مهى عون/حوار أم تطبيع قسري “لبنان”؟

433

حوار أم تطبيع قسري “لبنان”؟
مهى عون/السياسة
15 شباط/15

تتعدد وسائل وأشكال الحوار ويبقى المقصود واحداً, وهو تمكين وتسهيل سيطرة وهيمنة قوى الأمر الواقع أو الطرف الأقوى, فمن المؤتمرات الخارجية الموسعة, بين فريقي المعارضة والسلطة, مروراً بتلك التي تنظم على الصعيد الداخلي في مختلف البلدان, حيث يستفحل الصراع بين القوى الظلامية والقوى الحرة, يشهد العالم العربي حالياً تعميماً لثقافة ما يُسمى بالحوار, وما أدراك ما هي طبيعة وحقيقة هذا الحوار, وما يتضمنه من تناقضات بين الشكل والجوهر. وتأتي وسائل الإعلام في مقدم الطرق المستعملة للترويج لستراتيجية الحوار في هذه الأنظمة الفوقية والقمعية, حيث يأتي الحوار ليزيد الطين بلة, فكما هو معهود بالنسبة إلى الإعلام, المرتهن عادة لقوى الأمر الواقع, تراه يساهم في عملية الشحن الترويجية, متغاضياً ومغيباً كل عمليات القتل وسفك الدماء والصلف على أنواعه التي سبقت هذه الدعوة للحوار, أو ما زالت تواكبها, فكل ما يُسمى حواراً, هو بمثابة مبادرة تصب حكماً في مصلحة قوى الأمر الواقع, التي في النهاية, تعطي من طرف اللسان حلاوة حول طاولة حق يُراد بها باطل, فحسابات قوى الأمر الواقع ضمن أي حوار, تقوم عادة على دوزنة ميزان الربح والخسارة ولكن بشكل مضمون ومريح, وعلى قاعدتي الترهيب والترغيب ليس إلا, ومن هنا قد نرى مساهمة فعلية في هذا الحوار من الجهة المقابلة, أي ممن بقي على قيد الحياة من القوى المناهضة ولكن على خلفية مقولة مجبر أخاك لا بطلاً, فتراها تأتي للمشاركة وملء رأسها هاجس الخوف من مناظر الرعب والدم المسفوك, ما يسهل عملية ترهيبها وتخويفها, وصولاً إلى عمليه شراء ضميرها من طريق الرشوة. فأي حوار هو الذي يروَّج له داخلياً ويصفق له المجتمع الدولي? وأي جلوس وتوافق ممكن بين الضحية والجلاد? بين القوي والضعيف? بين القاتل والمقتول? بين من يمتلك ترسانة من الأسلحة والمدعوم من قوى إقليمية ودولية وبين قوى حية لا تملك سوى عتاد محدود وغير متطور, أو كما في بعض البلدان, مثل لبنان- فقط سلاح الكلمة والمنطق والرغبة في تأمين الحياة الكريمة للمواطنين. كلها فجوات يتخطاها كل من يجمع على ضرورة إقامة الحوار بعيداً من كل كلام آخر من نوع آخر, كون القاعدة المتبعة الأولى قبيل الجلوس على الطاولة ذاتها, هي في تقديم صك براءة لجميع المرتكبين أو القتلة. وكما يلعب الإعلام دوره الفعلي في هذه العملية الترويجية, يساهم المجتمع الدولي, وعلى رأسه الولايات المتحدة, في الإدلاء بدلوه أيضاً, وتكون مبادرة دعمه الحوار بمثابة صك براءة إضافي للمرتكبين, ويبدأ الجميع مسرحية الشكل والصورة, بحجة فك الارتباط وتنفيس الاحتقان, خصوصاً من أجل تحقيق الهدف السامي الذي يجمعون عليه, ألا وهو التوصل إلى التوافق على تشكيل سلطة مشتركة.

