نبيل بومنصف/الغرب الساقط والأقليات

306

الغرب الساقط والأقليات!
نبيل بومنصف/النهار
27 شباط 2015

لا تقتصر “فتوحات” تنظيم داعش الزاحفة على تهجير الأقلية الآشورية في سوريا حاليا فحسب، انما ايضا على اثبات حقيقة مفجعة متكررة ستقضي قضاء مبرما على ما تبقى من “ايمان” الأقليات عموما والمسيحية خصوصا بما يسمى المجتمع الدولي وبالأخص الغربي في انقاذها من براثن المغول الجدد. لا حاجة الى التبحّر في الأسباب التاريخية التي زالت معها نظرية الحمايات الغربية للاقليات في الشرق الاوسط، خصوصا مع السياسة الاميركية الراهنة التي تطبخ الشرق الاوسط على نار انتظار التسوية مع العملاق الايراني، وعبثا اي استنتاج آخر للتمادي في ترك داعش يفترس ضحاياه تحت جنح الحملات الجوية العقيمة. ولكن ما يعني اللبنانيين الذين يبدون الاشد تأثرا في رؤية اقليات تذوق مر كأس مرت بهم، ولو بتفاوت درجات الوحشية، هو استخلاص الدروس الفورية والتحسب لكل الاحتمالات وعدم النوم على حرير الاوهام القاتلة. هذا الغرب الحالي سقط سقوطه المدوي اساسا في حماية الاسلام المعتدل ايضا. وإذا أسقطنا نظرية التواطوء، فان الغرب فشل ايضا في تنصيب نفسه حاميا للبشرية ضد المجازر والمذابح والفظاعات التي ترتكب على أيدي الدواعش وكذلك على أيدي النظام السوري. وها هي الشهادات الموثقة للهيئات الدولية ومنظمات حقوق الانسان، عشية طي السنة الرابعة من الحرب السورية، بمثابة احكام قاطعة على هذا الفشل.

في العقود الاخيرة، برزت اقليتان عرفتا كيف تواجهان التخلي الدولي والغربي عن حماية الأقليات هما الأكراد راهنا ومسيحيو لبنان عام ١٩٧٥ وبعده. لقد ازيلت الأقليات المسيحية الأكثر تجذرا في الشرق من العراق ولم يرف جفن في الغرب لهذا التطور المرعب. ويجري الآن تمديد هذه الصحراء الحضارية في سوريا والحسكة تحديدا، وبالكاد تقابل الفظاعات الجارية ببيانات استنكارات سخيفة لغسل الايدي الغربية من تبعة الجريمة الانسانية والحضارية. وإذا كان من الصعوبة إطلاق الأحكام من بعد على وقوف معظم الأقليات في سوريا مع النظام فان ذلك لا يسقط واقعا يثبت ان الأكراد، وعلى غرار المسيحيين اللبنانيين في طلائع الحرب اللبنانية، اسقطوا بشجاعة المواجهة والقتال التخلي الدولي عن الأقليات باللغة التي يفهمها العالم ووحوش المجازر وتمكنوا من قلب المعادلات بالتضحيات التي لا حدود لها الا اثبات الوجود بالقوة القاهرة. وما دامت المعادلة المرعبة التي تجتاح الشرق الاوسط تقوم على انفجار مذهبي غير مسبوق كأنه الحرب الكونية بين السنة والشيعة، فان لبنان وحده الآن يبقى جزيرة الحماية الحقيقية لسائر طوائفه ومذاهبه وأقلياته المسيحية والإسلامية، ولكن من دون وهم في ان يكون المسيحيون على بيّنة من انهم يتحولون بسرعة مع الاقباط المصريين بين الكتل المسيحية الاخيرة الوازنة في الشرق الاوسط. وهو اكبر واخطر استحقاق وجودي ومصيري يواجههم ولا ينفع معه التغني بأساطير تهدئة المخاوف.