د. حارث سليمان/فيلق الوهم والخراب: فيلق القدس ومن ورائه ايران لا يريدان حربا مع اسرائيل، وبتشكيلات الفيلق المتعددة، ك”حزب الله” هي ادوات لتحريك التفاوض مع الغرب، وليس لحسم الصراع مع اسرائيل، او لتحصيل حقوق لشعب فلسطين، ولذلك فهو فيلق للتحريك وليس للتحرير

80
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2019-02-02 20:42:48Z | | ÿÿÿÿÿo° xÿ

فيلق الوهم والخراب
د. حارث سليمان/جنوبية/19 نيسان/2024

فيلق القدس ومن ورائه ايران، لا يريدان حربا مع اسرائيل، لا دفاعا عن شعب غزة واطفال فلسطين، ولا حماية للمسجد الاقصى وقبة الصخرة ولا حتى ثأرا لدماء قادة فيلق القدس ذاته، فالحرب ليست من خياراتهما، مهما كانت مبررات هذه الحرب وأسبابها.

فيلق القدس هذا وبتشكيلاته المتعددة، ك”حزب الله” في لبنان والميليشيات الايرانية في سوريا والعراق، هي ادوات لتحريك التفاوض مع الغرب، وليس لحسم الصراع مع اسرائيل، او لتحصيل حقوق لشعب فلسطين، ولذلك فهو فيلق للتحريك وليس للتحرير.

ان السذاجة وتصديق الاوهام، قد تكون اثمانها كوارث انسانية، تشبه كارثة غزة، او ورطة في لجة مأزق مستدام، كورطة “حزب الله” في جنوب لبنان، فاخطر الاثمان يدفعها عقابا لتبني الاوهام، هو من صدقها…

الوهم اخيلة تطال الفرد، فتختلط لديه الحدود، بين الواقع والاحداث الجارية، وبين الاحلام المرتجاة، سواء كانت منامات ليلية، او تهويمات يقظة أم هذيان يعيد تركيب الوقائع وصياغتها بتحريف حقيقتها، او تمنيات واهداف مأمولة، تنزل في الانفس البشرية وتتحكم بسلوكها… الوهم ليس واقعا او حقيقة لكن السلوك والتصرف الناتج عن الاوهام، هو واقع قائم وحقيقة تتحرك وتتطور تنمو حينا وتنحسر حينا آخر…

العلاقة بين السياسة والوهم يمكن ان تكون علاقة تلازم وتفاعل وتناغم، لأن السياسة تحول الوهم، من نطاق الفرد الى نطاق الجماعة، وهي بصنف من اصنافها وفي ميدان من ميادينها، هي محاكاة وصناعة، إما لاوهام الجماعة بآمالها ومخاوفها، او لبناء مشروع حلم متحقق، يطور حاضرها ويصنع مستقبلها … اشاعة الاوهام وإثارة الغرائز وتأجيج الهواجس، هي دأب السياسي المحترف في المجتمعات المتخلفة والانظمة السياسية الشمولية، والسياسي في هذا الواقع يتماهى مع بائع اوهام، او يشبه مقامرا، يراهن على نيل مكسب او هدف، لا يمتلك قدرة ذاتية على الوصول اليه، المراهنة هنا كلعبة قمار قد تكون كارثية، او بابا للاستقواء بالخارج والارتهان له، ولذلك قد تنطلق من الاوهام مسارات واحداث جسام، وربما صراعات وحروبا ضروسا… اما مصداقية اي سياسة او سياسي في المجتمعات المتقدمة، فتتصل تماما بردم المسافات بين المشروع السياسي، وبين الاوهام القاتلة، فالمشروع السياسي يصاغ على هيئة حلم، يمكن ان يتحقق، وشروط تحقيقه مرتبطة بامكانيات وموارد بشرية وطبيعية، وآليات عملية تحول رؤية الحلم، الى خارطة طريق وخطوات تنفيذية تتراكم وتتوالى، لتصل الى الهدف المحدد.

