في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الكاتب والسياسي والوزير سجعان قزي، لقاء “في البال يا سجعان” في الجامعة اليسوعية وشهادات لمروان حمادة وبطرس حرب ورشيد درباس وهنري زغيب

72

في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الكاتب والسياسي والوزير سجعان قزي، لقاء “في البال يا سجعان” في الجامعة اليسوعية وشهادات لمروان حمادة وبطرس حرب ورشيد درباس وهنري زغيب
وطنية/11 أيار/2024
أقامت أسرة السياسي والوزيرالراحل سجعان قزي وكلية الآداب والعلوم الانسانية في جامعة القديس يوسف، لقاء بعنوان “في البال يا سجعان”، في قاعة أبو خاطر في الكلية – طريق الشام، وتخللت الافتتاح كلمات لكل من: عميدة الكلية البروفسورة ميرنا غناجة وشهادات من الوزراء السابقين: بطرس حرب، مروان حمادة ورشيد درباس، الشاعر هنري زغيب، ومقطوعات مصورة للراحل، وأدار اللقاء وقدّم المشاركين الاعلامي جورج غانم.
حضر اللقاء الرئيس السابق ميشال سليمان، الرئيس تمام سلام وعقيلته لمى، المطران بولس مطر ممثلا البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، السيدة منى الياس الهراوي، السيدة سولانج بشير الجميل، النواب أشرف ريفي، نديم الجميل، فريد الخازن، أكرم شهيب، سليم الصايغ، نعمة افرام، غياث يزبك، زياد الحواط، فريد البستاني، شوقي الدكاش، الوزراء السابقون مي الشدياق، جمال الجراح ونقولا نحاس، نقيب المحررين الاستاذ جوزيف القصيفي، مدير المكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية رفيق شلالا، رئيس الجامعة اليسوعية الاب البروفسور سليم دكاش، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد، يمنى بشير الجميل، روجيه نسناس وحشد من الشخصيات السياسية والثقافية والاعلامية والاجتماعية.
استهلالا بالنشيد الوطني، بعده ألقى الاعلامي جورج غانم كلمة شدد فيها على اهمية المناسبة، وأهمية شخصية السياسي والوزير الراحل سجعان قزي ونضاله الكبير من اجل لبنان. ثم تم عرض فيديو مصور للراحل قزي فيه مواقف سياسية ووطنية.
غناجة
وألقت عميدة كلية الاداب والعلوم الانسانية في الجامعة اليسوعية البروفسور ميرنا غناجة كلمة قالت فيها: “يشرّفُني أن أستقبلَكم اليوم في كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بمناسبة الذّكرى الأولى لرحيل رجل استثنائيّ، سجعان قزّي، رجل الكلمة الأنيقة والفكر العميق، رجل الحوار واللّياقة. إنّه سجعان قزّي الأب، الإعلاميّ، الكاتب، الوزير. صفات جمّة تجتمع في رجل واحد. لقد تولّى رئاسة قسم الأخبار في إذاعة “صوت لبنان” سنة 1975، قبل أن يؤسّس سنة 1978 إذاعة “لبنان الحرّ” ويستلم إدارتها حتّى سنة 1986. إنخرط شابًّا في حزب الكتائب اللّبنانيّة وأصبح نائبًا لرئيس الحزب، ومستشارًا سياسيًّا للرّئيس الشّهيد بشير الجميّل، وللرّئيس الشّيخ أمين الجميّل. تماهى في عملِه بين الإعلامِ والسّياسة، إذ لم يفصلْ بينهما لجهةِ الدّفاع عنِ الدّيموقراطيّةِ وحقوقِ الإنسانِ والحرّيّات. هكذا كان صحافيًّا في العديدِ من المؤسّساتِ الإعلاميّةِ ووزيرًا للعملِ في حكومة الرّئيس تمام صائب سلام خلال عهد الرّئيس ميشال سليمان”.
أضافت: “إنّ هذه الذّكرى، وإن كانت أليمة جدًّا لأسرتِه ولمحبّيه، إلّا أنّها تؤكّد على أنّ كلماتِهِ لا تزالُ حيّة تنبضُ في قلبِ كلّ واحد منّا. هو الّذي ترك لنا مراجعَ مهمّةً في مجالاتٍ مختلفةٍ كالسّياسة والتّاريخ والشّؤون الاستراتيجيّة، وذلك من خلال كتبه ودراساتِه وافتتاحيّاتِه في جريدة النّهار، فضلًا عن عشراتِ المحاضرات في الجامعات والمنتديات الفكريّة والاجتماعيّة في لبنان وأوروبا وأميركا. سجعان قزي وقف دائمًا حيث يجب. ونحن، في كليّتنا، نعمنا بعمق تفكيره وتأثّرنا بشخصيّته المتألّقة علمًا وشجاعةً وجهوزيّةً للخدمة والعطاء من دون مقابل. شخصيّة راقية تجسّدها أقوال تركت أثرًا عميقًا في نفوسنا، نذكر منها ” الحياة لمن رام المجد وما مجد لا يكلّله التّواضع. تواضع المجد هو انتصار النّبل على خيلاء الغرور”.
