سوسن مهنا: مملكة تجار المخدرات في لبنان… أبطالها مجرمون برتبة مشاهير/جيل لبنان الجديد… بين حرب أهلية انتهت وأخرى غير معلنة وأشباح الحرب ما زالت حاضرة وأسباب اندلاعها ما زالت قائمة

82

مملكة تجار المخدرات في لبنان… أبطالها مجرمون برتبة مشاهير … هؤلاء التجار يتجولون كالمشاهير ونوح زعيتر وجه “إعلامي” على شاشات التلفزة
سوسن مهنا/انديبندت عربية/12 نيسان/2024

جيل لبنان الجديد… بين حرب أهلية انتهت وأخرى غير معلنة وأشباح الحرب ما زالت حاضرة وأسباب اندلاعها ما زالت قائمة
سوسن مهنا/انديبندت عربية/13 نيسان/2024
في ظل التوترات الأمنية المستمرة، هل تعود الحرب الأهلية بين الأفرقاء اللبنانيين؟
تعود ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1989)، مرة جديدة ولبنان على مفترق طرق. لم تُمحَ تلك الحرب من ذكريات وعقول الناس التي عاصرتها أو شاركت بها، أو الذين كانوا أطفالاً وقت اندلاعها وأصبحوا في الخمسينيات أو مقتبل الستينيات، والشباب الذين أتوا من بعد تلك الحرب الدموية، ولم يشاركوا فيها ولم يشاهدوها، لكنهم رأوها في عيون وعقول أهلهم وأجدادهم. وعلى رغم فظاعة تلك الحرب التي استمرت ما يقارب 15 عاماً وأتت على البشر والحجر، وتركت ندوباً في جسم الوطن، إلا أن تلك الندوب والجروح لم تندمل، ولبنان مؤهل جداً، بعد كل ما حصل ويحصل في المنطقة، للدخول في حرب جديدة، وإن كان على الأغلب لم يغادرها نهائياً.
بوسطة عين الرمانة
تلك البوسطة تحولت إلى رمز بعد أن كانت سبب اندلاع الحرب. وتختلف العديد من المصادر على توقيت وأسباب اندلاع الحرب، ولكن ووفقاً للعديد من المراجع أن تزايد وجود الفلسطينيين على الأراضي اللبنانية كان عاملاً شديد التحفيز، حيث أسهم نزوح مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان ما بين أعوام 1948 و 1967 في تغيير التوازن الديموغرافي. وتتفق غالبية المراجع على أن بداية حرب لبنان كانت في 13 أبريل (نيسان) 1975، عندما قام حزب “الكتائب اللبنانية” وبعد محاولة فاشلة لاغتيال الزعيم الماروني بيار الجميل (الجد) نفذها مسلحون، وأدت إلى مقتل مرافقه جوزيف أبو عاصي، والمواطن أنطوان ميشال الحسيني، بنصب كمين لحافلة (البوسطة) في منطقة “عين الرمانة” شرق العاصمة بيروت، وكانت تقل فلسطينيين، وأطلقوا النار عليها، ما أدى إلى مقتل 27 شخصاً، ودخلت البلاد بحرب استمرت 15 عاماً، بين مختلف الطوائف والمكونات اللبنانية، إضافة إلى “منظمة التحرير الفلسطينية” وفصائل فلسطينية متعددة أخرى. ومع ذلك يشير باحثون إلى أن الأسباب الفعلية للحرب سبقت مقتل الفلسطينيين في عين الرمانة. ووفقاً لمنظمة “الأمم المتحدة” فهي حرب أهلية متعددة الأوجه، وأسفرت عن مقتل نحو 130 ألف شخص بحسب تقرير لمجلس حقوق الإنسان التابع للمنظمة الأممية نشر عام 2006، وأسفرت عن نزوح قرابة مليون شخص.
