الـيـاس الزغـبـي/”فيلق عوني” في سوريا

254

“فيلق عوني” في سوريا
الـيـاس الزغـبـي/لبنان الآن

لم تأخذ دعوة حسن نصرالله جميع اللبنانيّين إلى مشاركته في حرب سوريّا والعراق و”حيث يجب”، كتفاً إلى كتف، حقَّها من الاهتمام والمناقشة الجديّة، قبل مسارعة البعض إلى رفضها عفواً. لم يكن نصرالله يهذُر أو يسخر أو يتذاكى حين وجّه دعوته “الصادقة” تلك. ففي اعتقاده واقتناعه أنّها أمر طبيعي وتلقائي، طالما أنّ تحييد لبنان وعزله عن حروب المنطقة أمرٌ مستحيل، ومن البديهي أن يكون للبنان كلمة في تحديد مصير المنطقة برمّتها جغرافياً وسياسيّاً وعقائديّاً، كي يبني مصيره. كان الأحرى بالرافضين أن يتريّثوا ويفكّروا في المسألة، ويناقشوا بعقلٍ بارد الخطأ أو الصواب في الدعوة إلى الحرب. فنصرالله سبقهم بدون أن يستشيرهم أو يقف على خاطرهم، بسبب قدرته “الخارقة” على استشراف مصائر الشعوب والدول، ومن بينها وطنه الثاني أو… العاشر لبنان! وكان على الذين وجّه إليهم الدعوة بالتحديد، أي 14 آذار عموماً و”تيّار المستقبل” وسعد الحريري تخصيصاً (لأنّها كانت ردّاً خاصّاً على طلب الأخير من “حزب الله” العودة من سوريّا)، أن يتوقّفوا عند ناحية واحدة على الأقلّ من الدعوة الكريمة، وهي سؤال بسيط لصاحب الدعوة: لماذا لا تدعو حلفاءك أوّلاً إلى هذه الوليمة، فالأقربون أَولى بالمعروف؟ بعد ثلاث سنوات من انغماس “حزب الله” في الحرب السوريّة، وتمدّده إلى العراق و”حيث يجب”، لم يلحظ أحد وجود أثر واضح لحلفائه في هذه الحرب، باستثناء أفراد من الأحزاب “الوطنيّة” التي سبقته في انتمائها العتيق إلى نظام آل الأسد، مثل البعثيّين والقوميّين السوريّين وبعض الـ”حُزَيْبات” التي فرّخت في المشتل المخابراتي السوري المعروف. السؤال الواجب هو لماذا لا ينظّم “حزب الله” حلفاءه ويأخذهم إلى الحرب هناك قبل أن يدعو خصومه كما فعل؟ فهل يثق بخصومه أكثر من حلفائه؟

في الواقع، هو فعل شيئاً من هذا: عزّز ووسّع إطار ما كان أنشأه تحت مسمّى “سرايا المقاومة” خارقاً طوائف وأحزاباً أُخرى، وسعى إلى تنظيم وتسليح بعض الأطراف والتيّارات المسيحيّة، ولا سيّما “التيّار العوني” بحجّة حماية القرى المسيحيّة في البقاع الشمالي، بعدما كان حاول قبلاً، تحت حجّة الاعتصام في قلب العاصمة وتحقيق شعار “الشراكة” و”إعادة النصاب” في غزوة 7 أيّار، وبعدها في الحركة الانقلابيّة لـ”القمصان السود”، لكنّ محاولاته بقيت محدودة الأثر.

لا مجال هنا لمناقشة خطورة دعوة نصرالله على مفهوم لبنان وسيادته وإلغاء حدوده ورسالته وميثاقه التاريخي وانتمائه العربي العالمي، وخطورة تدميره في حروب لا ناقة له فيها ولا جَمَل، بل نأخذ الموضوع من جانبه العملي البراغماتي، كي يصحّح الداعي وجهة رسالته، ويبدأ من “أهل بيته”، وأحقُّهم هو ميشال عون طبعاً، لأنّ هناك “تحالفاً وجوديّاً” بينهما. فلا يجوز أن يكون الأوّل في حالة حرب وجوديّة مصيريّة إلى ما بعد بعد سوريّا، ويبقى الثاني متفرّجاً، لاهياً بترتيب حظّه وفرصته الأخيرة للرئاسة، باذلاً لأجلها ماء الوجه مع سعد الحريري وسمير جعجع وكلّ عمّ يتزوّج الأم، من بيت الوسط إلى الرياض إلى أقاصي الربط والحلّ. المفارقة هي هنا: حلفاء “حزب الله” يتركونه يتخبّط في وحول الموت، وهم يلهثون وراء مراتب ومناصب. فكيف يحقّ له الاستنجاد بالأبعدين، والأقربون لاهون؟!

وحين ينجح نصرالله في تجنيد الأقربين، يصبح لدعوته شيء من الصدقيّة، وتخرج من إطار المزايدة والمعايرة والكيديّة إلى حيّز الدعوة الجديّة، فيكون الرفض أو القبول. والأكيد، الرفض العقلاني الحاسم لدعوة رعناء، إنقاذاً للبنان.

وليست مطالبة الحريري باستراتيجيّة وطنيّة ضدّ الارهاب سوى تمهيد لسحب “حزب الله” من الورطة السوريّة العراقيّة، في حين يرى نصرالله هذه الاستراتيجيّة غطاء لمزيد من التورّط، فكيف تلتقيان؟! لا أثر لأيّ عقلانيّة في بطاقة الدعوة الحربيّة التي أطلقها نصرالله. بسهولة كليّة يستطيع متلقّوها تفنيدها وإسقاطها ورفضها، لأنّها موجّهة إلى من لا صفة لهم، وإلى العنوان غير الصحيح. إذا كان هناك عنوان صحيح للدعوة فهو الحليف “الوجودي” لنصرالله، ميشال عون. حتّى الآن، لم يصدر أيّ تعليق من هذا الأخير، كأنّ على رأسه الطير لشدّة الحرج، لأنّ لا فكاك له من “الورقة”. فهل نرى قريباً “فيالق” عونيّة تتحرّك إلى القلمون وريف دمشق وبْراد، كما تحرّكت سابقاً باصات الحجّاج؟ عند ذاك، وفي حال نجاح “حزب الله” في استدراج حلفائه، يتوجّب على 14 آذار عرض استراتيجيّتها لمكافحة الارهاب، ومناقشة الدعوة إلى الحرب بصورة قاطعة، ورفضها. فليتركوا الرفض الآن لأهل “الحلف الوجودي”.. إذا تجرّأوا.