الكولونيل شربل بركات/حادث عين الرمانة 1975 – مقطع من كتاب لبنان الذي نهوى

63

حادث عين الرمانة 1975 – مقطع من كتاب لبنان الذي نهوى
الكولونيل شربل بركات/13 نيسان/2024

لم يكد جو الفتنة يمر بعد اقل من شهرين إلا وقد افتعل حادث عين الرمانة. كان مخطط الفلسطينيين، كما قلنا سابقا للسيطرة على بيروت بكاملها ومنع الجيش من الوصول إليها، بقطع الطرق من تل الزعتر باتجاه مخيمات صبرا وشاتيلا. وكان مقاتلوا مخيمي تل الزعتر وجسر الباشا قادرين على القيام بنصف المهمة والقوى التي تسيطر على مخيمات بيروت (صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة ومار الياس) قادرة بسهولة للوصول حتى الشياح بدون اي عناء، ولكن يبقى منطقة عين الرمانة وفرن الشباك عائقا للاتصال بعناصر جسر الباشا وتل الزعتر، ولذا يجب التخلص منهما. من هنا كان التخطيط باحداث مشكل صباح 13 نيسان 1975 يطلق فيه النار على المتواجدين باستقبال الشيخ بيار والرئيس شمعون اثناء حضورهما القداس في أحدى كنائس الحي، ومن ثم وبعد أن تبدأ الفوضى والخوف، تتدخل عناصر مسلحة بمهمة محددة وواضحة لاحتلال الشارع الرئيسي والمباني المجاورة له في عين الرمانة، ثم تلحقها قوى تكمل السيطرة على فرن الشباك، ومن ثم تنتشر عناصر أخرى حتى مخيم جسر الباشا وتل الزعتر مرورا بمستديرة الشيفرولي فتكون هذه الجهة قد قطعت الطريق على اي تدخل من قبل ثكنة الفياضية أو قيادة الجيش. كان تحرك الفلسطينيين والتحضير للعملية يجري تحت ستار من السرية المطلقة ولكن حشد المقاتلين يلزمه مبرر لا يلفت الأنظار ومن هنا كان الاحتفال بيوم شهداء بلدة “الخالصة” الفلسطينية حيث تجمعت قوات فلسطينية من كافة المنظمات بكامل أسلحتها في مخيم شاتيلا للقيام باستعراض بالمناسبة، ولكن الهدف الأساسي كان تنفيذ المهمة التي تقضي بالسيطرة على هذا الممر ومن ثم دفع العناصر المحشودة لاكمال الانتشار، وقد اشترك في العرض العسكري يومها أكثر من خمسمئة مقاتل بكامل اسلحتهم كانوا استقدموا من كافة مخيمات بيروت.

تجنبا لأي اشتباك مع المسلحين الفلسطينيين كانت قوى الأمن الداخلي اللبنانية قد فرضت حظرا على مرور المسلحين الفلسطينيين داخل عين الرمانة وفرن الشباك وأعطتهم خط سير محدد في تلك الناحية يمر على بولفار كميل شمعون بين دوار الشيفروليه ودوار الصالومي ثم يتجه غربا باتجاه كنيسة مار مخايل في الشياح، وكان أقيم حاجز للدرك على مدخل عين الرمانة من الجانبين لمنع الاخلال بهذا الاتفاق وقد التزمت المنظمات بتنفيذه حتى ذلك اليوم.

فهل تكون عملية دخول البوسطة في ذلك النهار لجث النبض فقط؟ أم أنها كانت جزء من خطة بدء الانتشار خارج المنطقة الغربية والسيطرة على ممر عين الرمانة بتطويع سكانه؟ فقد كانت سيارة فيات بدون لوحات مرت صباح ذلك اليوم في عين الرمانة وأطلقت النار بشكل عشوائي ما أدى إلى مقتل جوزيف أبو عاصي وجرح ثلاثة مواطنين وقد أكملت السيارة باتجاه الشياح، وبعد اصابتها من جراء اطلاق النار عليها توقفت قبل حاجز الدرك ونزل منها ركابها ليختفوا بين الأبنية ويصلوا إلى منطقة الشياح. كانت هذه الشرارة التي جعلت سكان الحي يتحسبون لمرور اي غريب. وهكذا فقد حاول حاجز الدرك منع البوسطة من المرور ولم يقبل من فيها ذلك، وكأن مرورها مقصود لزيادة المشكل وتطويع السكان. وقد كان يجوب المنطقة المواجهة حوالي عشرين حافلة أو باص كلها عناصر مسلحة تابعة للمنظمات “عائدة” كما قيل من الاستعراض. فهل كانت مهمتهم المساندة والانتشار في أحياء أخرى؟ ولماذا لم تنفذ الخطة بكاملها؟ وهل تكون ردة فعل السكان التي قضت على كل ركاب البوسطة ولم يخرج منهم أحد ليخبر عما يجري هي ما أوقف انتشار المسلحين كونهم لم يعرفوا ما ينتظرهم؟ أو أن القيادة الفلسطينية التي أصرت على ركاب البوسطة بالدخول إل عين الرمانة هي نفسها من أمر البقية بعدم اكمال مهماتهم كونهم لم يستوعبوا ما جرى؟

