اياد ابوشقرا/المقاربة السياسية المغيبة في الحرب على داعش

254

 المقاربة السياسية المغيبة في الحرب على «داعش»
اياد ابوشقرا/الشرق الأوسط/06 شباط

أحدث جرائم «داعش»، ولا أتوقع أن تكون آخرها، بالكاد تضيف جديدا إلى جماعة تجمع في ذاتها أسوأ مظاهر توحّش حملات الفرنجة المرتدية زورا رداء الدين المسيحي، وتلذّذ العصابيين الساديين بأساليب القتل والتعذيب. فبعد وجبات الذبح الجماعي والفردي وتصويرها وبثها للعالم.. جاء دور الإعدام حرقا، ومَن يدري؛ فقد تتفتق أذهان القتلة عن أصناف أخرى مبتكرة من الإجرام المقزز!

«كرنفال» التوحش هذا يصرّ أصحابه على ربطه بالإسلام بالذات، مع العلم أن معظم الأديان مارست في مراحل ما من تاريخها العنف الدموي التكفيري قبل أن تتقبل الاختلاف. ولا حاجة لاسترجاع الحروب الدينية وفظائعها على امتداد العالم، أو الحروب المذهبية ضمن الدين الواحد. غير أن أنظار العالم، بفضل أرقى وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي اليوم تتركّز على الإسلام، بينما يقف المسلمون عاجزين عن بلوَرة منطق جديد يواجهون به المفترين على دينهم كل يوم.. باسم الإيمان الحصري به.

ولكن العجز لا يقتصر على المسلمين؛ إذ إن قيادات العالم تبدو وكأنها – كما سبق لي الإشارة غير مرة من هذا الركن – تفضل معالجة الأعراض السطحية على اكتشاف المسببات والتخلص منها.

الإعدام حرقا، كما فعل «الدواعش» بالطيار الأردني الشهيد معاذ الكساسبة، اعتاده الغرب لقرون لأسباب عديدة، منها الديني. وبين أشهر من أعدموا حرقا يان هوس أحد روّاد الحركة المسيحية البروتستانتية في وسط أوروبا (1415) والبطلة الفرنسية القومية – والقديسة الكاثوليكية – جان دارك (1431) والراهب الإيطالي سافونارولا (1498) وأسقف كانتربري توماس كرانمر (1556).

هذا كان الحال في الغرب قبل بناء دول عصرية تقوم على مؤسسات سلطة منفتحة واعية تحاسِب وتحاسَب، وطبعا، قبل «ثورة الاتصالات» التي يستغلها «داعش» وأمثاله اليوم بأبشع صورة. ومشكلتنا كمسلمين أننا عموما لم نفلح في بناء «دول عصرية».. مؤسساتها أكثر حداثة وتقدّما من تقدّم تقنيات مقترفي الجرائم بحق الإسلام.. باسم الإسلام.

لا جدال اليوم بأن العالم العربي مُستهدَف (بفتح الدال) ومُستضعَف (بفتح العين)، ووحده المكابر يقلل من شأن ظلم الاحتلال الإسرائيلي والتمدّد الاحتلالي الإيراني في المشرق العربي ودورهما في ارتفاع وتيرة التشدّد الديني والمذهبي على مستوى المنطقة. لكن لا يصحّ تصوير ظاهرتي الإرهاب والتشدد فقط كـ«مؤامرة» تستغل الواقع الإقليمي السيئ، بدليل وجود جماعات مثل «بوكو حرام» في نيجيريا، و«التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا» في مالي، تمارس النوع نفسه من الإرهاب والتشدد خارج هذا الحيز الإقليمي.