إن بقيت لعبة بيع الاوهام واثارة الغرائز والمخاوف، في نطاق الدعوات السياسية، فإن هذه اللعبة تكون محدودة التداعيات ومحصورة المخاطر وقليلة الخسائر، لكن اقتران هذه االلعبة بممارسة الاستبداد، المستند الى عنف سلطوي فعلي او لفظي، يجعل من الامر كارثة فعلية، ويؤسس لخراب شامل ومستمر.
السلطة التي تقوم على بيع الاوهام، وتستند الى بطش الاستبداد وعنفه الفعلي واللفظي، ليست الا اداة لادارة الخراب واستدامته! الخراب هذا يتولد ويتفشى ويستمر وتتعزز مكانته، بإهراق الدماء، الدماء هنا، هي الوسيلة الفضلى لإحتساب الوهم حقيقة، والأكاذيب وقائع، والخرافات معجزات متحققة، ولقبول الخراب كنمط عيش يومي، ولشرعنة البطش والعنف وجعله إجراءً مقبولاً…

على هذه الأعمدة التأسيسية، من بيع الاوهام والبطش السلطوي واهراق الدماء، تقوم سلطة الموالي في ايران، بإدارة الخراب كنمط عيش يومي ودائم، حدث ذلك في ايران، ويحدث في كل دولة، تعاظم فيها نفوذ الولي الفقيه، وتعززت فيها قوة ادوات اتباعه واذرعه.

السلطة في ايران تدعي لنفسها قداسة، مستمدة من مزاعم دينية لا إجماع اسلامي حول صحتها، ولا اجماع شيعي بمصداقيتها، وتقود جمهورها والملايين من اتباعها، من خلال زعمها انها على اتصال بإمام مهدي، هذا الامام الذي استحضر، منذ ١٢٠٠ سنة، طفلا، لم يظهر، حسب الرواية الشيعية، سوى لبرهة من الوقت ممتدة لعشرات الدقائق، لكي يؤم صلاة الموت على ما قيل انه ابوه، وهو الامام حسن العسكري، ثم غاب غيبتين صغرى وكبرى!! وبمعزل عن التحقق من صدقية هذه الرواية او ضعفها، وهو امر ايماني وديني لا نناقشه، ما نسأل عنه هو كيف يكون حاكم ايران اي المرشد نائبا للمهدي؟!! قد تختاره اغلبية ناخبة ايرانية جماهيرية، او يزكيه مجلس من كبار رجال الدين، مما يجعله حاكما ينال رضا المحكومين، وتكون شرعيته بشرية ارضية، لكن من اين ياتي بشرعية الهية لحكمه، ومن اعتبار طاعته طاعة للخالق وانصياعا لاحكام الاهية؟! فهل ارسل الله نبيا جديدا او ديكتاتورا حديثا، بعد ١٤٠٠ من الرسالة المحمدية؟! لا علم لأحد بذلك!!.

صناعة الاوهام هنا، ترتقي الى مرتبة القداسة ظاهرا، لكن هذه الصناعة وازدهارها، لا تقتصر على تعميم الاساطير والخرافات، وتجويف الحياة الانسانية من قيمتها ومتطلباتها؛ في الصحة والتعليم والخدمات العادية والرفاه والسعادة، بل تستبدل ذلك، شرط الطاعة والامتثال لسطوة السلطة، بفردوس موعود وجنة لا تدرك الا عن طريق اصحاب العمائم ومرشدهم، ويستند كل ذلك الى امكانيات مالية وامدادات عسكرية، تقيم هيكليات وبنى اقتصادية وعسكرية وقضائية ومخابراتية، تؤمنها الموارد الطبيعية والبشرية لدولة اقليمية غنية كبرى، هي ايران، يتم تحويلها الى ساحة خراب شاملة…

لم يكن “فيلق القدس” الا وليدا لهذه المفارقات الفجة، وثمرة من ثمار تمازج الاوهام مع عنف الاستبداد واهراق الدماء، وقد تم تخصيصه ليلعب لعبة الخراب خارج ايران ومداها الاقليمي، وإذا ما وضعنا جانبا أية مزاعم عقائدية، فان هذا الفيلق هو نسخة عن جيوش التدخل الخارجي، التي اقامتها دول عديدة في عصر الحروب الكولونيالية، التي طبعت احداث القرن التاسع عشر، ففي فرنسا مثلا اكتسب “الفيلق الاجنبي” سمعته السيئة، خلال المعارك التي دارت في ساحات القتال حول العالم، خاصة أثناء الغزوات الاستعمارية، والحربين العالميتين، والحروب في الهند الصينية والجزائر. كان هذا الفيلق وحدة قتالية، تعمل لصالح فرنسا في جميع أنحاء العالم، و مهمته الأساسية هي القتال.

