سوسن مهنا: هل تمكنت واشنطن وتل أبيب من فكفكة الخلايا الإيرانية في سوريا والعراق؟….قرار طهران سحب كبار ضباطها مدفوع جزئياً بحرصها على ألا تنجر إلى صراع يحتدم في أنحاء الشرق الأوسط

45

هل تمكنت واشنطن وتل أبيب من فكفكة الخلايا الإيرانية في سوريا والعراق؟…. قرار طهران سحب كبار ضباطها “مدفوع جزئياً بحرصها على ألا تنجر إلى صراع يحتدم في أنحاء الشرق الأوسط”
سوسن مهنا/انديبندت عربية/19 شباط/2024
في بداية شهر فبراير (شباط) الجاري نقلت وكالة “رويترز” عمن وصفتها بمصادر مطلعة قولها إن الحرس الثوري الإيراني “قلص نشر كبار ضباطه في سوريا، بسبب سلسلة ضربات إسرائيلية”، وأنه “سيعتمد أكثر على فصائل شيعية متحالفة مع طهران للحفاظ على نفوذه هناك”. وفي حين يطالب أغلب المحافظين المتشددين في طهران بـ”الثأر”، فإن قرار إيران سحب كبار الضباط “مدفوع جزئياً بحرصها على ألا تنجر إلى صراع يحتدم في أنحاء الشرق الأوسط”، وفقاً لـ “رويترز”. إلا أن الوكالة أضافت نقلاً عن المصادر عينها قولها إن إيران “ليست لديها نية للانسحاب من سوريا”، وهي جزء أساسي من دائرة نفوذها، وعلى رغم ذلك، فإن إعادة التفكير الإيرانية تسلط الضوء على كيفية تكشف العواقب الإقليمية للحرب التي أشعلها هجوم حركة “حماس” على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وأشارت الوكالة نقلاً عن مسؤول أمني إقليمي رفيع، إلى أنه أُبلغ من قبل طهران بأن ضباطاً إيرانيين كباراً تركوا سوريا سوية مع عشرات الضباط برتب متوسطة ووصف بأن هذا تقليص لتواجد القوات. ولم يقدم تفاصيل عن عدد الضباط الإيرانيين الذين يدور الحديث حولهم. في حين قالت مصادر أخرى إن “الحرس الثوري” سيبقى حاضراً في المشهد السوري، على أن يدير ويوجه تلك العمليات عن بعد بمساعدة من “حزب الله”، وأن السلطات الإيرانية لا ترى تأثيراً على نشاط قواتها العام في سوريا، كجزء من تقليص تواجدها هناك.
في المقابل، نفى مصدر أمني سوري لشبكة “روسيا اليوم” للأنباء، ما يُثار حول تقليص عدد المستشارين العسكريين الإيرانيين في سوريا، مشيراً إلى تعديلات روتينية لعائلاتهم، واصفاً الوجود الإيراني في سوريا بالشرعي.
وفي تزامن لافت أعلنت “كتائب حزب الله” العراقية تعليق نشاطاتها ضد القوات الأميركية في المنطقة، بعد تهديدات واشنطن لهم على خلفية مقتل ثلاثة جنود أميركيين وإصابة أكثر من 40 آخرين في الهجوم الذي نفذته طائرات من دون طيار على قاعدة عسكرية أميركية تُعرف بـ”البرج 22″ في منطقة الركبان بمديرية الرويشد، شمال شرقي الأردن قرب الحدود السورية، في 29 يناير (كانون الثاني) الماضي. وكان مسؤولون أميركيون أفادوا شبكة “سي أن أن”، بأن الولايات المتحدة بدأت بشن ضربات “انتقامية” على أهداف لميليشيات مدعومة من إيران في العراق وسوريا. وأضاف المسؤولون حينها أن هذه الضربات تشكل “بداية لما سيكون على الأرجح سلسلة من الضربات الأميركية واسعة النطاق على الميليشيات التي نفذت هجمات على القوات الأميركية في الشرق الأوسط”. بدوره كان الرئيس الأميركي جو بايدن قد تعهد بالرد على الحادث، وقال إن إدارته تجمع المزيد من المعلومات حول الهجوم، موجهاً أصابع الاتهام مباشرة إلى الجماعات المسلحة المتطرفة الموجودة في سوريا والعراق والمدعومة من إيران. كما صرح وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، “لن نتسامح أنا والرئيس بايدن مع الهجمات على قواتنا، وسنتخذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن أنفسنا”. وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلت عن مسؤوليين أميركيين أن الولايات المتحدة تدرس توجيه ضربات ضد الفصائل المسلحة في العراق وسوريا وإيران. وقلل المسؤولون من احتمالات القيام برد عسكري أميركي على الأراضي الإيرانية.