مع هذا فإن، المشرق العربي منطقة مرشحة للدخول في المجهول طالما ظلت استراتيجية مكافحة الإرهاب المعتمدة دوليا تغلّب المقاربة العسكرية «المحدودة» على المقاربة السياسية «الشاملة». ذلك أن أولويات الإدارة الأميركية الحالية في المشرق العربي للسنتين المقبلين المتبقيتين لرئاسة باراك أوباما باتت واضحة، فيها ثابت واحد هو التطبيع ثم التحالف مع إيران. وحتى «اللوبي الإسرائيلي» الذي كان يعتبر واشنطن «مربط فرسه» يجد نفسه الآن في وضع لم يعتد عليه منذ 1948. فلأول مرة منذ عقود بعيدة يجد هذا «اللوبي» منافسة على النفوذ في العاصمة الأميركية، وهو ما يدفع بعض أفراده إلى تصرفات نزقة لا تحظى بإجماع مناصري إسرائيل الأميركيين، مثل دعوة بنيامين نتنياهو للتكلم في الكونغرس.

هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة؛ فبينما تستفز جرائم «داعش» العالم لتلبية نداء واشنطن لمقاتلة هذا النوع من الإرهاب، نرى أن التغييب المتعمد للمقاربة السياسية يخدم مصلحة الإرهابيين، ويضعف حجة المعتدلين، ويزيد معاناة الأبرياء، ويسرّع تفتيت كيانات المنطقة. وفي هذه الأثناء، تستفيد إيران ميدانيا من دعم واشنطن في خلق واقع على الأرض في كل مكان أفلحت في فرض سيطرتها عليه، أي – حسب كلام قادتها – أربع دول عربية، هي العراق وسوريا ولبنان واليمن.

ليس سراً أنه عندما بدأ النظام السوري التعامل مع الانتفاضة الشعبية بالقمع المسلح كان لدى واشنطن متسع من الوقت لفرض منطقتي حظر طيران في شمال سوريا وجنوبها، وكانت الإمكانيات اللوجستية متوافرة. بيد أن إدارة أوباما تراجعت المرة تلو المرة عن اتخاذ موقف حازم. وبعدها، تشجّع النظام على التصعيد، وتراجعت وتيرة الانشقاقات من الجيش وجهاز الدولة، وسمحت إطالة الأزمة بدخول قوى التطرّف والإرهاب من خارج سوريا إلى الداخل لانتزاع زمام المبادرة. كذلك دخلت الميليشيات اللبنانية والعراقية للقتال تحت الإمرة الإيرانية حتى بات لإيران السيطرة الفعلية في مناطق سلطة النظام.

واليوم، في سياق التنافس الإيراني – الإسرائيلي على تولّي دور «شرطي المنطقة»، امتد مسرح العمليات اللبناني ليشمل هضبة الجولان. فالعملية الإسرائيلية في ريف محافظة القنيطرة السورية التي قتل فيها جنرال إيراني، ثم الرد عليها بعملية قاتلة في مزارع شبعا اللبنانية، كشفا ليس فقط مستوى التورط الإيراني المباشر في حرب هيمنة طهران على المشرق العربي، بل أيضا مستوى الرعاية الأميركية لما يبدو «توازن نفوذ» إقليميا بين طهران وتل أبيب.

ما حصل هو أن واشنطن فرضت «سقفا» للمناوشات الإيرانية – الإسرائيلية على جبهة الجولان – جنوب لبنان. وهي، كما يرى مطّلعون، تدعم الحوار السطحي الجاري في لبنان بين تيار «المستقبل» وحزب الله، والمهمة الدولية التي يواصلها ممثل الأمم المتحدة جمال بنعمر في اليمن، مع أن البلدين فعليا يرضخان لاحتلال عسكري إيراني عبر حزب الله والحوثيين.

هذا يعني أن هدف واشنطن الحقيقي مجرد تفاوض للخروج بتسويات صوَرية لا تعني في الجوهر شيئا ولا تغير شيئا من الواقع على الأرض، بل كل ما تفعله منح الاحتلال غطاء من الشرعية السياسية.

إن تراجع الاعتدال في الشارع السنّي ليس في مصلحة أحد في المشرق العربي، وبالأخص الأقليات غير السنّية وغير المسلمة، غير أن هذا بالضبط ما يؤدي إليه الإصرار على السير في هذا الاتجاه.

إن الخطوة الأولى لضرب «داعش» هي ردع الاستيطان الإسرائيلي والتوسع الإيراني، وأي خيار آخر نصيبه من النجاح شبه معدوم.