وتابعت: “ما زلنا نسمع صوتَه، صوتَ الحرّيّةِ والاعتدال، وهو يخاطب طلّابَنا موجّهًا لهم رسالةً تكرِّسُ الحرّيّة الّتي اعتبرها دومًا مقدّسة، وبأنّه لا يمكن لأيٍّ كان أن ينتزعَها من شخص الإنسان مهما حكمت الظّروف. لن ينسى الشّباب اللّبنانيّ نضالَه من أجلِ سيادة لبنان في فترة يمرّ فيها البلد في أخطر أزمة وجوديّة كيانيّة تهدّده بالاندثار والزّوال. لن ينسوا أنّه قاتل دفاعًا عن قناعاتِه ومواقفه بإيمانٍ وثبات، هو الّذي أصيب مرّات عدّة في الحرب. وحينما سئل عن إصابته خلال لقاء تلفزيونيّ معه ضمن برنامج ”حديث البلد“، رفض التّحدّث عنها قائلًا ”نحن هنا لنتكلم على إصابات البلد وليس على إصابات الأشخاص“ . لن ينسوا إيمانه بوطنه، وكيف حمل قضايا هذا الوطن في فكره وقلمه، هو القائل ”إنّ الدولةَ أهمُّ من الوطن والأمّة. الوطنُ قصيدةٌ والأمّةُ أغنيةٌ، أمّا الدولةُ فدستورٌ وقانونٌ ومساواة وعملٌ وازدهارٌ وعلمٌ ومؤسّسات وأمنٌ وسلام”. تصوّرتُه اليوم موجودًا معنا، نحن الّذين نحتفل به معه وفي حضوره. كالمعتاد، قد قاد بنفسه سيّارتَهُ، من دون مرافق، ليحضرَ هذا اللّقاء، وها هو عند وصوله يفرح بلقاء أصدقائه؛ رفاق النّضال ويتحدّث معهم برقيّ وأسلوب شيّق. وفجأة، خلال النّقاش يتحوّل صوت الاعتدال إلى صرخة ¨ »لا تخضعوا ولا تجاملوا ولا تسايروا ولا تتنازلوا “ ”هناك مجدُ التّحريرِ والحرّيّةِ ومجدُ الأعمال الخالدة الفكريّة والعلميّة ومجدُ الكرامةِ والقيمِ ومجدُ الإحساسِ بالنّعمةِ والحبور والسّلام مع الذّات. هناك مجدُ الانتماءِ إلى دولة القانون والجبين العالي ومجدُ الانتسابِ إلى التّقاليد والتّراث ومجدُ الشعورِ القوميّ الرّحيب، هكذا يرتفع الفرد وتسمو الشّعوب وترتقي الأمم”.
وختمت: “سجعان قزّي، الحاضر أبدًا… كيف لنا أن ننسى من أدركنا معه أن الكتابةَ الحرّةَ المنفتحةَ إنّما هي رمزٌ لكرامة الحياة الإنسانيّة. كيف لنا أن ننساك، نحن الّذين أدركنا معك، يومًا بعد يوم، لقاءً بعد لقاء، أنّه في البدء كانت الكلمة وستبقى”.
حرب
ثم ألقى الوزير السابق بطرس حرب كلمة قال فيها: “لست هنا اليوم لتلبية لواجب إجتماعي، بل بداعي المحبة والاحترام لشخص عرفت وزاملت وأحببت ورافقت في النضال في سبيل القيم والمبادئ الوطنيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة المشتركة، وللتأكيد على الرابطة الإنسانيّة التي جمعتنا والتي تجاوزت الزمالة الوزاريّة والمبادئ السياسيّة، وأصبحت صداقة شخصيّة وعائليّة مبنيّة على المحبّة والثقة والاحترام. لقد عرفته في البداية إعلاميّاً بارزاً نشطاً مبدعاً مؤسّساً لإذاعة صوت لبنان الحر بقصد إسماع صوت الأحرار عالياً، وكتائبيّاً قياديّاً ملتزماً منفتحاً ومعتدلاً، ومستشاراً سياسيّاً وإعلاميّاً للرئيس الشهيد بشير الجميل”.
أضاف: “تعرّفت شخصيّاً إليه في السبعينات، بحكم سكننا المشترك في بناء واحد، وعلى الرغم من اعتناقنا المبادئ الوطنيّة عينها، وتمسّكنا بسيادة لبنان، ومواجهتنا، كلّ من موقعه، التمدّد الفلسطيني والاحتلال السوري الذي لحقه، افترقت دربنا حول الأسلوب، إذ، في الوقت الذي قرّرت الجبهة اللبنانيّة وحزب الكتائب اللجوء إلى الشيطان لحماية لبنان وردّ الأخطار عنه عامة، وعن المسيحييّن خاصة، كنت رافضاً لهذا الخيار وداعياً إلى غيره، لاقتناعي بأن إسرائيل ليست كاريتاس، وأنّها ستفرض علينا، بالمقابل، أثماناً باهظة لا نستطيع ولا يجوز أن ندفعها، وليقيني أنّ العدو الإسرائيلي سيمدّنا بالسلاح لنتقاتل وندمّر صيغة لبنان التعدّدية، التي تناقض أساس قيام الكيان الصهيوني على العنصريّة، وأنّه حتماً سيطلب منّا توقيع اتفاق سلام معه، وأنّه سيبيعنا ويذبحنا عندما تصطدم مصلحته مع مصلحة لبنان ، وهو ما حصل وأدّى إلى اغتيال بشير الجميل عندما رفض إملاءاته، وإلى إشعال الفتنة بين المسيحييّن وإخواننا الدروز في الجبل عندما رفض الرئيس الجميّل الإذعان لشروطه للإنسحاب. وأذكر، أنّني في معرض استعلامي عن مصير الرئيس بشير الجميل، عندما حصل تفجير بيت الكتائب في الأشرفيه، وقبل أن يتأكّد خبر استشهاده، قصدت المجلس الحربي، وكان خبر استشهاده قد تأكّد، فوجدت الجميع في حالة صدمة، وانهيار ولم أجد إلاّ سجعان قزي، أقرب المقرّبين إليه، محافظاً على رباطة جأشه وضابطاً لردة فعله العاطفيّة، داعياً إلى التعامل بمسؤوليّة وواقعيّة مع الكارثة، وإلى استشراف مرحلة ما بعد الاغتيال، فأكبرت فيه هدوءه ووعيه وحكمته وعمق التزامه بالقضية الوطنيّة، رغم الحدث الجلل الذي أصابه شخصيّاً بسقوط صديقه”.
