الياس الزغبي/رهانٌ على القدَر بعد الرهان على الحرب

271

رهانٌ على القدَر بعد الرهان على الحرب
الياس الزغبي/لبنان الآن

24 كانون الثاني/15

لم تستطع إيران قلب الموازين في العالم العربي، تحت عباءة ثوراته، والتي كانت أولى المراهنين عليها في المرحلة الأُولى لانطلاقتها، ظنّاً منها أنّ هذه الثورات هي البنت الشرعيّة لـ”ثورة الخميني” التي سعت عبثاً إلى تصدير نفسها على مدى 36 عاماً.

في الواقع، نجحت إيران في اختراق دول عربيّة محوريّة كالعراق وسوريّا ولبنان واليمن عسكريّاً وسياسيّاً، وأقلقت راحة دول أخرى مثل البحرين والكويت والسودان ومصر، مستفيدةً من الأخطاء الاستراتيجيّة للغرب، وتحديداً الولايات المتّحدة الأميركيّة (ولعلّ بعض هذه الأخطاء كان مقصوداً من واشنطن ضمن اللعبة الكبرى للأُمم، ومنها الآن شؤون الملفّ النووي وشجونه).

لكنّ طهران، وبرغم كلّ الظروف المؤاتية التي ساعدتها على تحقيق هذه الخروق الواسعة، ومنها بالتحديد الظرف الإسرائيلي على قاعدة “العداء الحميم” بينها وبين تل أبيب، اصطدمت بقرار عربي تصدّرته المملكة العربيّة السعوديّة بقيادة العاهل الراحل.

لا شكّ في أنّ عبدالله بن عبد العزيز شكّل عقبةُ كأداء في وجه المشروع الإيراني الكبير، وحاضنةً دافئة لوحدة عربيّة تبدأ بمجلس التعاون الخليجي وتمتدّ إلى مصر والدول الأربع المعانية من النفوذ الايراني المباشر، وصولا إلى بعض دول المغرب العربي.

ولعلّ لبنان هو النموذج الحيّ لهذا السدّ القوي في وجه طموح طهران، إذ لم تستطع قلب الميزان العسكري والسياسي لمصلحة ذراعها الأقوى “حزب الله” كما تفعل الآن في اليمن، برغم كلّ أنواع الدعم الاستثنائي بالسلاح والمال والغطاء السياسي الشامل.

ففي حين يكاد “7 أيّار” اليمني يحقّق نجاحه (ولو غير الثابت والدائم)، لم يستطع “7 أيّار” اللبناني الثبات بين عشيّة وضحاها، ولم يستطع انقلاب “القمصان السود” الاستقرار وتغيير الموازين، فكانت الحكومة الراهنة التي لا تملك فيها إيران أرجحيّة، وكان “الحوار” الاضطراري الذي رضخ له “حزب الله” كستار دخاني لتمويه حالات التراجع والارتباك.

في الحساب الإيراني الآن أنّ رحيل الملك عبدالله سيُزيل السدّ العربي من أمام المشروع. وهو رهان على تمنيّات ورغبات أكثر منه على معطيات ووقائع. فلا شيء يدلّ إلى تهاون أو تغاضي في العهد الجديد، وليس خافياً أنّ المثلّث الملكي الجديد سلمان – مقرن – محمّد بن نايف يملك الرؤية نفسها والموقف نفسه من المشروع الإيراني، بل ربّما أكثر تشدّداً قوميّاً وصلابة عربيّة.

قد تكون طهران ودمشق والضاحية وأتباعها بالجملة والمفرّق في حاجة إلى نفخ شيء من الأمل في جسم “الممانعة” بعد انتكاستها الخطيرة في القنيطرة، وارتباكها في الردّ والوفاء بالوعود “المجدّدة”، فوجدت في انتقال العرش السعودي ما تُلهي به الموعودين بالردّ الذي “لا يخطر على بال إسرائيل”، بما هو أبعد من الجليل و”فاتح 110” القديم الطراز!

في البراغماتيّة الإيرانيّة المعهودة، شيءٌ من عَلْك الصوف وحبك السجّاد. والواضح أنّ صوفاً كثيراً سيعلكون، والمشكلة ستكون أكبر عند “حزب الله” الذي لم يَعُد يستطيع علك المزيد من الوعود والمخمّس المردود عن “المكان والزمان المناسبَيْن”.

وما نقرأه ونسمعه عن تحقيق المشروع الإيراني نجاحات جديدة، على أساس تطورات حرب اليمن، يغفل عن حقيقة اليمن ذاته، في تاريخ رماله المتحرّكة.

أمّا الحروب الأُخرى بين العراق وسوريّا ولبنان، فكثيرة الانزلاقات والمطبّات والأفخاخ والمفاجآت، وأخيرها وليس آخرها مطبّ القنيطرة الذي فرض على ممثّل “حزب الله” في مجلس الوزراء اللبناني الحديث عن “الحكمة”، وهي الحكمة اللازمة والضروريّة والملحّة، تفادياً للوقوع مرّة أُخرى في عبارة “لو كنتُ أعلم”!

لا الرهانات على حروب “القوس” صحّت سابقاً، ولا الرهانات على الأقدار والأَعمار تصحّ الآن.