كان التجنيد في “الفيلق الاجنبي” الفرنسي، مخصص للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 17.5 و39.5 سنة، ومنذ تاريخ إنشائه عام 1831 حتى عام 1963، تطوع في صفوفه أكثر من 600.000 جندي، بما في ذلك غالبية من الألمان، يليهم عدد أقل بثلاث مرات ونصف من الإيطاليين، ثم البلجيكيين، ولكن أيضًا من حاملي الجنسية الفرنسية والإسبانية والسويسرية. كما احتوى في نسخته الجديدة في مطلع القرن الواحد والعشرين، العديد من الجنسيات الأخرى، مثل مواطني أوروبا الشرقية ودول البلقان التي كانت الأغلبية مؤخرا.

ان تُنشِئَ ايران فيلقا للتدخل الخارجي، ولمد نفوذها في جوارها الاقليمي فهو امر ليس فريدا، وقد فعلته دول استعمارية اخرى، ما هو جديد ومستحدث في الفيلق الايراني هو:
اولا، انه يحمل صفة القدس وليس ايران، ويرفع راية فلسطين وليس طاعة الولي الفقيه، فيجعل من حروبه لمد نفوذه والهيمنة على اوطان العرب واجتياح مدنهم، حروب مناوبة من اجل نصرة “قضية العرب”.

ثانيا، ان فيلق التدخل الايراني، ينغرس داخل انقسامات المجتمعات العربية ويتلاعب بنسيج جماعاتها الأهلية، ويشنج العصبيات المذهبية والإثنية، فيتولد عن هذا الإنغماس ولادة جماعات صافية الولاء للفيلق، وتتماهى بهويتها وثقافتها مع هويته وثقافته، وان حملت جنسيات عربية غير ايرانية.

ثالثا، ان صناعة الأوهام لا حدود لها، فهي وان كانت تبدأ بقداسة الولي الحاكم، لكنها تستكمل بسلسلة من الخرافات، والمزاعم، من بينها القدرة على مواجهة الدول الكبرى وعلى رأسها أميركا، او تدمير اسرائيل خلال دقائق، او الادعاء بامتلاك حلول واجوبة لأزمات مجتمعاتها الانسانية، التي ترزح تحت وطأة الفقر والبطالة والامية وتعاطي المخدرات.

رابعا، تضج وسائل التواصل الاجتماعي بمعركة وسجال حول الرد الايراني على اسرائيل، انتقاما لقيام العدو بتدمير القنصلية الايرانية في دمشق، وقتل قيادة الحرس الثوري الايراني في لبنان وسوريا وفلسطين، ليس مهما ما ينتج عن هذا السجال، ومن يثبت هزال الرد الايراني او مبلغ فعاليته، المهم هو حقائق باتت واضحة ؛

اولها، ان فيلق القدس ومن ورائه ايران، لا يريدان حربا مع اسرائيل، لا دفاعا عن شعب غزة واطفال فلسطين، ولا حماية للمسجد الاقصى وقبة الصخرة ولا حتى ثأرا لدماء قادة فيلق القدس ذاته، فالحرب ليست من خياراتهما، مهما كانت مبررات هذه الحرب وأسبابها.

وثانيها، ان فيلق القدس هذا وبتشكيلاته المتعددة، ك”حزب الله” في لبنان والميليشيات الايرانية في سوريا والعراق، هي ادوات لتحريك التفاوض مع الغرب، وليس لحسم الصراع مع اسرائيل، او لتحصيل حقوق لشعب فلسطين، ولذلك فهو فيلق للتحريك وليس للتحرير.

وثالثها، من الطبيعي ان يوجد في تشكيلات هذا الفيلق والمحور الذي يحتضنه، تشكيلات منظمة وقيادات وكوادر من اصحاب النوايا الحسنة، كانت وما زالت، تصدق مزاعم جنرالات ايران حول تفوقهم الاستراتيجي، وتأخذ نظريات السيد حسن نصرالله حول “وحدة الساحات” على محمل الجد، وتعتقد ان التنسيق فيما بينها في غرفة عمليات واحدة سيحمي اطراف الممانعة ويحصنها، والطبيعي ايضا ان الواقع يكشف لهؤلاء، ان السذاجة وتصديق الاوهام، قد تكون اثمانها كوارث انسانية، تشبه كارثة غزة، او ورطة في لجة مأزق مستدام، كورطة “حزب الله” في جنوب لبنان، فاخطر الاثمان يدفعها عقابا لتبني الاوهام، هو من صدقها…