وتابع: “بعد انتقالي من منزلي في حارة صخر إلى الحازميه، لم تنقطع علاقتي بسجعان، بل استمرّت وتوطّدت، وتطوّرت يوم قُدّر لنا أن نصبح زملاء في حكومة الرئيس تمام سلام، التي تحوّلت، بعد فراغ موقع الرئاسة، من حكومة موقّتة تُجري الانتخابات النيابيّة وتشرف على الانتخابات الرئاسيّة، إلى صمّام أمان لإنقاذ لبنان ووحدته ومؤسسّاته وتفادي تحلّل الدولة وسقوطها ، ما ألقى على عاتقنا مسؤوليّة تاريخيّة فاقت، بأبعاد، المهمة التي أوكلت إليها عند تشكيلها، إذ كُتب لنا أن نواجه الأعاصير والعواصف والمؤامرات وفرق الهدم المجرمة، التي كانت تعمل لتحقيق مصالحها الشخصيّة وطموحاتها الرئاسيّة، حتى لو كانت على حساب لبنان ونظامه وسيادته وعلى حساب اللبنانييّن وكرامتهم وحرّيتهم. يومها وجدنا أنفسنا ، كوزراء، أمام تحدٍّ كبير وخطير، وأمام مهمّة شبه مستحيلة، إذ كنّا نواجه كلّ يوم الخساسة والحقد والانحطاط الأخلاقي والتعطيل والشتائم والاتهامات. يومها، سجعان ورشيد وأنا، وغيرنا من الوزراء السيادييّن، وعلى رأسنا الرئيس سلام، قرّرنا مواجهة المؤامرة وتحمّل مسؤوليّاتنا رغم صعوبة العمل، أو التفاهم، مع المتآمرين على لبنان، ومهما كان الثمن، الذي علينا دفعه، غالياً، ورغم المعاناة اليوميّة في التصدّي لأسفل الممارسات أخلاقيّاً ووطنيّاً، التي اعتمدها وزراء استباحوا كلّ المحرّمات مسقطين مستوى التعاطي السياسي إلى أسفل الدركات، وكظمنا غيظنا وغضبنا خوفاً من الذهاب في ردّة فعلنا إلى ما لا تحمد عقباه، أي الاستقالة من الحكومة، مواجهين الممارسات المخجلة التي كان فريق الهدم يقوم بها لإسقاط الحكومة ليعمّ الفراغ، أو لإخراجنا منها ليصبح الحاكم الناهي والقادر على تنفيذ مؤامراته”.
وقال: “لقد كبتنا عواطفنا وتعالينا على مشاعر الاشمئزاز والقرف التي كنّا نعيشها، وعضّينا على جراحنا لئلاّ نفرّغ الساحة لشذّاذ الآفاق، الذين لا وطن لهم بل مصالح تسيّرهم، وصمّمنا على حماية حكومة الإنقاذ على علاّتها، ومنع سقوط الدولة بتفريغ مؤسسّاتها الدستوريّة. وإذا كنت أتمسّك في هذه الذكرى العزيزة على قلوبنا بالتطرّق إلى ذلك، فلأنّني كنت، وزملائي السياديّون، على بيّنة من المخاطر التي سيتعرّض لها الكيان والوطن والدولة لو زلّت بنا القدم واستقلنا وفشّينا خلقنا برفض التعامل مع المتآمرين الذين دأبوا على محاولة تعطيل قراراتنا وعلى محاولات إهانتنا والمسّ بكرامتنا وقيمنا. بسبب ذلك، واجه سجعان أصعب القرارات في حياته السياسيّة، يوم قرّر الحزب، الذي رشّحه لدخول الحكومة، استقالة وزرائه بسبب رفضه لتوجّه الحكومة في ملفّ النفايات. يومها استقال الوزير ألن حكيم، وواجه سجعان، الحزبي العريق والمناضل الكبير، والزميل العزيز رمزي جريج، صديق الحزب، طلب الاستقالة بموقف متميّز رافض للإستقالة وتعريض الحكومة للسقوط، أو لاختلال توازنها السياسي، فقرّر الصمود والبقاء في المواجهة الوطنيّة، ليس تعلّقاً بمقعد وزاري مزروع بالشوك يؤلم الجالس فيه، ولا طلباً لجاهٍ، وقد حصل عليه، بل لمتابعة نضاله وتضحياته وتحمّل مسؤولياته في مواجهة مخطط تدمير الدولة. معتبراً أنّ استجابة طلب الحزب سيحوّل كلّ لبنان ومؤسسّاته وسلطاته إلى مكبّ للنفايات. فسجعان لم يكن من التابعين العميان دون اقتناع، كما لم يكن من المتمرّدين على الحزب الذي نشأ في كنفه وناضل من أجل مبادئه، بل كان، وبقي طيلة حياته، حرّاً لا يتّخذ موقفاً إذا لم يكن مقتنعاً بصوابيته، وذلك على الرغم من انتمائه الحزبي الراسخ. وإنّني، في ما أقول، لست في معرض إدانة موقف حزب سجعان، ولا في معرض الدفاع عن موقف سجعان بعدم التزامه بقرار حزبه، بل في معرض تفسير موقف الراحل، الذي استدعى أعلى درجات الشجاعة والوطنيّة، فالتزم، بضميره الوطني واقتناعه بصوابيّة موقفه لحماية لبنان، ما يُعتبر، بنظري، قمّة التضحية والعطاء”.
أضاف: “نعم، لقد مررنا، خلال تولّينا الحكم، في أصعب وأخطر وأدقّ الظروف، وواجهنا الابتزاز والتهويل والمخاطر وانعدام الأخلاق، وكان لكلّ منا ردود فعله النابعة من طبيعته ومزاجه وثقافته الاجتماعيّة. فكنت ممّن كانوا يثورون ويغضبون ويجابهون بحدّة أحياناً، لرفضي تدنّي مستوى بعض صغار النفوس الذين أوصلتهم الظروف والصفقات إلى مراكز المسؤوليّة، ورفضي لمحاولات نصبهم الكمائن تحقيقاً لمصالحهم وأهدافهم، ومنّا من كان قادراً على ضبط ردود فعله بالابتسامة والنكتة الحلوة، دون أي تنازل عن مبدأ أو القبول بالشواذ، وسجعان كان أحد هؤلاء الفنّانين في هذا المضمار وفي المواجهة الهادئة القوية الصلبة والشجاعة، وكان في كلّ ذلك كالليث الذي تظهر نيابه فيظنّ البعض أنّه يبتسم. فسجعان، المناضل العنيد، كان يتمتع بهذا الأسلوب النادر الذي يمزج الجديّة والنكتة ويصمد دون تشنّج. بالإضافة إلى ذلك، كان سجعان من المؤمنين بقيمة العطاء واستمراريّة الحركة، ومن فئة الناس الذين لا ينكفئون ولا يستكينون، فوضع نفسه، بعد الوزارة، بتصرّف البطريرك الماروني الذي اعتمده مستشاراً سياسيّاً، فكان خير معين له إذ لاحظ كلّ مراقب سياسي لمواقف البطريرك نفساً جديداً في عظاته مركّزاً على المبادئ التاريخيّة للكنيسة المارونيّة المتعلقة بالكيان والدولة والنظام والحياد والوحدة، بعد تقرّب سجعان منه، وكنت أتّصل بسجعان بعد تلك العظات مازحاً وقائلاً له: سيّدنا خطابك اليوم كان ممتازاً. لم يكتفِ سجعان بدوره هذا، بل انضمّ إلى مجموعة كاتبي افتتاحيّات النهار ، يكتب مقالاً أسبوعياً كل خميس، يحلّل فيه الأحداث، ويدلي برأيه السياسي من التطورات، ما كان يدفعنا إلى انتظار عدد الخميس لقراءة مقالاته التي كانت تتميّز بالثقافة السياسيّة والتاريخيّة الرفيعة وشكّلت مرجعاً لكلّ طالب علم ومعرفة”.