“صدمات نفسية جماعية”
وتتساءل مراسلة “نيويورك تايمز” لشؤون أميركا اللاتينية، اللبنانية ماريا أبي حبيب وهي من مواليد الثمانينيات من القرن الماضي، في تقرير لها نُشر في 15 يناير (كانون الثاني) 2022، بعنوان “32 سنة بعد الحرب الأهلية، لحظات عادية تثير ذكريات فظيعة”، “عندما تكون طفلاً، كيف تتجاوز آثار الحرب؟ لقد تحول كثير من الألعاب مثل (مونوبولي)، و(سكرابل)، وأوراق الكروت، والشموع إلى ذكريات مروعة عندما تحولت الحمامات الخالية من النوافذ إلى ملاجئ عائلية للحماية من القنابل… هل يمكن أن نتجاهل البلاط القاسي الذي كنا ننام عليه وعمليات القصف المدوية لبعض المجموعات التي تحاول قتلك لأسباب لا تفهمها بالمرة؟”. وتتابع الكاتبة أبي حبيب، “أن الحرب فعلاً، بصورتها النمطية، عبارة عن مبانٍ محطمة، ودوي صخب سيارات الإسعاف، ودماء مُراقة، ومراسم جنائز. لكن الحرب يمكن أن تكون مؤذية إذا استمرت لفترات طويلة، في حين أنك تحاول تمضية الوقت عن طريق اللجوء إلى القيام بالأعمال المبتذلة والعادية. لكن بعض تلك الأشياء التي استُخدمت لتجاوز مرحلة الطفولة التي عصفت بها الحرب، مثل ألعاب الطاولة، أصبحت حالياً مصدراً للصدمات النفسية لي ولكثير من أصدقائي، إذ وُلدنا وترعرعنا إبان الحرب الأهلية التي شهدها لبنان قبل أكثر من ثلاثة عقود ونحاول حالياً ونحن ناضجون أن نعيش حياة طبيعية ونُربي أولادنا، بينما ينهار لبنان ويحترق مرةً أخرى”. وتشير الكاتبة إلى أن جيلها يعاني مما تشبهه بـ”حقول ألغام عاطفية”، وتنقل عن صديقتها البالغة من العمر 40 سنة وتعمل مطورة سلع ومنتجات وتعيش حالياً في مدينة نيويورك، قولها، “لا أشعر بأنني على ما يرام في الأجواء الرومانسية، إذ تُسبب لي الشموع القلق لأنها تذكرني بأننا أمضينا كثيراً من الوقت في الدراسة، أثناء الحرب الأهلية في لبنان، على ضوء الشموع بعد اليوم المدرسي”. فهل حقاً انتهت تلك الحرب، مع كل الانقسامات التي يشهدها البلد اليوم؟ وهل حقاً عبارة “تنذكر وما تنعاد” سارية المفعول، وكيف تأثر جيل ما بعد الحرب الأهلية بها، وهل يتأرجح لبنان بين حرب أهلية معلنة وحرب أخرى غير معلنة؟
“الموت غيلاً وغدراً استمر بعد الحرب”
يقول الباحث اللبناني في الفكر السياسي وتاريخ الأفكار، الأستاذ في معهد العلوم السياسية في جامعة “القديس يوسف”، وسام سعادة لـ “اندبندنت عربية”، “نعم الحرب انتهت، ولم تعد هناك مجازر، لكن بالمقابل تاريخ ما بعد الحرب ارتبط إيقاعه وعلى نحو كبير بسلسلة من الاغتيالات والتصفيات”. ويتابع أن “الموت غيلاً وغدراً استمر بعد الحرب بل تحول إلى عنصر مهيمن بشكل كثيف على العلاقات السياسية، وعلى الحياة الثقافية، وعلى الوضع النفسي للعدد الأكبر من السكان”. ويقول الباحث سعادة عن الأجيال التي تعاقبت خلال الحرب وبعدها، أن “هناك جيلاً عرف لبنان قبل الحرب وخاض الحرب وعاش بعد الحرب وحتى الانهيار. وهناك الجيل، الذي أنتمي إليه، ولد في الحرب، كانت صدمته ليست بالحرب بما أنه ولِد فيها، بل بتراجعها، أو بالسلم الأهلي، الذي لم يشعر في الوقت نفسه بأنه نقيض عنها بالكامل، بل كان الشعور الدائم بهشاشته، وباستمرارية دينامية العنف خلاله، بالاغتيالات والتفجيرات”. ويرى سعادة أن “المشكلة أيضاً تكمن في أن التروما أو الهلع من عودة الحرب تميل إلى التراجع بمرور الزمن من جهة، وبزيادة رثاثة ما يُفترض أنه السلم، وهو سلم معجون بأعمال الاغتيال والترهيب والتخوين”.
