السيّد الأمين يجتهد ردّا على حرق الكساسبة: الحدود الشرعية معطّلة

425

السيّد الأمين يجتهد ردّا على حرق الكساسبة: الحدود الشرعية معطّلة
حاوره: وسام الأمين/جنوبية/الأحد، 8 فبراير 2015

تعليقا على جريمة حرق الطيار الأردني معاذ كساسبة من قبل تكفيريي “داعش” الذين يتسلحون بالحدود الشرعية لتحقيق مآربهم، أعلن سماحة السيّد محمد حسن الامين اجتهاده الذي يؤكد فيه أن الحدود الشرعية يجب أن تكون معطّلة بعد وفاة الرسول وغياب الإمام المعصوم.

لم تكد مواقع التواصل الاجتماعي تنقل فيديو إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة من قبل “داعش”، حرقًا بأبشع صورة، أقل ما يقال إنّها همجيّة وظالمة، حتى ضجّت الوسائل الاعلامية على انواعها ومواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات شاجبة ومستنكرة هذه الفاجعة الإنسانية.

وقد فرض هذا الحدث الوحشي نفسه كسابقة لم يشهد لها العصر الحديث مثيلا. فاندلع نقاش حام بين ناشطين على مواقع الانترنت حوله، وقد عمد بعضهم الى القول إن منشأ هذا العنف المتوحّش هو الدين الاسلامي نفسه، اذ ان حدّ الحرق استخدم في الماضي كمعاملة بالمثل، كما أن الاعدام بقطع الرأس الذي يطبقه داعش على أعدائه حاليا هو من الحدود والعقوبات الإسلامية أيضا وعمل به من أجل الإقتصاص من القاتل، وكذلك قطع يد للسارق وغيرها.

لذلك ومن أجل الإضاءة على الموقف الشرعي من جريمة احراق الكساسبة، وتوضيح الرؤية الدينيّة من مسألة العقوبات وتبيان حقيقة الحدود الشرعيّة التي نصّ عليها الإسلام ومعرفة مجالها وكيفيّة تطبيقها، أجرينا حوارا مع سماحة العلامة المفكر السيد محمد حسن الأمين حول هذه المسائل فأجاب:

“حول سؤال ما إذا كان المجني عليه الطيار الأردني يعتبر أسير حرب أم مقاتل قتل في المعركة، فإننا نعتبر ان هذا الطيار، بالرغم من مشاركته في عمليات القصف التي يمارسها التحالف الدولي، وهي فعل حربي دون شك، إلاّ أننا نميل إلى اعتبار هذا الطيار جندياً وقع في الأسر، ومن المعلوم أن الأسير لا يقتل وفق الشريعة الإسلامية، فلو افترضنا أن هذا الطيار لم يكن أسيراً وإنما كان في موقع المواجهة المباشرة وجاز للطرف الآخر توقيع العقوبة بشأنه، وأن هذه العقوبة هي عقوبة الإعدام، فإننا لا نقبل بأن يصار إلى هذه الطريقة الوحشية في إعدام هذا المقاتل (أو الأسير)”.

وحول الاستناد الى الحكم الشرعي الذي أعلنته “داعش” قال السيد الأمين: “بالنسبة الى الاستناد لقوله تعالى “فاعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم”، فإنّ الردّ على مثل هذا الاعتداء يكون بالقتل اذا اعتبر بنظرهم قاتلا وليس أسير حرب، لا بوسيلة الإحراق أبدا، ونستند في ذلك إلى قول مأثور عن الرسول(ص): “لا يعذّب بالنار إلاّ ربّ النار”. مع العلم أن هذه الظاهرة ذات الطابع العنفي المستنفر هي في تقديرنا أحد نتائج العنف والعنف المتبادل. فمثلاً إذا شاهد أحدنا طائرة تقصف بالبراميل المتفجّرة أحياء سكينة بحجة وجود معارضين أو خارجين عن سلطة الدولة، فإن مشاعرنا لا تكون أقلّ تأثراً واشمئزازاً من هذه الظاهرة التي تتحدث عنها وهي إحراق الطيار الأردني حيّاً، ولذلك فإننا نعتبر أن العنف يستولد العنف وأن معالجة هذه الظاهرة سياسية بامتياز، ولا تكون إلاّ في العمل العربي والدولي لمعالجة أسباب هذا العنف وجذوره دون أن نقلّل من ضرورة استنكاره وادانته من قبل الوجدان الإنساني والروح الدينية الصافية، التي هي جوهر الأديان جميعاً وديننا الإسلامي خصوصاً”.

وحول مسألة “الحدود الشرعيّة”، أي نظام العقوبات في الإسلام، ومعرفة مجال هذه الحدود ودائرة تطبيقها في عصرنا الحالي، شرح سماحته: “بالنسبة الى الحدود الشرعية عموما، فإن هذه الحدود ليست واجبة بذاتها، بل تخضع لمقاصد الشريعة الإسلامية، فالحدّ الشرعي ليس عمليّة انتقام انما هو صورة من صور الرّدع والتخويف الذي يهدف إلى سلام المجتمع. فلو أخذنا مثالاً على ذلك عقوبة الرّجم، رجم المحصن الزاني، فإن الهدف هو توقيع عقوبة الموت على هذه الجريمة التي كان يسود توقيعها في عصور سابقة، فيما الإعدام بواسطة إطلاق النار أو الرصاص يتضمن المقاصد نفسها للشريعة ولا يفترض التقيد بالوسيلة حرفياً. علماً أن إقامة الحدود بكلّ صورها وأشكالها تعود إلى السلطة الشرعية التي تمثّل الجماعة الإسلامية الملتزمة بشرعيّة السلطة الحاكمة. وهذه الشرعية ليست قائمة في عصرنا، وبالتالي فإن الشعوب الإسلامية الموجودة في الدول حاليا، يوجد بينها وبين السلطات عقد سياسي اجتماعي يلزم الطرفين باحترام القوانين الشرعية المتفق عليها بين السلطة والرعيّة. ولا يجوز لفئة محدودة أو واسعة من المسلمين أن تنصّب نفسها سلطة شرعيّة على جميع المسلمين أو على البعض منهم”.

وهنا أعلن السيّد محمد حسن الأمين إجتهاده في هذا المجال بوصفه فقيها يؤصّل لحكم شرعي يلائم العصر فقال:

“أضيف موقفا فقهيا شرعيا يقول به عدد كبير من علماء الطائفة الشيعية. وهو أن الحدود كلها معطّلة في غيبة الإمام المعصوم، وهذا يعني بصورة غير مباشرة أن المجتمع يجب أن يجترح عقوبات غير الحدود الشرعية، بهدف ضبط الانتظام الاجتماعي. ما يدفعني إلى الاجتهاد بان من حق المجتمع الإسلامي، وفي غيبة الإمام، أن يسنّ عقوبات رادعة تلائم العصر وتحقق الأهداف نفسها التي كانت تتوخاها عقوبات الحدّ الشرعي الذي تمّ تطبيقه في أزمنة سابقة كان الإمام موجودا خلالها، او وجد فيها من يدعي لنفسه مقام الإمام وبويع من قبل غالبيّة المسلمين على هذا المنصب”.