وتابع: “يوم طُلب إليّ الكلام في هذه المناسبة وبدأت الكتابة، حِرتُ من أين وبماذا أبدأ، إذ تدافعت الأفكار والذكريات المتنوعة وتسابقت، لأنّني لا أتكلّم عن سياسي ووطني ومناضل وإعلامي بارز فقط، بل عن إنسان وصديق صدوق محبّ وفيّ، أنيقاً في ملبسه ونديماً مثيراً للإهتمام والتشويق تستمتع بدفء مجالسته وبتلك الروح الحلوة والنكتة الراقية التي كان يتقنها. تعمّقت صداقتنا يوم تزاملنا كوزراء، وتحوّلت إلى صداقة عائليّة، وأصبحت علاقاتنا شبه يوميّة، نجتمع في المناسبات الاجتماعيّة والدينيّة والموسميّة كعائلة واحدة، وأذكر منها مناسبة عيد رأس السنة أيام تفشّي الكورونا وانكفائي في منزلي في تنورين، حيث قرّرنا أن نمضيها، وعرضنا الفكرة على سجعان وزوجته، فلم يترددا وحضرا، واحتفلنا معاً بحلول العام الجديد. رفض سجعان المبيت في تنورين، وقرّر العودة ليلاً إلى أدما حيث يقيم، رغم إلحاحنا عليه وعلى زوجته بقبول استضافتنا، وعند اتصالنا به للإطمئنان عن وصولهما بخير، حبكت لديه النكتة، فأبلغنا بأنّهما وصلا بخير، وبأنّه لم يلتقِ أثناء عودته بأي سيارة، وأنه انتصر على فيروس الكورونا لكن نزوله ليلاً من تنورين كان مغامرة فاقت بخطورتها مواجهة الكورونا. ليلة زفاف إبنتي في تنورين كان سجعان وراني أول المدعوين، وللأسف لم يسمح له ألمه إكمال سهرته معنا، إذ شعر ليلتها بألم كبير في بطنه، اضّطره لترك الاحتفال في وقت مبكر، وبلغني لاحقاً أنّ الفحوصات الطبيّة أظهرت المرض الخبيث ، وبدأت مسيرة المعاناة والآلام المبرحة”.
وقال: “كنت، وزوجتي، على تواصل دائم معه ومع زوجته الحبيبة، وكنّا نرافق جلجلة آلامه بقلق ومحبة، وكنت، بعد استفحال المرض، أتواصل مع زوجته للإطمئنان ولعدم إزعاجه شخصيّاً، إلاّ أنّ الملفت في سجعان، أنّه، وعلى الرغم من آلامه الجسديّة والنفسيّة، لم يستسلم، وبقي يكتب مقاله الأسبوعي، الذي شكّل لنا مؤشّراً على وضعه الصحّي، يفرحنا عند وروده ويحزننا حين يغيب، فندرك أنّ المرض بدأ ينتصر على الإرادة والشجاعة، وبقي، في تلك الفترة، وعلى الرغم من آلامه المبرحة، يجالد ويكتب، حتى جفّ حبره ومنعه مرضه الخبيث من ذلك”.
وختم: “فيا أخي وصديقي سجعان، بكيناك يوم فقدناك، بكينا الصديق والمناضل، بكينا شجاعتك والتزامك القيم الإنسانيّة والوطنيّة. اليوم نفتقدك كثيراً ونشتاق إليك وإلى الأوقات الحلوة والصعبة التي قضيناها معاً. فذكرياتنا محفورة في قلوبنا إلى الأبد، وإنّنا إذ نجتمع في ذكرى رحيلك الأولى، فليس للبكاء، بل لنتشارك معاً هذه الذكريات ونعزّي بعضنا البعض، ونقف إلى جانب الزوجة المناضلة الصامدة والأولاد الذين تركت، والذين نحبّهم كما أحبّيناك، وللتأكيد على أنّنا نجتمع حول المبادئ التي ناضلت من أجلها، وعلى أنّنا سنواصل متابعة العمل للحفاظ على تراثك النبيل وعلى القيم الإنسانيّة والوطنيّة التي قام عليها”.
حمادة
وكانت مداخلة للنائب مروان حمادة قال فيها: “لم تتسن لي فرصة مواكبة الوزير سجعان قزي في رحلته الحكومية، اسوة بالزميلين المميزين بطرس حرب ورشيد درباس، اساتذة القانون وسادة التشريع وأمراء الكلمة. كذلك لم اتابع الرفيق سجعان في مسيرته الحزبية والمهنية المتألقة والصاخبة بل والمدوية، في المبادرة والانتاج والابداع، وكذلك الساحر او المستفّز حسب ميول واهواء المستمع. اما الزمالة فشيء آخر تماماً. جذورها تعود لقرابة النصف قرن من تاريخ لبنان المعاصر. اعتقدنا في بداياتها اننا لن نلتق ابداً وادركنا في نهايتها اننا لن نفترق ابداً”.
أضاف: “الاستاذ سجعان كما يليق به الوصف وهو المحبب له رافَقَنا ورافَقناه. بالدارج “لم يحلّ عنّا لحظة ولم نحلّ عنه يوماً”، لا في الخصومة الشرسة ولا في زمن اللقاء الجامع والوحدة الحميمة. اقتنع كل واحد منا، على طريقته، ومعنا آخرون كثر اننا على حق في دفاعنا عن لبنانٍ حلمنا به موحداً، منصهراً، وعلمانياً، نتظاهر معاً من اجل تعليمه وصحته وعماله وحرياته، ثم تغلبت علينا الاقدار وساعات التخلي الى التمترس والمواجهة خلف خطوط تماس سياسية وميدانية تحن اليها الطوائف والاحزاب ومنها طوائفنا واحزابنا فيما تحز في نفوسنا رؤية السياديين والاصلاحيين والدستوريين يتبارون ويتناحرون على فتات السيادة بعد ان اكل اعداء الخارج والداخل اخضرَها ويابسَها”.