جيل ما بعد الحرب الأهلية
في دراسة للباحث والكاتب والمحاضر الجامعي، المتخصص في العلاقات الدولية، حسام مطر صادرة بتاريخ 25 أغسطس (آب) 2021، عن “المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق” حول جيل ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية من حملة الشهادات الجامعية والمنضوي في الأحزاب والحراك، جاءت الدراسة إثر اندلاع “انتفاضة 17 أكتوبر” (تشرين الأول) 2019، والتي جاءت بعنوان “جيل ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية بين السلطة والحراك”، وناقشت الدراسة كيف ينظر ذلك الجيل إلى الأزمة بعد 17 أكتوبر، وأسبابها، وكيف يوزع المسؤوليات، وتضمنت مقابلات مع 64 شاباً وشابة. ووفقاً للأكاديمي مطر وعن “ذاكرة جيل ما بعد الحرب الأهلية”، قال إن “ما تختزنه الذاكرة هو جزء من الهوية. والذاكرة ليست محايدة، فالأحداث السياسية التي تثبت فيها تعكس أبعاداً وجدانية وأيديولوجية، وتعزز الانتماء السياسي، وتُستخدم لتفسير الوقائع الحالية، ثم أنها تعكس مصالح الجماعة التي ينتمي إليها الفرد. هناك علاقة مباشرة بين انتماء الفرد لجماعة سياسية، وبين تقييمه للأحداث السياسية المختزنة في ذاكرته، واسترجاعه لهذه الذكريات وتفسيرها ومنحها معنى، ما يكشف عن فهم الأفراد لواقعهم السياسي”.
“17 تشرين مرتكز في ذاكرة جيل ما بعد الحرب الأهلية”
بحسب الدراسة والتي هي عبارة عن كتيب من 64 صفحة، فإن “الإجابات التي قدمها المشاركون تظهر أن الأحداث المستذكرة تعود لما بعد عام 2005، (تقريباً كان المشاركون في بداية سنيّ المراهقة) وهي واقعاً الأحداث التي تدور حولها الحياة السياسية اللبنانية منذ ذلك الوقت، تحرير جنوب لبنان عام 2000، واغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في عام 2005، وتظاهرات 14 مارس 2005، وعودة الرئيس السابق العماد ميشال عون من منفاه في العام ذاته، وانتصار (المقاومة) في عام 2006، وأحداث السابع من مايو (أيار) 2008، ووصول العماد عون إلى الرئاسة في عام 2016، واحتجاجات 17 أكتوبر 2019”. وتخلص دراسة الباحث حسام مطر إلى أنه “تحول حدث 17 تشرين إلى مرتكز في ذاكرة جيل ما بعد الحرب الأهلية المنضوي في قوى الحراك والمعارضة. فذاكرة هذه الشريحة أصبحت خاضعة لهذا الحدث لدرجة تغيب عنها الكثير من الأحداث السابقة، وهو ما يعني أن الشحنة الوجدانية لهذه الذكرى ستعمل على مدى السنوات المقبلة كمحفز رئيس. أنتج هذا الحدث مشاعر القدرة والخيبة في آنٍ معاً وهي ستظهر عند كل اختبار جديد في الشارع. ويتجسد هذا التناقض من خلال تجاهل مجموعة من المشاركين لحدث 17 تشرين والرجوع لأحداث أسبق منه، في مقابل إصرار مجموعة أخرى على أن هذا الحدث هو محطة في مسار يتقدم وحتميّ ومتصاعد”.