من قبيل التحليل لا المعلومات لو تمت السيطرة على عين الرمانة بواسطة عناصر البوسطة ومن ثم دخول مجموعات أخرى إلى فرن الشباك والسيطرة على الطريق بين تل الزعتر والشياح فهل كان من الصعب مثلا وصل النبعة بتل الزعتر والسيطرة على الدكوانة مرة واحدة وقلب الموازين؟ فعندها يمكن بسهولة أن تقوم عناصر من النبعة التي كانت تجهزت لهذه الغاية بالسيطرة من دوار الصالومي وحتى الدورة وضهر الجمل فيتأمن ربط تل الزعتر بحي المسلخ والكرنتينا لاغلاق المدخل الشمالي لبيروت. من هنا يمكننا أن نفهم سبب التحرشات التي كانت تقوم بين تل الزعتر والدكوانة قبل تلك المدة وهي مخططة على ما يبدو لكي يرصد مستوى المقاتلين وأسلحتهم وتجهيزهم في هذه المنطقة، ومن ثم كانت عملية مهادنة الأرمن بواسطة الحزب الشيوعي الارمني من جهة وأرمن حلب الذين طلب منهم السوريون منع تدخل الأرمن اللبنانيين في اي معركة خوفا على مصالحهم وسلامتهم بعد التهديد الذي تلقوه من الأسد، كما يقول البعض بأن شخصيات أرمنية من سكان الولايات المتحدة كانت نصحت الأرمن اللبنانيين بعدم التدخل بما يجري على الساحة اللبنانية، ما أبقى الموقف الأرمني الرسمي مائعا وبدون قرار، بينما كان موقفهم الطبيعي التمسك بلبنان الدولة والدفاع عنها، وهذا ما منع على ما يبدو أرمن الدورة والمخيم من مساندة قوى الدولة فيما بعد وقطع الطريق على الفلسطينيين وأعوانهم من السيطرة على منطقة الدورة – الكرنتينا ولو أن الأرمن كأفراد ساهموا بالدفاع عن المنطقة بشكل متميز من ضمن الأحزاب والمجموعات اللبنانية.

كل ما قيل عن “حادثة” عين الرمانة مغلوط وغير مبرر. ولكن ما جرى يومها كان غير منتظر من قبل من خطط من الفلسطينيين للهجوم، فهم حاولوا دخول عين الرمانة بباص مدني لكي لا يلفتوا انتباه السكان للهجوم، وهي طريقة تعلموها أثناء التدريب في الدورات القتالية والقيادية بالصين وفيتنام والاتحاد السوفياتي، ولكنها لم تنفع كثيرا في لبنان لتغيّر ردة فعل السكان المحليين، ومن هنا استعمال البوسطة التي بقي سائقها حيا ولكنه خفي ومنع من مواجهة عناصر التحقيق خوفا من أن يفضي بالحقيقة. ثم كانت المفاجأة بأن الأهالي في عين الرمانة، وعندما لاحظوا بأن هذه العناصر مدججة بالسلاح وهي تكاد تصل إلى قلب الحي حيث ستتمكن من السيطرة عليه إذا ما ترجلت وأخذت باطلاق النار، قاموا بمواكبتها من النوافذ والشرفات. وفور توقفها ومحاولة البعض النزول منها واجههم سيل من النيران قضى عليهم ومن ثم استهدف من بقي في البوسطة ومن كان يحاول النزول منها، وهكذا فشلت الخطة لأن المجموعات التي كانت ستدخل إلى فرن الشباك وسائر الأحياء كانت تنتظر اشارة من هذه الفرقة بأنها أتمت السيطر لكي تتدخل، ولما تأخرت الاشارة كانت الحالة قد اصبحت خطرة، وقد وصلت القوى الأمنية وحرّكت قيادة الجيش بعض وحداتها فأوقفت العملية بكاملها بانتظار تعليمات جديدة.

بعد هذه العملية نزل المسلحون إلى الشوارع وبدأت عمليات ضبط مداخل الأحياء والمحافظة على حياة السكان وعدم السماح بتجول الغرباء فيها. والكل يعرف كيف تطورت الأمور بعدها ولا نريد هنا أن نفصّل كامل مراحل الحرب. ولكن المهم بأن عملية السيطرة على العاصمة من قبل المنظمات فشلت.

*اذا ما دققنا بصورة البوسطة يمكن بوضوح التأكد من أن اطلاق النار لم يكن عشوائيا بل أصاب بشكل محدد المسلحين ما يؤكد بأن اطلاق النار لم يتم إلا بعد أن حاول المسلحون النزول من البوسطة ولم تستهدف قبل ذلك.