الـيـاس الزغـبـي/مشروع خارج الجهادَيْن

270

مشروع خارج “الجهادَيْن”
الـيـاس الزغـبـي/لبنان الآن/14 شباط/15

تكفي عشر سنوات لاستنباط جوهر مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإخراجه من الدائرة الإنمائيّة الاقتصاديّة التي حُشِر فيها إلى رحاب المشروع الوطني بأبعاده الثلاثة: لبنان وطن ودولة سيّدة غير مُلحَقة، دولة منتمية إلى بيئتها العربيّة تفعل وتنفعل فيها، دولة مؤسّسات واقتصاد وإنماء واستقرار تماشي العصر والتقدّم العالمي.

على هذه المسافة الكافية، يُمكن الآن فهم حقيقة الدوافع لاغتياله، بعدما تبيّن لأهل القرار بإلغائه أنّ مشروعه كان بدأ يخرج عن إطاره الاقتصادي المالي الضيّق الذي يخدم مشروعهم، إلى حيّز سياسي وسيادي، لبناني عربي عالمي، يضع لبنان خارج المحور الذي تطوّر بعد اغتياله إلى إسم “محور الممانعة والمقاومة”.

وبكلّ صفاء ذهنٍ ووضوح، يُمكن الآن القول إنّ رفيق الحريري كان المُلهم الأوّل لما أصبح اليوم يُعرف بإسم “الائتلاف الدولي لمكافحة الارهاب”، بما يعنيه هذا الائتلاف من تبلور إرادة عربيّة دوليّة تتخطّى مجرّد عمل عسكري ضدّ “داعش” وأخواتها، إلى تكريس نمط حياة حديث، يقع لبنان في صلبه منذ نشوء فكرة قيامه.

لقد أدرك الحريري، بحدسه اللبناني – العربي، المسلم – المسيحي، المحافظ – المنفتح، المحلّي – العالمي، أنّ لبنان يفقد معناه ورسالته ووجوده وعبقريّة ميثاقه، إذا أُخرج من سياقه التاريخي وانتمائه الإنساني، وأُدخل في محور لا يُشبهه، كما يحصل منذ عشر سنوات.

هنا كانت تكمن رؤيته، منذ إعادة بناء بيروت، إلى “تفاهم نيسان” 1996، إلى فتح لبنان على الأفق الدولي الواسع، إلى صوغ إرادة وطنيّة واحدة من بكركي و”قرنة شهوان” وكليمنصو إلى البريستول.

كثيرون ممّن يعتذرون منه اليوم لم يفهموا عليه آنذاك، بل واجهوه وحاربوه تحت عناوين طائفيّة واتهامات بالهيمنة والأسلمَة، بتأثيرٍ دعائي خطير من النظام السوري وأذرُعِه في لبنان. وليست المحاولات المستمرّة لتقزيم معنى مشروعه وإعادة حصره في الجانب الاقتصادي فقط، سوى حلقة جديدة من محاربته.

أليس هذا ما يعنيه الـ”فيتو” الذي يضعه “حزب الله” على بحث سلاحه وحربه في سوريّا على طاولة حواره مع “تيّار المستقبل”؟

أليس هذا ما يعنيه سعي “أهل الممانعة” إلى عرقلة تسليح الجيش اللبناني بالمال العربي والسلاح الغربي، بحجّة استعداد إيران لتسليحه؟

أليس هذا ما تعنيه محاولات عزل لبنان عن “الائتلاف الدولي” ومنعه من حضور اجتماع واشنطن؟

أليس هذا ما يعنيه رفضهم تنسيق عمليّات الجيش ضدّ مسلّحي الجرود مع غرف العمليّات العربيّة والدوليّة؟ وتهريب مطلوبيهم من بريتال اللبنانيّة إلى بريتال السوريّة في القُصير وقراها؟

لكنّ الصراع بين مشروع الحريري ومشروعهم قائم ومستمر بوجوه شتّى. ويُمكن الإشارة إلى آخر وجهَيْن منها: الحوار في حدّ ذاته للجم “حزب الله” عن المزيد من العنف وصَلَف القوّة، والمشاركة الوشيكة لقائد الجيش في المؤتمر العسكري لدول “التحالف” في الرياض.

صراعٌ مرير بدأ مع رفيق الحريري، ولم ينتهِ باغتياله. بل إنّه اليوم أشدّ وأقسى وراء برادي الحرير وبين الكفوف الناعمة في جلسات الحوار. وهذا ما يفسّر إصرار سعد الحريري و”تيّار المستقبل” و14 آذار على إكمال المشروع، ليس لأنّه فقط مشروع شخص أو زعيم، بل لأنّه مشروع لبنان كوطن ودولة ونموذج حضاري يصلح لمعالجة تصادم الثقافات والحضارات والأديان، حتّى في أوروبا نفسها.

ولا ينتهي هذا الصراع بالانتصار على وجهٍ واحد من وجوه الارهاب، بل بإسقاط كلّ وجوهه في كلّ المذاهب والمواقع. فليس بشّار الأسد أقلّ إرهاباً من البغدادي، ولا الحوثي أرأف من “قاعدة” اليمن، ولا “حزب الله” أرحم من “النصرة”، ولا قاسم سليماني أخفّ عنفاً من علّوش الغوطة.

لقد استشرف رفيق الحريري موقع لبنان الطبيعي والسليم قبل صعود نجم جميع هؤلاء. حاور حسن نصرالله على خلفيّة هذا الاستشراف، وحاول ثنيه عمّا يتورّط فيه اليوم، وما زال يحاول على طاولة نبيه برّي.

حاول ترويض الوصاية السوريّة على لبنان وتخفيف وطأتها، فاقتصّت منه، فسارع دمه إلى الاقتصاص منها.

واليوم، بدأ الدم ينتصر على السيف، برغم كلّ مظاهر الغلبة وسطوة السلاح. فمن استطاع صنع ائتلاف اللبنانيّين فوق طوائفهم لتحقيق انتفاضة الاستقلال، قادر على وضع لبنان في الائتلاف العربي العالمي الذي يشبهه. ولا شيء قادر على منع لبنان من الانتماء إلى ذاته والعالم، في النهاية.

وطن، أراده الحريري خارج محورَيّ “الجهاد” قبل حربهما المزمنة.

وسيتحقّق مشروعه مع انتهاء هذه الحرب بانتهاء طرفيها.