وتابع: “اذاعة لبنان، صوت لبنان، صوت الجبل، صوت العرب، صوت الشعب، صوت لبنان الحر، وصوت لبنان العربي، لقد عاشت اجيال الحرب على وقع اخبارها وتعليقاتها واناشيدها، يقطعها بين الحين والآخر رنين انذار المذيع الحارس شريف الاخوي: “سالكة او غير آمنة”. كم من الطرقات غير الآمنة سلكنا عزيزي سجعان قبل ان نكتشف معاً ان طريقاً واحدة هي الآمنة، عبّدناها بالعودة الى الجذور؛ الى الميثاق الوطني والى الدستور والى اتفاق الطائف، الى المظاهرات التي جمعت الكتائب والنجادة، من الجميزة والبسطا في ساحة الشهداء. نعم ايها الاحباء هذه الساحة عادت فجمعت اللبنانيين في ثورة الارز كما في ثورة التغيير. هذه الساحة التي نبتت فيها وحولها اعشاب وشجيرات الخط الاخضر ثم عصف بها انفجار ٤ آب الرهيب بقيت رمز الوحدة بعد الفراق وكأنها تشد دائماً الى بعضهما ما كانت ينعت “بالبيروتَين” ومن ثم “باللبنانَيين”، الشرقية الرافضة للشرق والغربية المتمرسة في عداوة الغرب. هكذا اكتشفت في سجعانً، “الانعزالي” و”التقسيمي”، اللاعربيً، رجلاً اعرب عن مشاعر بيئته المهددة والمعزولة في وقت الشدة كما ربما اكتشف بدوره في حليف اليسار، وحليف منظمة التحرير. من انبرى ايضاً مدافعاً عن بيئة اعتبرت نفسها محرومة الحقوق، مكبوتة الصلاحيات، منزوعة الدور التاريخي منذ لبنان فخر الدين. من منطلق ادراك الخطاء وعلى هذا الاساس بنيت المصالحات الشخصية ثم الحزبية ثم المناطقية وبعدها الوطنية. من هنا ادركت ان سجعان قزّي كان زميلاً من نوع آخر، صادقاً، شفافاً، مفكراً، مبدعاً، لبنانياً اصيلاً جعل من لغته العربية العريقة قاطرة لعروبته الحضارية. عندما تجاوزنا الهوة التي بدت ساحقة في اشد ايامنا، عندما تجاوزنا الزمالة في الخلاف لنعود الى الزمالة في الوطنية، ادراكاً وممارسة، ظهرت لي في العزيز سجعان الاجزاء الانسانية والحضارية الخفية من جبل الجليد. ذاب الخلاف فعامت الجذور واذا بخصم الامس ثروةٌ وطنية نشرت صوتاً وحبراً ونقاشاً صورة الرجل الوطني الذي اختلفت معه عندما كنّا وللأسف، نشبه بعضنا بعضاً في المواقع المتصادمة”.
وقال: “سجعان رجل وطني، مثقف، قارئ، كاتب، مجتهد، يمّد باستمرار جسوراً حتى لو كانت على حساب قلاعٌ مغلقة ومحصنة. رجل لم يتأخر في تلبية نداء القلب ثم غلّب عليه نداء العقل فكان هنا وهناك ذروة في التقدم والتألق. مستشار ذكي، منظّر، مجتهد، لم يدخل يوماً لعبة الدم، ففرض حوله والى ما بعد التماس القائم احتراماً لعقله ولفكره ولثقافته. ولأن الشيء بالشيء يذكر كانت تجربته في الصحافة المكتوبة ثريّة، مبدعة، متنوعة. صال وجال ثم شارك في كفاح “النهار” ما قبل وما بعد المراحل الغسانية والجبرانية حيث اختلط الحبر العريق بالدم الغزير الى جانب الاقلام من المبدع رشيد درباس الى الفقيه بطرس حرب الى الدستوري رمزي جريج الى رفيقنا الكبير والعلم من اعلام الصحافة والمقال الاستاذ سمير عطالله. ربما لا تعلمون انه من القلائل القلائل الذي كانت مقالته الاسبوعية تصل محركة بدقة وابداع بفصائلها حيث كنا نضطر الى فك التحريك لارسالها للطباعة في عهد السرعة التكنولوجية. اما الوزارة التي دخلها كاملة الصلاحية ثم تحمل اوزار تصريف اعمالها فقد شارك سجعان، وانا الشاهد من مقعدي النيابي على اداءه، في افضل حكومة من بين الحكومات السيئة التي تناوبت على حكم البلد منذ اتفاق الدوحة المشؤوم. كان لشخصيته المميزة دوراً ووقعاً مستحسناً يعود لعقله وتوازنه الدائمين كما في جزء منه كبير، للحق والانصاف، للرئيس تمام سلام رئيس ذلك الفريق بزملائه آنذاك بطرس ورشيد والعزيز أكرم شهيب الجالس أمامنا، الذين صمدوا امام الموجات الاولى للهجمة الحاقدة والجاهلة التي ادت لاحقاً الى السقوط في عهد جهنم”.
أضاف: “عزيزي سجعان، في وداعك الثاني لا تجف الدموع عليك ولا على لبنان. وصفته بالرجل الجدي. أزيد عليها الصديق الجدي والرفيق الجدي لم تفارقه في حياته العائلية والسياسية والمهنية روح الفكاهة والنكتة مع معالم الابداع في الرواية والوصف والتعليق والتصرّف”.
وتابع: “العزيزة دانيا، الحبيبتان جوي وأود. تقول سيلين ديون في اغنية الوداع لرفيق عمرها ومحقق احلامها رينيه “Encore un soir” نردد ذلك ونتسائل ماذا لو اتيح لك ان تبقى بين اهلك سنة اضافية أو لو أنك بشجاعتك المعهودة، طال صمودك أمام الداء العضال. نفتقد عقلك الرصين، قلبك الصواني، قلمك اللاذع واللامع. ولكن ماذا كنت انت ستشعر، تفعل، تقول، او تكتب عن واقعنا المخزي. على كل حال، غيابك زاد من حزن وصعوبة سنة خلت من سجعاننا الحاضر دائماً، المتأهب ابداً، الواثب من دون تردد. الحرب المفروضة، النزوح الخانق، الافلاس المتمادي، الاخلاق المنهارة، القانون الغائب، الدستور الممزّق، كلها تحديات كانت تحتاج في مواجهتنا لها، الى عبقرية الاستاذ الفولاذية”.