فكفكة الخلايا الإيرانية
وتعرض “الحرس الثوري” لضربات عدة في سوريا، وصِفت بـ “الموجعة”، بعد سلسلة اغتيالات طاولت قادة من “الحرس”، عرّفوا عنهم بأنهم كانوا من فريق عمل القائد السابق لـ”فيلق القدس” قاسم سليماني والذي قُتل بغارة أميركية أيضاً، أوائل يناير (كانون الثاني) في عام 2020. ويشير مراقبون إلى أنه يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان بشكل حثيث على فكفكة الخلايا الإيرانية في المنطقة. واتهمت إيران إسرائيل باغتيال أربعة من مستشاري “الحرس” في الغارة الجوية التي وقعت في حي المزة بالعاصمة السورية دمشق، في يناير الماضي، وتوعدت بالرد “في الوقت والمكان المناسبين”. ونشر “الحرس الثوري” أسماء المستشارين الأربعة الذين قُتلوا على الفور وهم حجة الله أميدوار، ويعرف أيضاً بـ “أميد زادة”، واسمه الحركي “حاج صادق”، ويتولى منصب قائد استخبارات “فيلق القدس” التابع لـ “الحرس الثوري”، وفقاً لموقع “انتخاب” الإيراني، وعلي آقازاده، وحسين محمدي، وسعيد كريمي. جاءت تلك العملية بعد 25 يوماً من غارة مماثلة استهدفت مبنى في منطقة السيدة زينب بريف دمشق، وأسفرت عن مقتل المستشار العسكري البارز في “فيلق القدس” والمسؤول عن تنسيق القوات الوكيلة لإيران في سوريا ونقل الأسلحة الإيرانية عبر سوريا إلى لبنان رضا موسوي. وفي ردود الفعل على عملية اغتيال المستشارين الأربعة قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إن طهران “لن تترك الجريمة الإسرائيلية من دون رد”، مضيفاً أن “جريمة الكيان الصهيوني خرق للمقررات الدولية وتمت بدعم قوى الاستكبار ومنها واشنطن”. أيضاً وفي عملية اغتيال نوعية أخرى، استهدفت غارة أميركية في التاسع من فبراير الجاري، سيارة أحد قادة “كتائب حزب الله” العراقي، المدعو أبو باقر الساعدي، وهو أبرز قيادي في “الحشد الشعبي” يُغتال منذ مقتل أبو مهدي المهندس. وذكرت تقارير صحافية أن “عمل الساعدي يندرج في السياق الإيراني أكثر من دوره العراقي، فهو مسؤول التشكيلات في سوريا والمسؤول عن سلاح المسيرات والصواريخ في سوريا والعراق. وبالتالي، مسؤول عن العمليات التي تُشن ضد مواقع ومصالح أميركية”.
إيران البراغماتية تسعى إلى “حل سياسي”
بالتوازي مع تلك المعطيات، برزت تصريحات وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان خلال زيارته إلى بيروت في 10 فبراير، إذ قال إن “إيران ولبنان يؤكدان أن الحرب ليست الحل، وأننا لم نسع قط إلى توسيعها”، مشيراً في تصريح آخر إلى أنه “خلال هذه الحرب وفي الأسابيع القليلة الماضية، حدث تبادل للرسائل بين إيران وأميركا”. وإن واشنطن دعت طهران لأن تطالب “حزب الله” بعدم الانخراط على نطاق واسع وكامل في هذه الحرب ضد إسرائيل.