ويتابع أن حدث “17 تشرين عزز الهوية المشتركة لمعارضي الوضع القائم، وكذلك صار مصدراً للمشروعية لا غنى عنه. في حين أنه “يمكن اعتبار أن حادثة انفجار المرفأ (الرابع من أغسطس/ آب 2020) كانت الركن الثاني الموازي لاحتجاجات 17 تشرين في ذاكرة شباب الحراك والمعارضة، فهي أكدت لهم، من منظارهم الخاص، صوابية القطيعة مع الوضع القائم وأعادت شحن الغضب تجاه النظام السياسي. ويضيف مطر في دراسته أنه “كان للعامل الطائفي دور واضح في الذاكرة السياسية، فالمشاركون من كل مذهب، من كلتا الفئتين، ركزوا نسبياً على قضية محددة أكثر من البقية. فالمشاركون الشيعة ركزوا على القضايا المرتبطة بالمقاومة و17 تشرين، والمشاركون السنة على حدث اغتيال الرئيس الحريري، والمشاركون المسيحيون على حادثة انفجار مرفأ بيروت. لكن الحدث الأفضل الذي برز مشتركاً لدى بعض المشاركين من الفئتين ومن طوائف مختلفة كان مرتبطاً بالمقاومة سواء تحرير جنوب لبنان في عام 2000 أو الانتصار على العدوان الإسرائيلي في عام 2006”. لكن حرب أبريل 1975 والتي أوقفها توقيع “اتفاق الطائف” في السعودية في 30 سبتمبر (أيلول) 1989، والذي أسس للجمهورية الثانية، وعلى رغم مرور 49 عاماً على اندلاعها، فما زالت معظم القوى اللبنانية تتخوف منها أو تحذر من الإنجرار إليها، ذلك أنه وبحسب المراقبين فإن الأسباب التي أدت لاندلاعها ما زالت قائمة، النزاع المذهبي، والانقسام السياسي، والرؤية المستقبلية للبلد، وغياب المشروع المشترك للفسيفساء اللبنانية. أضف إلى ذلك أنه ووفقاً للعديد من الدراسات والتقارير أن الحرب اللبنانية لم تتوقف بناءً على رغبة اللبنانيين والمتصارعين في ذلك الوقت، بل لأن عوامل عدة خارجية وتوافق إقليمي فرض إنهاء الحرب في ذلك التوقيت.
فكيف يقارب جيل ما بعد الحرب الأهلية تلك العوامل والمحفزات؟
يشير رئيس “جمعية إعلاميون من أجل الحرية”، الكاتب الصحافي أسعد بشارة في حديث لـ “اندبندنت عربية” إلى أن “الجيل الذي لم يعش الحرب الأهلية في عام 1975 التي انتهت بتوقيع اتفاق الطائف، للأسف ما زال يعيش في حرب باردة مستمرة يعاني منها لبنان. ذلك أن الحرب بالنار وسقوط الضحايا والدمار وفقدان الأمل الذي جرى طوال 15 عاماً تحول إلى حرب باردة في النفوس، بعد انتهاء الاشتباكات والمعارك على الأرض”. ويتابع بشارة أن “الحرب الباردة هي بخطورة الحرب الساخنة، لأنها تعشش في النفوس، كما أن الحرب اللبنانية لم تنتهِ بمصالحة حقيقية، وهذا له أسبابه العميقة ومنها، أن إشكاليات تأسيس لبنان الكبير عام 1920 وفي ما بعد الاستقلال، وكل الخضات التي شهدها البلد المتعدد الانتماءات والتنوع، ما زالت ماثلة، وتتمظهر على شكل تنافر في الانتماء والهوية والتطلعات والرؤية لماهية وطبيعة هذا الوطن. إذاً هناك مجموعات متعددة كل منها يرى للبنان دوراً ووظيفة وموقعاً ومستقبلاً مختلفاً عن المجموعة الأخرى، وهذا يؤدي إلى أن الجيل الحالي ينمو ضمن نزاعات انفصالية، لصعوبة الاتفاق ما بين هذه المجموعات على رؤية واحدة لماهية هذا الوطن”.
الغلبة السياسية
ويعتبر بشارة “أن الجيل الحالي لم يعانِ من أهوال الحرب بالطبع، وربما يعتقد أن الحلول الجذرية التي من المفترض أن تحصل بطريقة ساخنة، أفضل من الستاتيكو الحالي والذي يعني الموت البطيء. لذا من الواجب أن تحصل رعاية دولية للبنان، واستفتاء كل هذه المجموعات، ماذا يريد المسلمون السنة والمسيحيون والدروز، والشيعة. ويتساءل أسعد بشارة “هل يريد هذا الشعب المكون من تعددية واضحة أن يعيش معاً ضمن وطن واحد؟ أو هل يريد تغيير شكل النظام على طريقة الفيدرالية أو الاتحادية؟ أو هل يريد التقسيم؟”. ويتابع أنه “آن الأوان في هذه الذكرى، ألا تحيى بالشعارات وبالكلام المنمق أو بالدبلوماسية، بل بقول الحقائق كما هي لأن استمرار الحرب الباردة بهذه الطريقة سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى ذوبان فكرة لبنان”. وعن التحذير بالحرب الأهلية من قبل الفرقاء السياسيين، يستبعد بشارة قيام حرب أهلية “لأن هناك طرفاً واحداً يحمل السلاح والآخرين ليست لديهم تنظيمات عسكرية، بل يحاولوا الدفاع عن أنفسهم كلامياً”.