وختم: “سجعان الحبيب، الى لقاء قريب في يوم القيامة او التقمص، وقد استرجع لبنان الحياة”.
درباس
وألقى الوزير السابق رشيد درباس كلمة قال فيها: “ثلاثة شهور من التعارف المكثف، في الفصل الأخير من ولاية وعناية فخامة الرئيس ميشال سليمان، وثلاثون من التداخل العملي والعائلي والمودة برعاية رجل على تمام الخلق والوطنية، بقي مقيماً على حميم الصلة، يجمعنا في دارته، كأننا مجلس وزاري مصغر، تخلت عنه المهمات ولم تتخلَّ الهموم، فكان يدور الحوار حاراً وحزيناً، على ما نشاهده معاً بعيون الخبرة من مخاطر الأخبار وتراكب المشاكل، فيما أهل الحل والعقد على عُقَدهِم وانحلال عزائمهم. كان الرئيس تمام يرعى شغف المواطنة والانتماء رغم إخلاء المسؤولية، فيما سجعان بيننا يسجع بالكلام، ويتبادل مع زميله في الكتلة الحزبية المؤقتة النقيب رمزي جريج الفكاهات المقفاة، ذات الإبر الخفية، والمرامي الذكية”.
أضاف: “غاب سجعان في الفترة الأخيرة عن تلك اللقاءات، وكنا نستفسر عنه بالقلق إلى أن وردنا نبأ الرحيل في أحدها، فتوجهنا جميعاً إلى منزله حيث تعلقت (دانية) بعنق الرئيس السلام فاختلطت الدموع بشهقات الأسى، فيما انتبذتُ مقعداً وقد تملكني هاجس، بأنها دقائق، ويطل بعدها سجعان بابتسامته، يرحب بنا ويروي لنا بعضاً من آرائه ونوادره، ويُجْلِسُ “أود” و “جوي” على حجره ويقول لهما بخفة ظله: “لن أترككما إلا بعد أن تجعلاني جَدًّا”. عندما أصدر كتابه (وطن في العناية الفائقة) قلت: “سجعان وأنا نتساقى المقالات التي نكتبها قبل نشرها في النهار، ثم نتبادل التعليق بعد النشر، هاتفيًّا؛ أنا أزعم الآن أن كثيراً من الآراء تأثرت ببضعها وتلاقحت من خلل الجدل الجدي، كما أن بعض المواقف كانت تتغير على ضوء تلك المحاوارات. كنت أزور في أحيان، غبطة البطريرك الكاردينال بشارة الراعي بمعيته، فأشعر من طريقة استقباله، أن سجعان قد حدثه عني بمبالغة، لفرط مودة صاحب الغبطة، وإشاراته إلى ما أكتب من مقالات، بل وتحريضي على الإكثار منها”.
وتابع: “يا حاضراً نقل إقامته من حقول البصر، إلى حقول الذِّكر. بعد الشيخ بطرس والأخ مروان أناجيك باسم زملاء حكومة تلك الحقبة، التي أطلقتُ عليها لقب حكومة النواطير، لطول الإقامة المؤقته في ظل رئاسة خالية من صاحبها، أكثروا من الحديث عن صلاحياتها الضائعة، فلما استفحل الشغور، تأكدنا جميعاً أن أهم سلطات الدولة هي رئاسة الجمهورية، وأن الرئيس الحصيف هو ضمانة الاستقرار والتنمية والمناعة والممانعة ضد جراثيم الدعوات المتهافتة، والخطابات المتفلتة والشعارات المنفصلة عن الواقع؛ نتذكر معك أنه سحابة الثلاثين شهراً، ما افتتح رئيس الحكومة الجلسة إلا بالدعوة لانتخاب رئيس، ولكن ذلك لم يحل دون اتهامه باغتصاب سلطة الرئاسة، فواعجباً لمن ترميك بدائها وتنسل، ويا أسفاً لمن يكسر مزراب العين، ويحمل الناطور مسؤولية انسياب الماءة وإهدارها”.
وقال: “أخي سجعان، ها هي تعيد سيرتها الأولى، وها هو الفراغ مجدداً بطل المرحلة المتمادية، لأنه صار محل استثمار لفراغات متوالدة، في المناصب والبلديات والمؤسسات، كأنما المقصود أن يتعود اللبنانيون على أن يصبحوا شعباً معلقاً في الفضاء، على حد مثل ابن سينا، تديره سلطة أرضية تخرج من المضمر إلى المعلن، فيما يفخر الردفاء بأننا سنكون مضرب مثل لدول العالم الحديثة، لما للفوضى، على حد عبقريتهم، من دور في تنظيم حياة الناس، فهل فاتهم أن أخطر الفوضى هي تلك التي تكون في خدمة العقول المنظمة”.
أضاف: “لا أزال أقول إن الدولة حاجة فردية لكل مواطن، وإن رئيس الجمهورية هو رب كل أسرة لبنانية أيا كانت ديانتها، والدستور هو النظام اليومي لحياة الناس، من الطفل الرضيع إلى آخر الهزيع، وإن المصلحة العامة تبدأ من مصلحة كل بيت، فلا يجوز لأي كان أن يذهب في ممارساته، مهما كان جلال الأهداف، إلى حد التفريط بالمصالح الصغيرة، لأن الشعور الوطني يتكون في تلك البؤرة الضيقة، فإن جرى تجاوزها، وقعت الأماني الواسعة في فخ ضيق الأفق. منذ اغتصبت الصهيونية أرض فلسطين، ودولتنا منقوصة الاستقرار، كما أن اختلالاً في التوازن الديمغرافي جرت معالجته على أسوأ وجه، فتداخل الإقليمي بالداخلي، وذهبنا وراء الحلول السريعة الوهمية، فأنشأنا تحالفات، وخضنا حروباً، ثم التام الشمل تحت راية الطائف، بشكل مؤقت، إلى أن انفجرنا مجدداً وسقط شهداؤنا تباعاً، ولم نستثمر في التحرير بما هو إنجاز وطني لبناني عام، لكن ذلك كله لا يمنعني عن عقيدة ترسخت في وجداني، هي أن الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني قد أوصلتها التجارِب إلى ولاء مطلق للدولة والوطن وأن لا ملاذ لها إلا هذه الجغرافية العبقرية التي تقف حجر عثرة في وجه التبعيض وتنصل فئة عن أخرى. لقد جربت الأحزاب مشاريعها وكذلك الطوائف، ومنها من مارس نقداّ ذاتياً ولجأ إلى إعادة القراءة، ومنها من سوف يلجأ حتماً إلى النقد لاحقاً، فحلف الفضول من أحلاف الجاهلية، وأحلاف الخارج زبد سام ما زلنا نعاني آثاره، أما الحلف اللبناني فهو حلف واقعي يقوم على وحدة العملة والاقتصاد والتعليم والتداخل المركب والمخاطر، وعلى الرغبة الأكيدة في حياة واحدة”.
