أكرم البني/الإرهاب الجهادي ونظرية المؤامرة

224

الإرهاب الجهادي ونظرية المؤامرة…
أكرم البني/الحياة/25 كانون الثاني/15

على رغم كشف هوية منفذي الهجمات الإرهابية في فرنسا ووضوح ارتباطهم بالجماعات الجهادية في اليمن والشام، ثمة من لا يزال ينكر هذه الحقيقة ويعتبر ما جرى مؤامرة مدبرة مسبقاً للنيل من الاسلام والمسلمين:

– مرة باتهام السلطات الفرنسية ذاتها بأنها من افتعل هذه الاعتداءات لتعزيز حضورها في التحالف العسكري ضد تنظيم داعش ولاتخاذ اجراءات تشدد الحصار على الوجود الاسلامي في البلاد وعلى الشبكات الجهادية المتطرفة وكوادرها العائدة من سورية والعراق، بدليل السرعة القياسية في معرفة الجناة، والاستقواء بالحشود المليونية لتمرير توافقات أمنية تغلق بعض الثغرات التي تسهل تواصل الجهاديين وحرية تنقلهم بين البلدان الأوروبية.

– ومرة ثانية، اتهام إسرائيل بالوقوف وراء الحدث لتغطية جرائمها وتشويه النجاح الدبلوماسي الفلسطيني، وللرد على تصويت فرنسا في مجلس الأمن لمصلحة الدولة الفلسطينية، ويعتقد متهمو تل أبيب بأن واشنطن كانت ترصد تحركات هؤلاء الإرهابيين، ولكنها لم تحذر باريس كي ينفذ العقاب الاسرائيلي، وبأن مقتل أربعة يهود في عملية احتجاز الرهائن محاولة للتضليل والتمويه.

– ومرة ثالثة، اتهام نظامي سورية وإيران، ليس لأن لهما باعاً طويلة في العلاقة مع قوى التطرف، بل بصفتهما أكثر الأطراف استفادة من هذه الاعتداءات، إن لجهة صرف النظر عن عنفهما المفرط وعن أوضاعهما المأزومة، وإن لجهة إثارة مخاوف العالم من إرهاب إسلاموي قادم وتأليب المزيد من المواقف الغربية ضده، في رهان على تخفيف عزلتهما والحصار المطبق عليهما.

يصح القول إن نظرية المؤامرة لا تزال تسيطر على عقول وقلوب الكثيرين الذين تشربوها منذ نعومة أظفارهم، لكن الارهاب الجهادي يحفز عادة حضورها لأسباب عدة، منها غموض عملياته وسهولة اختراق أدواته ما يثير الريبة والشكوك بارتباطاته وأهدافه، ومنها المروحة الواسعة من المستفيدين من ضرباته ممن يجمعون على استرخاص أرواح المدنيين الأبرياء لتكريس الخوف والرعب وتثبيت سياساتهم ومصالحهم، ومنها توظيف نظرية المؤامرة من قبل الاسلام السياسي المعتدل لتفنيد ما يثار عن التلازم بين الاسلام والإرهاب، ولإقناع الآخرين بأن بيته الديني نظيف تماماً من الأفكار الاقصائية، ولا تحجب هذا الهدف المريب، إداناته الشكلية للإرهاب مهما تشددت لفظاً أو تكرار القول إن الاسلام برئ مما يجري وأنه دين وئام ورحمة، حيث لا مصلحة للإسلام السياسي اليوم في إثارة جدل واسع حول دور الدين في السياسة وحول إخفاق بعض جماعاته في بناء الحكم الرشيد بعد أن منحها الربيع العربي فرصة ثمينة، أو حول اتهامه بأنه حاضنة موضوعية للتطرف والإرهاب، والأهم حول جدوى الرهان عليه كحل لرفع الظلم والتمييز عن المسلمين أمام تقدم أفكار تجد جدوى ذلك في تصدر المسلمين الصفوف الأولى للدفاع عن شعار الدين لله والوطن للجميع، وعن برامج تبعد الاسلام عن دنس السياسة وتسعى الى ضمان حقوق الناس على قاعدة مجتمع المواطنة.