مملكة تجار المخدرات في لبنان… أبطالها مجرمون برتبة مشاهير … هؤلاء التجار يتجولون كالمشاهير ونوح زعيتر وجه “إعلامي” على شاشات التلفزة
سوسن مهنا صحافية/انديبندت عربية/12 نيسان/2024
في خضم الفوضى المجتمعية والسياسية والأمنية التي يعيشها لبنان، تتزايد أعداد المتعاطين ومدمنين المخدرات، بخاصة حبوب الكبتاغون أو “كوكايين الفقراء” وتنتعش التجارة بها تحت رعاية قوى متنفذة
أثار قرار المحكمة العسكرية الدائمة في لبنان برئاسة العميد الركن خليل جابر، في مارس (آذار) الماضي، الذي أنزلت بموجبه عقوبة الإعدام غيابياً في حق اثنين من كبار تجار المخدرات في لبنان، نوح علي داوود زعيتر وعلي منذر زعيتر الملقب بـ”أبو سلة”، بجرائم تشكيل عصابة مسلحة بقيادة “أبو سلة”، وإطلاق النار على عناصر الجيش بقصد قتلهم، مما أدى إلى مقتل عريف وجرح آخرين، خلال عملية دهم قام بها الجيش في مدينة بعلبك، مطلع يونيو (حزيران) 2022، اهتمام اللبنانيين كما السوريين، لأن الحكم هو الأول من نوعه في حق التاجرين المذكورين اللذين يواجهان عشرات الأحكام الغيابية الصادرة في حقهما عن المحاكم العسكرية والعادية التي قضت بإنزال عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة بجرم تجارة المخدرات، وهي المرة الأولى التي يقضي حكم بإعدامهما لاتصال القضية بجريمة قتل ومحاولة قتل عسكريين. وكانت المحكمة نفسها قد حكمت على مهدي زعيتر نجل نوح زعيتر، بالسجن أربع سنوات، لكنه نال حكماً بالبراءة مع خمسة آخرين “للشك وعدم كفاية الدليل”، وهو الحكم الثاني في حقه بالبراءة الذي يصدر عن المحكمة العسكرية بعدما سبق أن برأته مع شقيقه مهدي من محاولة قتل جنود الجيش بقذائف صاروخية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021. الحكم نال استحسان اللبنانيين بعدما تحول البلد إلى منصة ونقطة انطلاق لتهريب المخدرات والممنوعات وحبوب الكبتاغون إلى دول عربية وأوروبية. لكن ماذا يقول القانون عن أحكام الإعدام غيابياً وحيثياتها، وكيف تنفذ؟
حكم الإعدام في القانون
يقول المحامي بول مرقص رئيس مؤسسة “جوستيسيا” الحقوقية، والعميد في “الجامعة الدولية” للأعمال في ستراسبورغ، “إن تنفيذ حكم الإعدام الغيابي رهن بمثول أو إحضار المحكوم عليه غيابياً”. ولكن هل ما زال لبنان من الدول التي تنفذ الإعدام؟ يشير الأكاديمي مرقص إلى أن “لبنان ما زال يعتمد عقوبة الإعدام في قانون العقوبات، إلا أن الحكم لا ينفذ عملياً بل يبقى المحكوم مسجوناً على نحو مؤبد إذا ضبط وسجن، فلو طبقت أحكام الإعدام الصادرة منذ سنين طويلة، والتي لم تطبق، لكنا شهدنا مجزرة”. ويتابع “عدم تطبيق أحكام الإعدام مرده إلى حاجة هذه الأحكام إلى موافقة السلطة التنفيذية، إذ ما زلنا نذكر مواقف بعض أركانها الرافض لذلك، كرئيس الوزراء السابق سليم الحص، خلافاً للبعض الآخر كرئيس الجمهورية الراحل إلياس الهراوي”.
