طوني بدران/توافق البيت الأبيض والكريملن على الأسد

320

توافق البيت الأبيض والكريملن على الأسد
طوني بدران/السياسة/17 كانون الثاني/15

الاجتماع الذي تعتزم روسيا تنظيمه حول سورية بموسكو في وقت لاحق من هذا الشهر يتوقع ان يثبت فشله تماما, فالروس يعتزمون جمع اعضاء من الائتلاف الوطني السوري المعارض الى جانب “معارضين” اخرين مع النظام او ملفقين من اجل اجراء حوار عام ممثلين عن نظام الاسد. قوبل هذا التحرك الروسي بالفعل بعين الريبة في اوساط مؤيدين للمعارضة السورية, وشهدت مصادر رسمية فرنسية ان هذا التحرك مشكوك فيه, بل هو خطوة انتهازية في توقيتها, بغية الاستفادة من انشغال واشنطن بالدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش”, من اجل الدفع بمبادرة جديدة موالية للاسد بكل وضوح. وفي الوقت نفسه يأتي التحرك الروسي, كما حددته وعلقت عليه وسائل الاعلام السعودية بشكل صحيح, متوافقا مع الاجندة الروسيةالتي تهدف الى التخلص من اي فكرة انتقال للسلطة بعيدا عن الاسد. بالاضافة الى ذلك, كان هناك اجتماع عام على ان المناورة الروسية تهدف ايضا الى تقسيم المعارضة واضعافها وهكذا, يوم الاثنين, قرر خالد خوجة, رئيس الائتلاف الوطني المنتخب حديثا عدم مشاركة مجموعته في الاجتماع الذي ترعاه روسيا. ولكن أين حليف باريس الاميركي من كل هذا? بعيدا عن تسجيل اعتراضها على مكائد روسيا, هناك الكثير مما يوحي بأن واشنطن هي اليوم بالنسبة لقضية سورية اقرب في الواقع الى موسكو مما هي عليه عادة, فأولويات البيت الابيض المعلنة في سورية تتوافق بشكل متزايد مع روسيا وايران. وصفت مصادر ديبلوماسية غربية في باريس الموقف الاميركي من المبادرة الروسية بالموقف “المحايد”, فعدم وجود موقف اميركي واضح تجاه مبادرة تقدم بها احد الاطراف التي تدعم الاسد امر سيء بما فيه الكفاية, ولكن في الحقيقة, فان موقف البيت الابيض الذي يبدو سلبيا يأتي في الواقع الى حد ما جراء وجود قواسم مشتركة مع الكريملن. بالعودة الى مؤتمر جنيف الثاني المشؤوم حيث جلبت المعارضة والنظام معا لبدء محادثات بشأن كيفية تسوية النزاع, فقد كان هدف الروس اعادة تعريف القضية السورية باعتبارها قضية “مكافحة ارهاب” وفي هذا الاطار تسعى موسكو لاعادة تأهيل نظام الاسد كشريك في الحرب على الارهاب.

محاربة جماعات مثل “داعش” تعتبر اولوية قصوى يتمسك بها الروس, وهي تحتاج الى ان يتم ذلك بالتعاون مع الاسد. روسيا تريد فرض هذه الاولوية على المحادثات السياسية التي ترغب في رعايتها, وبالتالي اعادة تعريف هدفها في مصلحة الاسد, ونص الدعوة الروسية لشخصيات سورية يذكر صراحة هذه النقطة, حيث تقول الدعوة ان هدفها يتمثل في توحيد الجهود لمكافحة الارهابيين والمتطرفين. “المعارض” هيثم مناع, من هيئة التنسيق الوطنية الاشكالية, واحد المدعوين الى موسكو, اكد هذه الاجندة في مقابلة اجريت معه, مرددا النقاط التي تتحدث عنها روسيا والنظام, قال مناع لتلفزيون الميادين الموالي لايران وللنظام السوري: “ما هو اساس الحل السياسي? اولا, محاربة الارهاب”.

الامر الجدي, في هذه الاولويات الروسية هو مدى توافقها مع نقاط محادثات البيت الابيض, وخصوصا في مرحلة ما بعد جنيف, وفي غير ذلك فان هذا المؤتمر لن يذهب الى اي مكان, فقد تحول تركيز الولايات المتحدة على مكافحة الارهاب ووقف الاعمال العدائية على الصعيد الانساني. وما جاء في بيان نهاية العام الذي نشر على صفحة “الفيسبوك” الخاصة بالسفارة الاميركية في دمشق, يوضح تماما هذا التحول. فالبيان يحدد دور الولايات المتحدة في الجهود الرائدة “لتلبية الاحتياجات الانسانية, والحاق الهزيمة بداعش وتشجيع التواصل الى حل سلمي للصراع” لا شيء حول تنحية الاسد. روسيا ايضا, تستخدم حجة المساعدات الانسانية, كما اعربت عن دعمها لخطة “التجميد” الاشكالية التي اقترحها مبعوث الامم المتحدة للسلام ستيفان دي ميستورا. كما وضحنا, فإن البيت الابيض وضع نقاط حوار مماثلة تتعلق بالحاجة الى “وقف التصعيد” في سورية. التقرير الذي صدر عن مسؤولين كبار في البيت الابيض مثل روبرت مالي, في لقائه مع الصحافي المثير للجدل نير روزن الذي وزع ورقة مؤيدة للاسد فيها الكثير من التشابه مع خطة دي ميستورا, يؤكد ما ذهبنا اليه في هذا الجدل. ان تركيز البيت الابيض على “وقف التصعيد”, فيه الكثير من خطة دي ميستورا الخاصة ب¯”التجميد” ووضع اي نقاش حول الاسد على الرف. هناك اسئلة اضافية حول الضغط الاميركي المحتمل على الائتلاف الوطني لحضور محادثات موسكو, كما هو نقل احد المساهمين في “ناو” حسين عبدالحسين يوم الثلاثاء. وهذا الادعاء يتوافق مع ما ذكرته مصادر ديبلوماسية غربية لصحيفة “الحياة” حين كشفت ان الولايات المتحدة تشجع الجهود المصرية للحصول على توافق بين الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق في موقف موحد يمكنهما الذهاب به الى موسكو. ان دعم الولايات المتحدة لذلك المسعى في القاهرة هو في حد ذاته مشكلة. في المقابل, نحن نعلم ان البيت الابيض حاول دفع الرياض نحو تسوية مع طهران وموسكو حول سورية. وقال الرئيس اوباما في نوفمبر الماضي بصراحة “على مختلف الاطراف الفاعلة المعنية, فضلا عن اللاعبين الاقليميين, تركيا وايران ورعاة الاسد مثل روسيا ان يدخلوا في حوار سياسي”. بعبارة اخرى, فإن البيت الابيض كان بالكاد محايدا عندما يتعلق الامر بداعمي الاسد, اي روسيا وايران, فطوال فترة الصراع السوري, وجدت ادارة اوباما نفسها مرارا وتكرارا الى جانب الروس والايرانيين ضد حلفائها التقليديين. واليوم, أولويات واشنطن تتركز على مكافحة الارهاب و”وقف التصعيد” في الصراع مع الاسد, وذلك يجعلها تسير اكثر من اي وقت مضى بمحاذاة موسكو وطهران بشكل وثيق.

زميل باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات عن “ريال كريل وورلد”