وسام سعادة/لتدخّلان التركي والمصري: معطى جديد ولو بقيت «المحاور إلى حين»

248

التدخّلان التركي والمصري: معطى جديد ولو بقيت «المحاور إلى حين»
وسام سعادة/المستقبل/24 شباط/15

ينتمي التدخل التركي في شمال سوريا لإنقاذ رفات سلمان شاه من براثن الجماعات الجهادية المسلحة، والتدخل المصري في ليبيا ضد الجماعات الجهادية المسلحة، الى مستويين مختلفين، وإلى دائرتين مختلفتين على صعيد الفعل ورد الفعل، ناهيك عن الإشكال التركي – المصري الذي عمره من يوم إطاحة رئاسة محمد مرسي. بقي أنّ تزامن الحدثين، على موضعية الأول، التركي، كونه يتعلّق بنقطة معينة، وعدم قابلية الثاني كي يتحدّد في نقطة معينة، كل هذا من شأنه أن يؤسس لمسار جديد تتخذه الأمور في المنطقة. هذا المسار لن يولد بين ليلة وضحاها، وسياسة المحاور المكرسة حالياً قد تؤخره، لكنه مسار تتحرك الامور نحوه. ما هي المحددات الرئيسية لهذا المسار؟ أولها تيقّن حكومات المنطقة بشكل أو بآخر من أنّ التدخل الأميركي والغربي ضد الجماعات الجهادية المسلحة وفي مقدمتها تنظيم «الدولة الاسلامية» لا يؤسس عليه في أمد منظور، وبالعكس، يمكنه متروكاً لوحده، أن ينمّي هذه الجماعات، ويصطنع لها من فوق المظلومية انتصارية، ويضاعف استئسادها.

ثانياً، تيقّن هذه الحكومات، وبالاخص الاردن ومصر وتركيا، من أنّ هذه السياسات الأمنية التي كانت معتمدة سابقاً مع هذه الجماعات لم يعد لها ذلك المفعول الرادع الذي بدت تحققه في وقت سابق، وأنّه في غياب إمكان ضربة استراتيجية يمكن أن تسدد وتوقف تنامي سيطرة الجماعات الجهادية على مساحات واسعة من العراق وسوريا وليبيا ومناطق أخرى، فإنّ هذه الجماعات ماضية قدماً في تطبيق قراءتها النافية للكيانية الوطنية، والحدود الدولية بين الدول.

وهذه هي المفارقة اليوم: دول تتعدّى حدودها لتحافظ على منطق الكيانية الوطنية والحدودية في وجه قوى «جهادية» تكفر بالحدود انطلاقاً من كفرها بالأوطان الحديثة. فهل يؤسس مثل هذا التلاقي الحدثي بين حكومات انخرطت في محاور متنابذة منذ سنوات مدخلاً لتفاعل اكثر ايجابية، من شأنه أن يحسّن شروط مواجهة ما يُحدق بالكيانات الوطنية والدول ذات الحدود؟ سيكون ذلك ممكناً إذا ما أتيح السبيل لحوار حقيقي بين العواصم المعنية بمواجهة هذا النوع من المخاطر، والارتفاع إلى هذا المستوى، الصعب، بل العسير، من التحديات.

وهذا لا يمكنه أن يكون دون إعمال الروية والتمييز في أكثر من ميدان. مثلاً: الإجماع بين حكومات الاقليم التركية والعربية على إدانة نظام آل الأسد في سوريا ينبغي أن يفعّل أكثر من أي وقت، بالتوازي مع السياسة الأمنية او المسلحة لكل عاصمة في مواجهة الجماعات الجهادية التي تداهم او ترابط على جزء من ترابها.

بالتوازي، فان كارثة ذهنية حقيقية تتأتّى من المكابرة على التمييز بين حركات الاسلام السياسي التي تبرز ميلاً للتداول السلمي، ما زال ينبغي تثبيته، وبين الجماعات الجهادية المسلحة. هذا الخلط تسبّب في كثير من الانحرافات في قراءة الاحداث وفي التأثير عليها. من هنا، وأياً كانت فداحة ما ارتكبته فصائل الاسلام السياسي عندما تسنّى لها الحكم، فإن السياسة الاستئصالية بإزائها هي مصدر سخي للعنف الجهادي الموازي لها، كما للكبوة التي أصابت الربيع العربي ككل، وأعادت إنجاب ثنائية «إما التسلّط وإما العدمية».

تزامن التدخل التركي الموضعي في الشمال السوري، والتدخل المصري المتعدد الأوجه والنقاط في ليبيا، هو إذاً مناسبة للتفكير، بما يمكنه أن يؤهل البلدين، وكل بلد في المنطقة تباعاً، للاستفادة من التحدي الذي يفرضه الجهاديون، لأجل اعادة انتاج الكيانية الوطنية بشكل معافى ومتين، ورحب في داخله. هذا التفكير يستدعي تجسير الهوة بين عواصم اقليمية، أضاعت الجامع المشترك بينها، في مواجهة ايران ومشاريعها وتوابعها، وهي اليوم تكتشف مشتركاً ثانياً، في مواجهة الحركات الجهادية المتطرفة، وعساها تفطن للخطرين في وقت واحد.