لبنان ثالث منتج للحشيش في العالم
وفي خضم الفوضى المجتمعية والسياسية والأمنية التي يعيشها لبنان، تتزايد أعداد المتعاطين ومدمنين المخدرات، بخاصة حبوب الكبتاغون أو “كوكايين الفقراء”. وكانت الأمم المتحدة صنفت لبنان كثالث منتج للحشيش في العالم بعد أفغانستان والمغرب، على رغم أن زراعته محظورة ويعاقب عليها القانون اللبناني بالسجن والتغريم المالي. وتغيب الإحصاءات الرسمية لتبيان أعداد المدمنين، ولكن ووفقاً لجمعية “جاد” (المتخصصة بالتوعية والوقاية من تعاطي المخدرات)، فإن نسبة الزيادة في أعداد المدمنين تبلغ 400 في المئة، على أقرب تقدير. وكان رئيس جمعية “جاد – شبيبة ضد المخدرات” جوزيف حواط قد أشار، في حديث صحافي في يوليو (تموز) 2023، إلى ارتفاع أعداد مدمني المخدرات في لبنان بصورة كبيرة، خلال السنوات الأخيرة، مضيفاً “تفاجأنا أخيراً بالعدد الهائل للأشخاص الذين يأتون إلى الجمعية طلباً للعلاج، وبمجرد أن تكون هناك كميات كبيرة هائلة من المخدرات في الأسواق حكماً سيكثر عدد المدمنين”. وأضاف حواط “أنواع الإدمان والمخدرات وطرق التعاطي تتغير حسب نوع المادة، وخلقت لدينا مشكلة الكبتاغون التي هي رخيصة”، وأشار إلى أن “نسبة تعاطي النساء ارتفعت، وهذا أمر خطر ومخيف لأن المرأة في المستقبل هي الأم والأخت والعائلة”.
ووفقاً للإحصاءات والدراسات المتخصصة، في تقرير للأمم المتحدة، فإن ما يقارب 60 في المئة من المتعاطين ينتمون إلى الفئة العمرية من 16 إلى 35 عاماً.
لبنان “منصة” لتهريب المخدرات
وكانت أطلقت تحذيرات من جهات ودول عربية وغربية عدة، خلال السنوات القليلة الماضية، من تحول لبنان إلى “منصة” لتهريب المخدرات إلى أوروبا والخليج، وفي أبريل (نيسان) 2012، قررت السعودية منع دخول شحنات الخضراوات والفواكه اللبنانية إليها أو العبور من خلال أراضيها، بسبب استغلال تلك الشحنات في تهريب المخدرات، جاء ذلك بعد إحباط عملية تهريب 2.5 مليون قرص “آمفيتامين” المخدر، وأعلن اليونان في الفترة نفسها ضبط أربعة أطنان من مخدر الحشيش مخبأة بشحنة آلات لصنع الحلوى متجهة من لبنان إلى سلوفاكيا. تلك الشحنات هي عينة عن عشرات من شحنات الكبتاغون والممنوعات التي تضبط من قبل حرس الحدود في بعض دول الشرق الأوسط، ويكون منشأها لبنان أو سوريا. وبحسب مراقبين، فإن ازدياد وتيرة التهريب على صلة وثيقة بالحرب السورية، إذ نقل قسم من المهربين السوريين نشاطهم إلى لبنان.
