون السوري وقناة “العالم”، وهناك الأسلحة ورخصها التي توزع كـ “الرز” على الأنصار والموالين، ناهيك عن الدعم الأمني والقضائي والمخابراتي في حالات التعدي على القانون وما أكثرها، أضف إلى ذلك لقاءات قيادات الصف الأول بدءاً من الأمين العام وصولاً إلى الوزراء والنواب، ناهيك عن الزيارات الدورية لطهران ودمشق ولقاءات المسؤولين الإيرانيين والسوريين وغيرها من مرتبات خيالية وسيارات حديثة ومرافقين ومواكب.

احترف الحزب التستر بعباءة رجال الدين لفرض فكره ومشروعه على الطائفة الشيعية في الماضي، وها هو اليوم ينجح أو يكاد في فعل الشيء نفسه مع الطائفة السنّية من خلال تجنيد “معمّمين” يصفقون له عند اتهام زعماء ومرجعيات الطائفة بـ “الخونة” مرة، و”الإرهابيين” و”التكفيريين” مرات ومرات.

سيناريو برالياس – القطان لا يشكل سوى مشهد صغير من فيلم طويل طويل جداً، تدور أحداثه في عشرات القرى البقاعية السنّية حصراً، كسعدنايل وقب الياس وتعلبايا والروضة والفاعور وحوش الحريمة والخيارة وغزة وغيرها، ففي كل بلدة من هؤلاء “شيخ” أو “مستشيخ” حوّل عمامته طنجرة يأكل فيها من لحم أهله وطائفته لقاء حفنة من الدولارات.

سامحني يا سماحة المفتي… تأخرت كثيراً حتى أفهم ما كنت تقصد!