في هذا الصدد، يشير مطلعون إلى أن إيران وعلى رغم خسارتها لشخصيات وكوادر أساسية في المنطقة، إلا أنها لن ترد بشكل يؤدي إلى تصعيد المواجهات، وبالتالي الدخول في حرب إقليمية. ذلك أنه معلوم أن النظام في طهران يتمتع ببراغماتية تدفعه إلى قبول الخسائر، مقابل تعزيز نفوذه ومكتسباته السياسية، ووصوله بالتالي إلى اتفاقات يتمكن من خلالها تمرير شروطه، ولو أتى ذلك على حساب أبناء الإقليم وأوطانهم.
فهل تمكن الأميركيون والإسرائيليون من فكفكة خلايا إيران في سوريا والعراق، بعد سلسلة الضربات والاغتيالات؟
“الاغتيالات لم تؤثر على عمل قوة القدس”
يشير الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الإيرانية، محمد شمص، في حديث لـ “اندبندنت عربية”، إلى أن “اغتيال السيد رضا الموسوي وبعض المستشارين العسكريين الإيرانيين في سوريا، لم يؤثر في عمل قوة القدس في الحرس الثوري بدليل أن اغتيال قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني قبل سنوات لم يؤثر في عمل هذه القوة بل ازداد نشاطها وفعاليتها”. ويضيف شمص “إننا نتعامل مع مؤسسات وليس أفراداً، فكلما اغتيل مسؤول ينوب عنه آخر، وهناك ملفات يستمر العمل بها. وبالتالي الاغتيالات التي قام بها الإسرائيليون والأميركيون لعناصر من الحرس في سوريا وغيرها، لم ولن تؤثر في عمل قوة القدس بأي شكل من الأشكال. وبطبيعة الحال الوجود العسكري الإيراني في سوريا هو وجود استشاري، حيث لا توجد مقرات ومراكز عسكرية إيرانية هناك، إنما مستشارون عسكريون وعددهم محدود جداً، ومنذ ما بعد نهاية الحرب السورية، وهم موجودون بطلب من الحكومة السورية كما هو معلوم”. ويردف الباحث شمص أن “طبيعة عمل هؤلاء، كونها استشارية، لن تؤثر في موازين القوى ومعادلات الردع وقواعد الاشتباك وغير ذلك، بما أنه لا توجد مقرات ومراكز عسكرية، فالحديث الأميركي والإسرائيلي عن قصف مراكز إيرانية مغالطة كبيرة وليس واقعياً، بل أنهم يستهدفون الجيش السوري وبعض القوى والفصائل الموالية لإيران تسمى (أصدقاء الجيش السوري) أو حلفائه، أو القوات الرديفة”. ويتابع أن “هناك اجراءات اتُخذت وهذه الاستهدافات لم تكن مثمرة ولم تؤدِ إلى النتائج كما كان يرجوها الأميركي، لأنها لن تغير في المعادلات شيئاً”.
