جيفري ولدبرغ/رئيس الوزراء الإسرائيلي أمامه مهمتان فشل في كلتيهما

298

رئيس الوزراء الإسرائيلي أمامه مهمتان فشل في كلتيهما!
جيفري ولدبرغ/السياسة
02 شباط/15

يعتقد بنيامين نتانياهو أن له وظيفة واحدة فقط, وهي منع إيران من الحصول على سلاح نووي. ولا بد أنه قد يجادل بأن هذا الوصف لمهمته كرئيس وزراء إسرائيل محدود جدا رغم أن هذه الحجة ليست ذات مصداقية. لكنه يقول باستمرار وأحيانا بشكل مقنع, إن وجود إسرائيل يعتمد على التصدي لإيران الدولة التي يحكمها نظام يسعى الى ابادة إسرائيل بأي وسيلة. إن خيارات نتانياهو محدودة. فدولة تمتلك المعرفة العلمية والموارد المادية والإرادة لعبور العتبة النووية من الصعب جدا إيقافها. الطريقة الوحيدة امام نتانياهو لإيقاف إيران, أو إبطاء تقدمها نحو القنبلة النووية سيكون من خلال شن هجوم وقائي على منشآتها النووية. لقد هدد بذلك (بكل مصداقية, وفقا لمسؤولين في إدارة الرئيس الاميركي باراك أوباما) لكنه لم يفعل بعد, ربما لأن التحذيرات الأميركية ضد مثل هذه الضربة كانت وخيمة. وربما لأنه يدرك أن مثل هذا الهجوم قد لا ينجح. أو ربما لأنه حذر بطبيعته رغم خطابه. أيا كان الأمر, فإن الطريقة الوحيدة الأخرى أمام نتانياهو لإيقاف إيران هي إقناع رئيس الولايات المتحدة, وزعيم الدولة التي تعتبر الحليف الأقرب لإسرائيل والأكثر أهمية من حيث التبرع والمساعدات, بمواجهة إيران بشكل حاسم. الضربة الإسرائيلية يمكن أن تحد من تقدم برنامج إيران النووي من الناحية النظرية, لكن فقط الولايات المتحدة لديها القدرات العسكرية اللازمة لتدمير البرنامج بشكل شبه تام.

ووحدها الولايات المتحدة لديها الوزن اللازم للتحكم بأنظمة العقوبات لكي تأتي بنتيجة دائمة. منذ سنوات يعمل نتانياهو والرئيس الأميركي باراك أوباما, رغم البغض المتبادل بينهما, جنبا إلى جنب في هذه المسألة. فقد جاب نتانياهو العالم من أجل فرض عقوبات صارمة, وفعل أوباما الى حد كبير الامر نفسه. في الواقع, يستخدم أوباما موقف نتانياهو المتشدد لمصلحة أميركا : في مناسبات عدة, مارس مسؤولون في ادارة أوباما دور الشرطي الجيد والشرطي السيئ حين قالوا لقادة العالم إن تشديد العقوبات على إيران من شأنه أن يكون السبيل الوحيد لمنع هجوم إسرائيلي, وهذه الحجة أثبتت فعاليتها في كثير من الأحيان. يعتقد أوباما, الذي قال إن إيران النووية تشكل تهديدا “كبيرا” للأمن القومي للولايات المتحدة, أن الضغط كان وسيلة للوصول الى النهاية, التي هي المفاوضات. ومن شأن التحييد التفاوضي للتهديد النووي الايراني أن يكون في مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط, كما قال, ومن شأنه ان يعمل بدأب على ردع نتانياهو من اتخاذ إجراءات متهورة ضد المنشآت النووية الإيرانية, حتى انه استخدم التهديد لمصلحته. لا يبدو أن نتانياهو يعتقد بأن المفاوضات ستؤدي إلى وضع حد للتهديد الإيراني. بل يعتقد أن أي تسوية يقبل بها المرشد الاعلى الايراني آية الله خامنئي, لن تكون بالضرورة, من وجهة النظر الإسرائيلية, ضعيفة بشكل ميؤوس منه. هناك سبب وجيه لكي نتعاطف مع هذه الحجة. هناك ما يبرر الشكوك حول النوايا الإيرانية, وكذلك الشك حول الحماسة التي يبديها الغرب لمثل هذا الاتفاق. ولكن هناك سبب وجيه لكي نتعاطف مع أوباما ومفاوضيه كذلك. فهم يعتقدون أن تسوية تفاوضية تبقي إيران خلال سنة أو أكثر بعيدة من العتبة النووية, وتنص على عمليات تفتيش مفاجئة للمنشآت الإيرانية, هي تسوية أبعد ما تكون عن الكمال, ولكنها أفضل بديل للمواجهة في نهاية المطاف.