وفي هذا المجال, نأتي على ذكر ما يدور على الساحة اللبنانية من مبادرات تصب في سياق إتمام العملية الحوارية والسارية على قدم وساق بين مختلف الفرقاء, حيث إن اللافت فيها هو الإنزال القسري للحوار في مشهدية فاقعة بتناقضاتها. فالحوار المراد عقده في لبنان سوف يقوم بين فريق يمتلك كل الأوراق ومهيمن ومسيطر على مختلف مفاصل الدولة بواسطة ترسانته المسلحة, وبين فريق ما زال حتى الساعة يكيل التهم للفريق الآخر بإخفاء قتلة الرئيس الحريري, ويتطلع ويأمل في نتائج تصدر عن المحكمة الدولية تدينه وتزجه في السجون وتحيله على القصاص. ولكن نزعة تقاسم جزء من الكعكة, لها مفعولها السحري حتى ولو كانت على حساب الكرامة والعنفوان وراحة الضمير. وعلى ما يبدو, فالفريق الضعيف قابل لتجرع هذا الجزء من الكأس المر, علَّ ولوج بدعة الحوار هذه تساهم في المحافظة على ما تبقى له من ماء الوجه أمام مناصريه, من طريق المحافظة على بقايا وحطام سلطة تم قضمها وتفتيتها.. وبالتالي يجوز القول إن مبادرة الحوار هذه لا تتعدى كونها مطية, أو قميص عثمان لتمكين القوى المسيطرة من تشديد قبضتها وتبييض صورتها, ومن الجهة المقابلة تظهر مدى التناقض والانفصام في الشخصية السياسية. وعلى سبيل المثال, هناك دعوة طوباوية علنية للمصافحة بين السيد حسن نصر الله والرئيس الحريري, فيما المضمون هو نية ورغبة تيار المستقبل بشكل عام في رؤية “حزب الله” مجرداً من سلاحه, أو على الأقل تابعاً لإرادة وسلطة الجيش اللبناني بخصوص قرار السلم والحرب, وكذلك بالشكل, لديه الرغبة في رؤية “حزب الله” خارج الأراضي السورية تمهيداً لرؤية انهيار النظام السوري, ولكن في الوقت ذاته لديه يقين بأن مقاربة موضوع تدخل “حزب الله” في سوريا هي قضية مستبعدة تماماً عن سياق أي حوار. وفي ظل تغييب الأساس والمهموالأهم, تبقى القشور كمواد قابلة للبحث والتشاور.

يغطيه ويسبق حصوله حملة تجميلية لما تبقى من دولة أفِلَتْ أنوارها. نعم, لا مانع عند الحزب من عملية الإخراج المسرحية, إن في حواره مع تيار المستقبل, أو في حوار حليفه عون مع حزب القوات اللبنانية. لا بأس أن يبقى جدول الأعمال محصوراً بالشكليات اللفظية المتفق عليها مسبقاً, بل تراه يرحب بها, كونها تصب في مصلحة تلميع صورته على الصعيدين الداخلي والخارجي, فتظهره فريقاً ديموقراطياً قابلاً للتفاوض والحوار, ناهيك عن إعادة اكتسابه بطاقة تأهيل مجانية, تطيح ما تبقى من لوثة الاتهامات بالعمالة والارتباط بالولي الفقيه ونظامه وتظهره بمظهر الفريق اللبناني الغيور والحريص على مصلحة بلاده. زائد حصوله من طريق إعادة التأهيل هذه, على صك براءة, من مختلف الاتهامات التي طاولته في وقت سابق على يد الفريق نفسه. نعم, تراه الطرف الرابح في جميع الأحوال, فمن ناحية يفرض شروطه, إما مباشرة وإما عبر حليفه ومنفذ أوامره الجنرال عون, ومن ناحية أخرى, يكسب تلميع صورته وتطهيرها. فلا ننسى أن من وسائل التطبيع والتركيع الفاعلة التي استعملها “حزب الله” حيال الفريق الآخر بشكل ذكي وعلى طريقة قطع الحجر بريشة النعام, المعروفة عند المحاور الإيراني, تعمده ايجاد فجوة الفراغ, على الصعيد الرئاسي, والتي فعلت فعلها في لجم طموحات الفريق الآخر للمطالبة بخروج “حزب الله” من سورية, أو تجريده من سلاحه, فالفراغ المتعمد في موقع الرئاسة كان أشد فعلاً من أي وسيلة عنفية أخرى لتدجين الجميع. وحصل ذلك من طريق تعمد غياب الحزب ومقاطعته كل جلسات الانتخابات, ومن طريق حمل كتلة حليفه عون بطريقة مدروسة وذكية للحضور, فالامتناع عن المشاركة في أي عملية اقتراع رئاسية. قرابة الأشهر التسعة من الفراغ في قصر بعبدا, كانت كافية لإرغام من هو متمسك بمطالبته بتوحيد السلاح وإخضاعه لسلطة الدولة إلى أقل بكثير من هذا, وصولاً إلى قبول الجلوس على طاولة الحوار فقط, من أجل تسيير موضوع تحقيق انتخاب رئيس للجمهورية والإتيان بسعد الحريري لرئاسة المجلس, وربما إخراج قانون للانتخابات فقط لا غير.