وتابع: “ربما استطردت أكثر مما ينبغي، ولكنني كشخص زامل سجعان في خلية أزمة اللاجئين السوريين برئاسة رئيس الحكومة، أؤكد أن العلة في تشتت الرأي والقرار، قبل التدفق، وكنا قد وصلنا سابقاً إلى سياسة حازمة رغم الضغوطات منعنا بموجبها النزوح وحاولنا أن نُكَوِّنَ قاعدة بيانات وطنية تحدد تفاصيل الوجود السوري، لكن أزمة خطيرة كهذه لا ينبغي لها أن تكون موضوع تجاذب ومنافسات شعبوية، فهي على مقدار من الخطر لا يجوز معه إلا أن تكون لها سياسة وطنية واحدة تنفذها حكومة مكتملة الشرعية في ظل رئيس شرعي، يقصر المجلس النيابي حتى الآن عن تسميته، لأن القانون الانتخابي الهجين المدجن، لا يولد إلا هجينًا مدجنًا. تنتهكنا إسرائيل كما انتهكت غزة حيث يزدحم باب الردى، وتحار القبور أين تستقبل زبائنها، وها هم الأطفال يسلمون حيواتهم القصيرة للأجنة في الأرحام، كأنما العمر غمضة عين في أرجوحة طائرة تنقلهم إلى السماء الأخرى، لا تسلْها فلن تجيب الطلولُ، ألمغاويرُ مثخنٌ أو قتيلُ، يقول بدوي الجبل. وها نحن على خُلْفٍ فيما لا خلاف عليه، فإسرائيل عدو متوحش، ذخروا براثنه بأفتك القتل، فمتى نذخر أنفسنا بالحقيقة، وهي أن المجابهة مسألة خطيرة لا نجاعة فيها إلا بتكاملها وانسجامها”.
وقال: “من يريد أن يذوق نكهة عسل سجعان، عليه أن يستمتع أولاً بوخز إبره، وأضيف الآن بأنك كنت خير من ظهر الهواجس المسيحية في إطار وطني، لا من باب الفرادة بل من واقع أن الطوائف يجب أن تخرج من هواجسها إلى متحد صمد أكثر من قرن، في مقارعة الوعول والقرون. أسمح لنفسي في الختام أن أستعيد ما قلته في التعليق على كتاب سجعان (وطن في العناية الفائقة): سئل سجعان عن معنى اسمه فقال هي كلمة سريانية تعني الأسد ، أما في لسان العرب فسَجَع يعني استقام، كما أن السَّجْعَ هو الكلام المقفى، وسجع الحمام، أي هدل، والسجْع هو القصد المستوي على نسق واحد، فأيَّ المعاني تفضلون؟ أزئيرَ الأسد السرياني أم هديلَ الحمام الزاجل العربي؟ والقزُّ أعجمي معرب، وهو الحرير الذي تفرزه اليرقات بعد أن تتغذى بأوراق التوت، لكننا في لبنان نهمز القاف فيصبح الإسم ” سجعان أزي” والأزيز صوت غليان القِدْر، وصوت الرصاص، وصوت الرعد من بعيد. وأضيف إذا أخذنا هذه المعاني مجتمعة ومتسقة فإننا نستخلص أن سجعان ينام الآن في غرفة، فِراشها منسوج من قزٍّ لبناني أصيل، وعلى شباكها يسجع الحمام الزاجل، وخلف بابها يئز الرصاص أزًّا من كل جانب، وقرب سورها يزمجر الأسد السرياني، فيما يقصفنا من عِلْي طائراته عدو سعيد بما نفعله بأنفسنا. كان الرجل العزيز متقدماً في حزبه وانتمائه، ولكنه نظر إلى الأحزاب والعقائد الأخرى بعين الواقعية والعمق الفكري، فراح ينسج رؤاه على نول من سَدا الوطنية ولحمة التنوع ليلبس النهار في خميسها ثوباً من القز الموشى سجعًا وشجاعة، بقلم ذي عين مدرارة المداد المستمد من مساحة نظر متسعة توحي السلام وتروض التوتر، بما تضفيه من سماحة المكان وتسامح الإخوان”.