وهكذا, فإن اللغز يحمل لنتانياهو وبلاده عواقب أكبر من تلك التي يمثلها لأوباما و بلاده بسبب حجم إسرائيل الصغير, وافتقارها النسبي للقوة وقربها الجغرافي من إيران. أمام هذا اللغز- رئيس اميركي يعتقد أنه على استعداد لابرام اتفاق معيب مع إيران – نجد نتانياهو أمام ثاني أسوأ خيار يمكن فعله. لم يهاجم إيران, وهذا حسن – فالهجوم الإسرائيلي يعد بكوارث – لكنه قرر أن يدمر علاقاته مع أوباما. من المؤكد أن إدارة أوباما لا تسهل الامور خصوصاً على نتانياهو. على سبيل المثال, في فترة أوباما الأولى, كان كبار المسؤولين في إدارته يدعمون بشكل شبه علني تسيبي ليفني لكي تحل محله كرئيس للوزراء. ولكن, لسوء حظ نتانياهو, فإنه يتعين على شريك الولايات المتحدة الأصغر إسرائيل الحفاظ على العلاقة بينهما. نتانياهو الذي صارع الخوف من أن أوباما سوف يكون متذبذبا حول إيران, حاول منذ زمن بعيد خلق حوار رصين ومستمر في محاولة لتشكيل تفكير الرئيس, وهذا أمر مهم للعمل مع أوباما حول القضايا التي تهم الولايات المتحدة (دفع عملية السلام بين اسرائيل والفلسطينيين, على سبيل المثال, عن طريق أخذ زمام المبادرة من أجل جعل الجانب الأميركي يفهم أن حكومته مهتمة في العطاء وليس فقط في الأخذ. الآن, اختار نتانياهو النهاية اليائسة – على ما يبدو – حول الرئيس وحاول التوجه مباشرة إلى الكونغرس لمعارضة قرار لم يتخذه أوباما بعد. ففي خطة مفتعلة من رون ديرمر, الذي يشغل منصب سفير نتانياهو إلى الولايات المتحدة, ورئيس مجلس النواب, جون بوينر, دعي نتانياهو الى إلقاء خطاب أمام الكونغرس حول مخاطر الصفقة النووية والحاجة لفرض عقوبات أكثر صرامة, من دون إبلاغ البيت الأبيض أولا. إن عيوب هذا النهج كثيرة. فبالفعل شعر مسؤولون في إدارة أوباما بعدم احترام نتانياهو لهم, وهذا انتهاك بروتوكولي قد يضعهم على حافة الهاوية. وهناك عيب آخر : إدارة أوباما تحاول خلق الظروف الملائمة بحيث إذا انهارت المفاوضات سيلقى اللوم على الإيرانيين, وليس على الأميركيين. وتشريع عقوبات جديدة, بل حتى تأخير العقوبات من شأنه أن يعطي الإيرانيين العذر اللازم لإنهاء المفاوضات, وإلقاء اللوم على الولايات المتحدة. مثل هذا الوضع لن يساعد أوباما في الحفاظ على نظام العقوبات الدولية القوية التي بقيت في مكانها خلال العام الماضي من المحادثات. (التشريع في الواقع الآن يبدو أيضا لا لزوم له, وإلا فإن الزعيم الإيراني لن يدرك أن فشل عملية المفاوضات من شأنه أن يؤدي إلى فرض مزيد من العقوبات). هناك ثغرة أكثر وضوحا : جون بوينر ليس القائد العام للقوات المسلحة, ولا يرسم السياسة الخارجية الأميركية. نتانياهو قد يجد أن نهج بوينر بالنسبة لإيران مرضيا, سياسيا وعاطفيا, أكثر من نهج أوباما, ولكن هذا لا يهم. نعم, يمكن أن يمرر الكونغرس عقوبات جديدة ضد إيران, وإنما السلطة التنفيذية التي تحرك السياسة الأميركية تجاه إيران سوف تكون بيد باراك أوباما الرئيس لمدة عامين آخرين, ما يعني ان لا معنى على الاطلاق ان يتفاخر زعيم إسرائيلي بالوقوف مع المعارضة السياسية الداخلية للرئيس الأميركي.