سوريا مركز إقليمي لتجارة المخدرات
وكان المؤرخ والخبير في شؤون الشرق الأوسط جان بيير فيليو أشار في مقال بمدونته في صحيفة “لوموند” الفرنسية، يناير (كانون الثاني) 2022، إلى أن النظام السوري “طور الإنتاج الصناعي لمخدر الكبتاغون في سوريا، من أجل الالتفاف على العقوبات الدولية وترسيخ شبكات الولاء له، وأصبح ثنيه عن متابعة أو حتى تحجيم مثل هذه التجارة المربحة أمراً في غاية الصعوبة”، وتابع أن “الأراضي الخاضعة لسيطرة النظام السوري أصبحت منطقة الإنتاج الرئيسة للكبتاغون”. وفي السياق، كان الرئيس الأميركي جو بايدن قد وقع في الـ23 من ديسمبر (كانون الأول) 2022، موازنة الدفاع لعام 2023 التي قدمها الكونغرس، وتضمنت قانوناً لمحاربة الكبتاغون الذي يصنعه النظام السوري. وتزامناً مع فرض لندن عقوبات على 11 كياناً مرتبطاً بالنظام، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، في مارس 2023، عقوبات على ستة أشخاص، بينهم اثنان من أقارب الأسد، لدورهم في إنتاج المخدرات “حبوب الكبتاغون” أو تصديره، هما سامر كمال الأسد ووسيم بديع الأسد، ابنا عم رئيس النظام السوري، إضافة إلى شركتين تنتجان المخدرات وأسماء لبنانيين يتعاونون بإنتاج المخدرات وتصديرها مع نظام الأسد عبر توريد مادة الحشيش أو حبوب الكبتاغون من معامل بمنطقة البقاع بلبنان.
وقالت الوزارة، في بيانها، إن حجم تجارة الكبتاغون التي يديرها نظام الأسد هي بمليارات الدولارات، كما أكدت “هيمنة عائلة الأسد على الاتجار غير المشروع بالكبتاغون لتمويل النظام القمعي”. وفي حديث إعلامي في أغسطس (آب) 2023، أشار بشار الأسد إلى أن “تجارة المخدرات كعبور وكاستيطان هي موجودة لم تتوقف، دائماً هذه حقيقة، ولكن عندما تكون هناك حرب وضعف للدولة فلا بد أن تزدهر هذه التجارة، هذا شيء طبيعي، ولكن من يتحمل المسؤولية في هذه الحالة هي الدول التي أسهمت في خلق الفوضى في سوريا وليست الدولة السورية”. وكانت العقوبات الأميركية التي طاولت أقارب رئيس النظام السوري ضمت اللبنانيين حسن دقو ونوح زعيتر المرتبطين بتجارة المخدرات، وذكرت وزارة الخزانة الأميركية حينها أن دقو وزعيتر متهمان أيضاً بـ”صلاتهما بحزب الله”. نوح زعيتر رد بدوره في بيان على العقوبات الأميركية، إذ قال “لم نتفاجأ بالقرار الجائر الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية التي تتطاول باستمرار على السيادة اللبنانية، وتجاهد لإرضاء العدو الإسرائيلي. ونؤكد كذب وافتراء النظام الأميركي علينا”.
من هو نوح زعيتر؟
في مقابلة تلفزيونية، يعترف نوح زعيتر، المطلوب للعدالة بمئات الجرائم، جهارة بأنه يزرع القنب الهندي ويتاجر به، لكنه يعتبر أن ذلك لم يكن خياراً، بل فرضته الظروف في بلدته الصغيرة الواقعة شرق لبنان (زعيتر مواليد بلدة تعلبايا – البقاع الأوسط، لكنه يعيش في بلدة الكنيسة التابعة لمحافظة بعلبك على الحدود السورية). ويلقب نوح زعيتر، بـ”بارون المخدرات” أو “روبن هود البقاع”، كما يحلو لأقاربه مناداته. وفي إحدى إطلالاته الإعلامية في أبريل عام 2020، طالب الدولة بإقرار قانون العفو العام كي يعيش أبناء بعلبك – الهرمل في الوطن بـ”كرامة” بدلاً من أن يبقوا هاربين من وجه العدالة. ونفى زعيتر أن تكون إطلالته على الإعلام بصورة مباشرة تحدياً للدولة، وقائلا إن “هذا العفو سيقيم مصالحة بين الدولة والشعب”. ووصف زعيتر نفسه بأنه “ضحية كما جميع أهالي بعلبك”، تحدثاً عن “محميين كبار يدخلون المخدرات إلى البلد”. نوح زعيتر الذي يظهر كما المشاهير في صوره ومقابلاته يعد شخصية جدلية كواحد من أبرز المطلوبين بالاتجار بالمخدرات، وصدرت في حقه عشرات مذكرات البحث والتحري، وأخرى كأحكام غيابية، لكنه لا يزال متوارياً عن الأنظار ولا تستطيع الدولة أن تحدد مكان وجوده، على رغم إطلالاته الإعلامية المتكررة، والتي تبث أحياناً مباشرة. ويظهر زعيتر في معظم صوره مدججاً بالسلاح ومحاطاً بحراسة أمنية مشددة، علماً أنه يتنقل بين الأراضي اللبنانية والسورية، ونشرت له أكثر من صورة على وسائل التواصل تجمعه بأقارب بشار الأسد داخل سوريا. نوح المطلوب لدى “الإنتربول” بتهم تتعلق بالإرهاب وتجارة السلاح وخطف واحتجاز أشخاص وسرقة سيارات، دهمت دورية من مديرية الاستخبارات تؤازرها قوة من الجيش اللبناني عام 2019 مزرعة تعود له ولشقيقه زهير في بلدة ريحا (البقاع)، حيث عثرت على مصنع للمخدرات، وصادرت كمية كبيرة من الحشيش قدرت بنحو 20 شاحنة، لكنها لم تعثر عليه في مزرعته.