والحال، أن الترويج لنظرية المؤامرة محاولة لحرف الوقائع وطمس الأسباب الذاتية التي شجعت انتشار الفكر المتطرف وأضرمت النار في هشيم الإرهاب وساهمت في دعمه، كفساد الأنظمة واستبدادها وعنفها، ثم الأوضاع التنموية المزرية التي خلفت جموعاً غفيرة يكويها الفقر والتخلف، فضلاً عن ارتفاع حمى الصراع المذهبي البغيض واستمرار ظلم المسلمين في فلسطين وغير بلد عربي، والأهم غياب خطاب صحي ينأى بالدين عن مستنقع السياسة ويعلي قيمه السامية.

والقصد أن هذه الأسباب مهدت الطريق لتبلور جماعات مارست وتمارس الإرهاب باسم الإسلام، وهي ما ينبغي تركيز الضوء عليها والعمل لتغييرها، بغض النظر عن قدرة السلطات والأجهزة الأمنية على اختراق هذه الجماعات وتوظيفها.

فلماذا نخشى الاعتراف بأن الإرهاب استوطن أرضنا العربية والإسلامية وصارت له اجندة خاصة يسعى الى تنفيذها بغض النظر عن رعاته وداعميه، وبأن مسؤوليتنا باتت التحرر من اوهام وجود قوى غير مرئية تتآمر علينا، ونفض اليد من التوظيف السياسي للإرهاب بتصوير كل عدو كصانع له؟ ألم يعتبر بن لادن صنيعة أميركا في أفغانستان ثم انقلب عليها، أولم يظهر العديد من المعلومات حول علاقة بعض الجهاديين بالنظامين السوري والإيراني، قبل أن ينقلبوا ويقاتلوا في صفوف «داعش»؟ ثم أي معنى لشجب حوادث الإرهاب الاسلاموي وإدانتها إن لم تترافق بالسعي الجدي لنزع صاعق التفجير الديني بفصل الدين عن السياسة وبناء رؤية للإسلام تتناغم مع متغيرات العصر؟ وبالتالي كيف يمكن أن نتفاعل مع الحضارة العالمية ومختلف الثقافات إذا لم ندرك بأن الخلافات والإساءات التي يخلقها التنوع الديني تعالج عبر سيادة القانون لا عبر لغة القوة والقتل؟ وإذا لم نحارب ذلك الارتياح الدفين لما يحصل من أذى وتنكيل بالمدنيين من أديان ومذاهب أخرى تفضيلاً للإسلام ودفاعاً عن رسوله الكريم؟ وإذا لم نرفض تلك الانتكاسة التي حصلت لردود الأفعال المناهضة للإرهاب بعودة تبرير العنف والقتل حين قررت الصحيفة الفرنسية نفسها نشر رسوم تسيء للإسلام؟!.

فيما مضى وبعد تفجيرات أيلول (سبتمبر) 2001 شكك الكثيرون بأن يكون تنظيم القاعدة وراء الحدث، وغمزوا من قناة مسؤولية السلطات الأميركية في تدبير تلك المؤامرة الرهيبة لتبرير حربيها على أفغانستان والعراق ومد ذراعها العسكرية طويلاً، وعلى رغم إعلان بن لادن مسؤوليته عنها وانتماء كل الانتحاريين إلى «القاعدة»، لا تزال تأسر بعض النخب السياسية والثقافية فكرة المؤامرة وتستقوي بكتاب «الخدعة الرهيبة» لتيري ميسان الذي حاول إثبات دور واشنطن في تفجير مقر البنتاغون وبرجي تجارتها. واليوم، بعد الاعتداءات التي جرت في فرنسا، يبدو أن ثمة من يريد الاستمرار في العزف على الوتر نفسه، كأنه يريد بمجتمعاتنا أن تسير بأقدامها نحو تحقيق نبوءة صموئيل هنتنغتون، وأن تخوض صراع حضارات يخرج أبشع ما فيها ويفقدها عمق قيمها الاخلاقية والإنسانية.