نتانياهو يعتقد ان له مهمة واحدة, ولكن أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي, في الواقع, مهمتين اثنتين رئيسيتين. الأولى حماية بلاده من تهديدات وجودية. والثانية: أن يعمل بجد للغاية للبقاء الى جانب الرئيس الأميركي وشعبه. النجاح في إنجاز المهمة الأولى يعتمد في بعض الأحيان على تحقيق المهمة الثانية. كانت إسرائيل, لعقود عدة, قضية الحزبين الجمهوري والديمقراطي في واشنطن. ودعم الحزبين تاريخيا جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي مسموعا في العاصمة الاميركية. بالاضافة الى حزم المساعدات السخية التي تتلقاها إسرائيل. وهذا يفسر أيضا التزام أميركا بالحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري النوعي. إن إدارة نتانياهو لعلاقته مع أوباما تهدد الدعم الأميركي لإسرائيل من خلال حزبيها. وذلك الاسلوب المستوحى من ديرمر, والمطبق من بوينر ينفر ثلاث دوائر انتخابية في غاية الأهمية. أولا, الإدارة نفسها : قطيعة نتانياهو مع البيت الأبيض وأوباما تبدو الآن دائمة. وسيكون من الصعب جدا على نتانياهو اقناع البيت الأبيض بسماع انتقاداته على أي اتفاق قد يتم التوصل اليه يوما ما مع إيران. رئيس الوزراء الاسرائيلي قد ينفر أيضا العديد من الديمقراطيين المنتخبين, بما في ذلك اليهود الديمقراطيين في الـ”كابيتول هيل”. فقد قال لي أحد الأعضاء اليهود في الكونغرس أنه شعر بالمهانة والغضب من حيلة نتانياهو وخطابه أمام الكونغرس “من وراء ظهر الرئيس” وقال لي مسؤول ديمقراطي غير يهودي مطلع الاسبوع الماضي إن الضرر الذي يلحقه نتانياهو بعلاقة إسرائيل مع الولايات المتحدة قد “لا يمكن إصلاحه”. المجموعة الأكبر التي يخاطر نتانياهو بتنفيرها هي اليهود الأميركيون, أو على الأقل الأغلبية القوية من اليهود الأميركيين الذي صوتوا لأوباما مرتين. إن قرار رئيس الوزراء الاسرائيلي بتحريض حزب سياسي أميركي ضد حزب سياسي أميركي آخر يضع أنصار إسرائيل من اليهود الأميركيين في وضع فوضوي غير مريح وليس في مصلحة إسرائيل وضع اليهود الأميركيين في موقف يجب عليهم أن يختاروا من خلاله بين رئيسهم وبين زعيم دولة يهودية سلوكه جعله لا يطاق. لماذا لا يفهم نتانياهو أن تنفير الديمقراطيين ليس في مصلحة بلاده ؟ أستطيع أن اقول انه يشك في أن يشكل الديمقراطيون دائرة انتخابية طبيعية لإسرائيل, و يعتقد بوضوح أن أوباما هو العدو الحقيقي. وكما ذكرت في مقالة لي العام الماضي, فان نتانياهو قال لبعض الناس انه “شطب” أوباما.

في ذلك الوقت, اكتشفت من غير الواقعي بعض الشيء أن يفكر رئيس الوزراء الإسرائيلي مجرد تفكير ب “شطب” رئيس أميركي (رغم أنني لم أتوقع أن يلجأ نتانياهو بقضيته مباشرة إلى الكونغرس). ما زلت لا أفهم طريقة تفكير نتانياهو. فلا يهم ما إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يجد رئيسا أميركيا مقبولا أم لا.

لا يمكن شطب رئيس يجلس في مكتبه من حليف صغير تابع له من دون عواقب وخيمة. كما سلفه رون ديرمر في واشنطن قال مايكل أورن, في رده على حركة نتانياهو الاخيرة : ” من المستحسن إلغاء خطاب رئيس الوزراء أمام الكونغرس حتى لا يتسبب في خلاف مع الحكومة الأميركية, فهناك حاجة لمزيد من المسؤولية والسلوك السياسي المعقول للحفاظ على مصالحه في البيت الأبيض “. مايكل أورن, الذي عينه نتانياهو سفيرا, يشغل حالياً في الكنيست خط طرف آخر. عندما كان في واشنطن, قال انه قلق بشأن حالة دعم إسرائيل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي أكثر من أي قضية أخرى تقريبا. وانتقد رئيس الوزراء الاسرائيلي, ولو بشكل غير مباشر, على مخاطرته بعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة : ” اليوم, أكثر من أي وقت مضى يتضح أن العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة هي أساس أي نهج اقتصادي وأمني وديبلوماسي. ومن مسؤوليتنا تعزيز تلك العلاقات على الفور “. هناك نفاق في مناقشة أسلوب نتانياهو- بوينر. فليس أمرا غير مسبوق بالنسبة الى قادة الدول الأجنبية أن يضغطوا على الكونغرس مباشرة. الدول العربية التي تعارض إيران تفعل ذلك في كل وقت, ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ضغط على الكونغرس في وقت سابق من هذا الشهر بالنسبة الى سياسة أوباما بشأن إيران وضد حجج الجمهوريين. ولكن طريقة نتانياهو وتنفيذه الشامل لحيلته الأخيرة تشير إلى أنه وسفيره الحالي لا يفهمان كيفية إدارة العلاقات الإسرائيلية في واشنطن. نتانياهو يريد أن يؤدي دورا في تشكيل الاتفاق النووي الإيراني, لا بد للمرء أن يتحقق من ذلك. فتصرفاته الأخيرة تشير إلى أنه لا يعرف تماما ما يفعل. * مراسل لمجلة “أتلنتك” وحائز على جائزة “ناشيونال ماغازين” للصحافة