من جهة أخرى، قال أستاذ العلاقات الدولية خالد العزي إن “إيران بتوتيرها الأوضاع العسكرية في المنطقة، لم تتمكن من إرغام الولايات المتحدة للخضوع للشروط التي تخدم أجندتها التفاوضية في شأن نفوذها ودورها بالمنطقة. ومنذ اندلاع عملية طوفان الأقصى حاولت واشنطن إبعاد طهران عن مسرح التصعيد، وعدم تحريك أذرعها وتعرضها للمصالح الأميركية. لأن أميركا أرسلت من اللحظة الأولى رسائل للعالم كله بأن الهدف من نشر حاملات طائراتها في البحر المتوسط والبحر الأحمر هو الدفاع عن مصالحها ونفوذها، التي لا تسمح لأحد مهما كانت الظروف بالعبث بهما. لكن بعد عملية ضرب “البرج 22” المميتة للجنود الأميركيين والتي شكلت صفعة قوية للدولة الأميركية العميقة من حيث تشبه أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وخرق لقواعد الاشتباك الأميركي- الإيراني المعمول به مع أذرع “الحرس الثوري” أي تحريم الدم الأميركي. وتأتي هذه الضربة بظل دافع عراقي لإخراج الولايات المتحدة من العراق بدوافع إيرانية وروسية. ومن هنا كانت إيران تحاول استخدام الحوثي لضرب طرق الممرات المائية وإجبار الولايات المتحدة على الرضوخ لشروطها وفرضها كعنصر أساس في التسوية المقبلة للشرق الأوسط. لكن الولايات المتحدة لم ترضخ لهذه الشروط بل كانت ترى أن حرب غزة حرب متفق عليها بتغيير قواعد الاشتباك مع الأذرع، وليس منعها بل منع آلياتها المستخدمة من قبل الجيش الإسرائيلي”.
“الرد الإيراني إما مباشر أو عبر محور المقاومة”
عن الرد الإيراني يقول الباحث محمد شمص “إن الرد مفتوح وفي كافة الجوانب، لأنها حرب مفتوحة بين أميركا وإيران ومنذ انتصار الثورة في عام 1979. في المجالات العسكرية وقعت صدامات بينهما في أكثر من مرحلة ومحطة، وفي المجال الأمني هناك صراع نفوذ وعمليات أمنية متبادلة بين الإيراني والإسرائيلي، وفي المجال الاقتصادي هناك حرب وحصار اقتصادي أميركي على إيران، وهناك أيضاً صراع سياسي وإعلامي وغير ذلك. وبالتالي سيكون الرد الإيراني في كافة هذه الميادين وفي كافة ساحات الاشتباك، والردود عادةً إما تكون مباشرة أو من خلال الحلفاء أو ما يُعرف بـ (محور المقاومة)، الذي يقوم بدوره، كل جبهة بحسب ظروفها وبحسب شروط البلد التي يتواجد فيها”. ويستدرك شمص قائلاً إن “إيران لطالما استهدفت سفناً أميركية، واعتقل الحرس الثوري بحارة أميركيين وبريطانيين خالفوا القوانين الدولية. أيضاً هناك حرب معلومات واستخبارات، والأهم من ذلك، أن إيران ستواصل العمل وسترفع مستوى تزويد دول وحركات وجيوش محور المقاومة بالأسلحة المتقدمة والنوعية الكاسرة للتوازن”.
“تأديب النظام وليس اقتلاعه”
من ناحيته، يشير الأستاذ الجامعي خالد العزي إلى أن “المصالح الايرانية باتت بخطر، بخاصة بعد التهديد الأميركي بضرب إيران، وحاملات الطائرات والبوارج باتت في باب المندب والخليج العربي والبحر الأحمر وعلى مسافة قريبة جداً من إيران. ويمكن فهم ما يحصل بأن بايدن جدي في مسألة توجيه ضربة ضد إيران”. ويضيف العزي أنه “لا بد من القول إن الدولة العميقة وبعد ضربة البرج 22 أحست بأن هيبتها انهارت وأصبح المطلوب توجيه ضربة قاسية للفاعلين. ومن هنا كانت تحذيرات أميركا بأنها سترد بغض النظر عن استفادة الجمهوريين أو الديمقراطيين في توظيف الحملة العسكرية ضد الأذرع الإيرانية”. ويستدرك العزي قائلاً “لكن إذا حاولنا تتبع خطابات الإدارات الأميركية السابقة في التعامل مع إيران منذ 45 سنة، فإنهم يجمعون على تهذيب سلوك إيران وليس اقتلاع النظام الإيراني. وهذا يعني بأن إبعاد إيران عن المواجهة يؤكد بأن أميركا لا تريد اقتلاع النظام بل تأديبه، من خلال تقليم أظافر الأذرع، وإنهاء وجودها عبر صفقة تتم بين طهران وواشنطن”.