لبنان نقطة محورية في تجارة المخدرات بين سوريا والخليج
الكاتب والصحافي المتخصص في الشأن الخليجي والعربي طارق أبو زينب أشار بدوره إلى أنه “يستحيل إجراء عمليات تصنيع المخدرات في مناطق لبنانية وسورية من دون حماية قوى نافذة في البلدين، لأن المعطيات المتوافرة دائماً في التحقيقات تشير إلى أن عمليات التوضيب والتصنيع لا يمكن أن تحصل إلا في معامل كبيرة تحت غطاء سياسي ومجموعات مسلحة، وأن إعداد المخدرات للتهريب إلى منطقة الخليج العربي بهذه الطرق تستوجب وجود آلات ومساحات واسعة توجد في مناطق حدودية لبنانية وسورية إضافة إلى عدد كبير من العمال، وهو ما يستحيل على تجار المخدرات تأمينه بمفردهم. والهدف الأساس من إدخال المخدرات إلى دول الخليج العربي سياسي ومالي في آن واحد، كما استهداف المجتمعات الخليجية بخاصة فئة الشباب”.
“حزب الله” على صلة
وتابع أبو زينب “على مدى سنوات صعود النفوذ الإيراني في المنطقة، أغرقت أنحاء الشرق الأوسط، لا سيما دول الخليج العربي، بأقراص الكبتاغون، وضبطت شحنات متتالية آتية بحراً أو جواً أو براً من لبنان وسوريا واليمن. إلا أن التقارير الأمنية الخليجية تدل على أن المتورطين في تهريب المخدرات لهم صداقات واسعة مع شخصيات تنتمي إلى (حزب الله)، وهم يتنقلون بين لبنان وسوريا بتسهيلات خاصة وعبر معابر غير شرعية”. أضاف الصحافي أبو زينب “الدليل على ذلك أن تاجر المخدرات الشهير نوح زعيتر يتباهى دائماً بأنه جندي في (حزب الله)، وظهر سابقاً في مقاطع مصورة وصور عرضت في التلفزة اللبنانية والعالمية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، مع عصابته المسلحة في مناطق حدودية بين لبنان وسوريا مع مقاتلين للحزب مدججين بالسلاح، وأيضاً مع مسؤولين بارزين في النظام السوري”. وتابع “وبحسب مصادر خليجية مطلعة، فإن أحد الموقوفين السابقين في عملية تهريب المخدرات، ويدعى حسن دقو، اعترف بالوقوف وراء صفقة الرمان المحشو بالمخدرات الذي وصل إلى مدينة جدة في السعودية، واعترف أيضاً بأنه على علاقة جيدة مع جهات لبنانية حزبية وسورية نافذة، وأنه يدفع مبالغ كبيرة مقابل تنفيذ عمليات تهريب المخدرات”. ويطلق لقب “ملك الكبتاغون” على دقو المتهم بإدارة إمبراطورية ضخمة. وكانت وزارة الداخلية اللبنانية قد كشفت، عام 2021، أن التحقيق مع المدعو حسن محمد دقو، وهو يحمل الجنسيتين اللبنانية والسورية، قاد إلى تأكيد تورطه في تهريب أكبر شحنة مخدرات في العالم، وتقدر بنحو 94 مليون حبة كبتاغون، تم ضبطها في ماليزيا، بينما كانت في طريقها إلى السعودية.