وختم: “لهنري زغيب شكراً على ما بذلت، لجامعة القديس يوسف أقول أنت الكنف ومضافة العقول ومربيتُها. لدانية وأود وجوي والأهل والأحباء، لكم أعمق ما في قلبي من صداقة. أما الرفيق سجعان فأناجيه بلوعة المتنبي :
وما الموتُ إلا سَارِقُ دَقَّ شَخْصُهُ يَصُولُ بِلاَ كَفَّ وَيَسْعَى بلا رِجْلِ
إِذا ما تَأَمَّلتَ الزَمانَ وَصَرفَه تَيَقَّنتَ أَنَّ الـمَوتَ ضَربٌ مِنَ القَتلِ”
زغيب
وألقى الشاعر هنري زغيب كلمة قال فيها: “هاني أَعودُ إِليك.. أَعودُ، كأَنْ لم أَنْأَ عنكَ إِلَّا يومَ جنازتك (“أَزرار” 1269 – “النهار” 13 أَيار 2023).. وهل تظُنني كنتُ يومها أَحتملُ أَن أَراكَ في نعشٍ، مُسجًّى ولا روح، ومُشيِّعُوك يحملونكَ في تابوت، أَنتَ الأَلِفْتُكَ نصفَ قرنٍ أَمامي صوتًا هادرًا بِحقيقة لبنانَ اللبناني، واعتدتُ عليكَ بعينَي صقْر ينقضُّ على كلِّ ما وكلِّ من، حين يَسوسُ لبنانَ مَن لا يستحقُّ الأَرزةَ على جبين ضميره؟ نعم: يومَها لم أَحتملْ أَن أَحضرَ مأْتَمَك.. كأَني لو حضَرتُه أَخونُ ما بيننا من حياة.. تغيَّبتُ ذاك النهار الفاجع.. بعدهُ عدتُ إٍليك، كي لا أُصدِّقَ أَنكَ نأَيتَ إِلى الهُناك، وأَن أَكونَ حارس غيابكَ بعدما كنتُ رفيقَ حضورك.. عدتُ إِليك، لأَظلَّ أُؤْمنُ كأَنْ ما زلتَ هنا، كأَنْ لم يتغيَّر إِيقاعُنا، كأَنْ مُكْمِلةٌ رِفْقَتُنا، كأَنْ باقٍ رنينُ صوتك، كما عادتُنا ذاتَ يرنُّ هاتفي وتكونُ أَنت، وتندَهُني فأُسابقُني إِليك، ونسهرُ عندكَ تحت ضوء القمر على شرفتكَ الـمُعْنِقةِ فوق خليج جونيه، مرةً بحضور دانياك، ومرَّاتٍ تُزقزق عيناكَ فتسـتأْذنُ، بكلِّ فرح الدنيا، كي تَجيبَ هتْفةَ زنبقتَيْكَ “جُوْي” و”أُود” من خلْف البحر.. ما أَصعبَ أَن أُصَدِّقَ يا سجعان، يا الحبيبُ الضالعُ بين النبضة والنبضة في نور الصداقة الأَقوى من أَيِّ شعاع.. ما أَصعبَ أَن أَفكِّرَ كيف لم تقترفْ وَرَمًا حتى يهاجمَكَ الخنزيرُ البريُّ بوَرَمٍ خبيثٍ يَصرع أَدونيسَك.. ما أَصعبَ أَن أَسمعَ من دانياك كيف واجهْتَ موتَكَ بعينَين مفتوحتَين ورُحت تُهندسُ لها كيف تريدُ مأْتمك.. لذا لن أُصدِّق، لأُريدَكَ بي حيًّا في ضوءِ عينيَّ، فأَجيئَكَ دائمًا بذاكرة بيضاء، وأَظلَّ أَنتظرُك خارجَ اللحظة، فالوقت لا وقتَ لديه لإِضاعة الوقت.. وهو الذي أَومأَ لي أَنكَ غادرتَ المكان كي تَسْكنَ الزمان.. وشرحَ لي أَنَّ المكانَ محدُودٌ مهما اتسعَت مطارحُه، وأَنكَ أَنتَ كسرتَ محدوديته لتحلِّق وسْع لامحدودية الزمان.. وأَوضح لي أَنَّ المكانَ ذريعةٌ للولادة بحفنة هذا التراب الذي نحملُه جسَدًا بضْعًا من سنوات ليسقُطَ بعدها في الغبار، ويدخلَ في الزمان مدًى لا تقيسُهُ سنوات، لأَن الغائبَ لحظتَئِذٍ يَسكن في البال، والبالُ خيالٌ شفَّاف لذاكرةٍ لا يحدُّها عُمْر ولا يحصُرها تفكير”. أضاف: “قال ليَ الوقت: للمكان ساعةُ الجدار وللزمان وَسَاعةُ الـمَدار.. وبين السَاعة والوَساعة: ما بين الحياة والموت من حضور وغياب، من تصَدُّع الساعة إِلى مدار الوساعة.. كأَنما الحضورُ في الْــهُنا صدًى مسبقٌ موقَّتٌ لصوت الغياب الدائم في الـهُناك.. هكذا أَنتَ: حين توقَّفَ فيكَ المكان توقَّفَتْ ساعة الجدار، فانطلقَتْ بكَ في الزمان ساعةُ الوقت الذي لا إِلى تَوَقُّف..” وختم: “يا الحبيبُ الذي أَفلَتَ من سجْن المكان ليطيرَ في هيولى الـمَدار: في تقاليدنا، نحن الأَحياءَ الـمُوَقَّتين، حين نتمنى العمر الطويل لشبيهٍ بيننا مُوَقَّت، نقولَ له: “فَلْتَعِش ما تليقُ لكَ الحياة”.. أَما أَنا فسوف أَظلُّ حارسًا غيابَك الدائمَ الأَسطعَ من حضورٍ مُوَقَّت، وكلَّما اشتقتُ إِليكَ أُوافيكَ بتحيةٍ تشبهُكَ: أطل الوقت عمر غيابك”.
قزي
ثم ألقت ابنة الراحل أود قزي كلمة قالت فيها: “أشكركم على هذه شهاداتكم المعبرة عن عمق المودة تجاه والدي، وأنا أعلم التقدير الذي يكنه لكل واحد منكم. أنتم جميعًا تعرفون السياسي والصحفي والصديق سجعان، لكن إذا عرفتموه كأب، ستعرفون أن هذا هو الدور الأكبر الذي قام به في حياته. أبي إنك لم تعد معنا جسديًا، لكنك مازلت حاضرًا، اعتدنا أن نتصل ببعضنا البعض صباحًا وظهرًا ومساءً، والآن نفكر فيك صباحًا وظهرًا ومساءً”. أضاف: “لذلك فإنني أتكلم اليوم بإحساس عميق بالمسؤولية. والدتي دانيا وأختي جوي وأنا نشكركم جميعًا على حضوركم ونأمل أن تكونوا قد قضيتم وقتًا ممتعًا بحضور بابا، الذي هو بالتأكيد سعيد جدًا برؤية جميع الأشخاص الذين أحبهم. ونحن ملتزمون بمواصلة إرثه وعيش حياتنا بنفس القوة والكرامة والنزاهة التي جسدها. قبل أن يسلم قلمه الأخير، أراد أن يجمع كتاباته. لذلك عملنا على إنشاء موقع يجمع كل مقالاته وظهوره التلفزيوني”. وختمت: “أود أن أختتم هذه الجلسة بدعوتكم للحصول على نسخ من كتبه أو أعماله الخمسة”. وفي الختام وزعت نسخ من كتب سجعان قزي.