د. توفيق هندي/قراءة في «العمق» الإيراني الأميركي.. طبول الحرب الشاملة لن تقرع بين «حزب الله» وإسرائيل

194

قراءة في «العمق» الإيراني الأميركي.. طبول الحرب الشاملة لن تقرع بين «حزب الله» وإسرائيل!
د. توفيق هندي/جنوبية/30 كانون الثاني/2024

لا حرب شاملة بين “حزب الله” وإسرائيل. لماذا؟ لا “حزب الله” في وارد شّن مثل هذه الحرب، ولا إسرائيل قادرة على شّنها.
أولاً، لماذا “حزب الله” ليس بوارد شّن مثل هذه الحرب؟
إن الحزب هو المكوّن الرئيسي ل”فيلق القدس” و”محور المقاومة”، كما أن أمينه العام، السيد حسن نصر الله هو القائد غير المعلن للفيلق والمحور بعد مقتل قاسم سليماني. فعلاقته عضوية بالجمهورية الإسلامية في إيران، ويخضع طبيعياً لتوجيهات مرشد الجمهورية، علي خامنئي.
منذ بضعة أشهر، بات المحور يطلق على إسرائيل تسمية “الكيان المؤقت”، تدليلاً على أن ساعة نهايته قد دنت. لمن يتابع بدقة تحاليله الإستراتيجية، وليس فقط تصاريح أركانه. فالتصاريح قد تكون وظيفتها تضليل العدو، أو رفع مستوى التأييد الشعبي، أو رفع معنويات الشعب، أو أهداف دعائية، او ديبلوماسية، أو غيرها…
بحوزة المحور، ترسانة ضخمة جداً من الصواريخ والمسيّرات المتنوعة، المتطورة وعالية الجودة والدقة والرخيصة، طوّرتها إيران على مدى عشرات السنين، وهي منتشرة في العراق وسوريا ولبنان والقطاع والضفة واليمن، وبالتالي “تُزَّنِر” إسرائيل.
بالمطلق، الجيش الإسرائيلي من أقوى جيوش العالم، وإسرائيل تمتلك ترسانة نووية ذات شأن، وإن لم تصرّح عنها. في المقابل، إيران لا تمتلك القنبلة النووية. نظرياً، يمكن لإسرائيل أن تتغلّب على أعدائها مجتمعين بحرب حاسمة، لو كانت الحرب حرباً كلاسيكية تخاض بين دول، مثل حرب 1967 وحرب 1973، على خلاف الحرب التي تخوضها ضد مكّونات “محور المقاومة”.. “الإستشهادية”.
يتضح يوماً بعد يوم، أن “محور المقاومة” التي ترأسه طهران، والتي في يدها قرار الحرب (بالرغم من نفيها لذلك).أما “حزب الله”، فهو الشريك في صياغة قرار الحرب ومديرها العملاني، وذلك نتيجة علاقته العضوية بالجمهورية الإسلامية في إيران. كما أنه من الواضح أن “محور المقاومة” لا يريد الدخول في حرب شاملة مرتفعة الوتيرة، لكونه يدرك أنها قد تقود، بالرغم من قدرته على إزالة إسرائيل من الوجود، إلى إصابة طهران بصاروخ ذات رأس نووي إسرائيلي، ينطلق من إحدى الغّواصات الإسرائيلية الثلاث، وذلك حتى في حال دُمِرت إسرائيل من خلال شتاء الصواريخ والمسيرات دفعة واحدة، منطلقة من كافة بلدان المحور.
كما بات واضحاً، أن هدف المحور هو إجبار إسرائيل على إيقاف حربها على غزة، بالتزامن مع منعها من القضاء على “حماس”. إن هذه النتيجة من وجهة نظره، إذا تحققت، كفيلة بدفع العديد من الإسرائيليين إلى الهجرة المعاكسة، لأنهم سوف يشعرون حينها أن الدولة الإسرائيلية، لا تؤّمن لهم الأمن والأمان والعيش الكريم، ربطا،ً بتخوفهم بأن تعيد حماس الكّرة في مرحلة لاحقة. وهكذا، يكون “محور المقاومة” حقق هدفه بإزالة “الكيان المؤقت” (على حد تعبيره) على مراحل، أي كما قال السيد حسن نصر الله في أحد خطبه، بأن إسرائيل سوف تُهزم بالنقاط وليس بالضربة القاضية.
من هنا، نفهم لماذا ربط السيد نصر الله “تحرير” ما تبقى من الأراضي اللبنانية، التي لا تزال تحتلها إسرائيل، بإيقاف الحرب على غزة (أي عند تحقيق هدفه، كما أسلفنا)، تاركاً إبهاماً متعمداً على إمكانية “التفاوض” حينها، كمنتصر في الحرب، لإيهام واشنطن وغيرها، بإمكانية فتح باب التفاوض، كما لإراحة “المسؤولين” في الدولة اللبنانية، في إدارة اللعبة السياسية لحسابه مع الخارج.
ثانياً، لماذا إسرائيل غير قادرة على شّن هكذا حرب؟
تبعث إسرائيل رسائل مباشرة، من خلال التصاريح النارية لمسؤوليها السياسيين (نتانياهو، وغالانت وبن غافير وشولمتز وغيرهم من الصقور) والعسكريين والأمنيين، كما بواسطة واشنطن وباريس وعدد وفير من المسؤولين الغربيين، الذين يتوافدون إلى لبنان للتحذير والتلويح، بأن إسرائيل قد تكون على حافة إتخاذ قرار حرب مدمرة على لبنان، إذا لن يذعن “حزب الله” لتنفيذ القرار 1701، ويتراجع إلى شمال نهر الليطاني. وهم يضغطون ويطرحون الحلول على المسؤولين (غير المسؤولين!) في شبه الدولة اللبنانية، لإيصالها إلى صاحب القرار، أي “حزب الله”.
الهدف من هذه الرسائل، هي دفع “حزب الله” إلى القبول بشروط إسرائيل، لوقف الحرب ذات الوتيرة المنخفضة حتى الساعة، ولكن المتصاعدة يوماً بعد يوم، على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وذلك بإبراز “جدية” المستوى العسكري، في نقل قسم هام من الجيش الإسرائيلي، من جبهة غزة إلى الجبهة اللبنانية، للتصدي له من خلال حرب متوسطة الوتيرة، لا ترقى إلى حرب شاملة، في مرحلة أولى، قد تتطور إلى حرب شاملة في مرحلة لاحقة.
أما إدارة جو بايدن، فهي واقعة بحيرة من أمرها. فهي من جهة، تدعم إسرائيل عسكرياً ومالياً إلى أقصى الحدود بهدف “القضاء على حماس” (وهو ما ليس لإسرائيل القدرة على تحقيقه)، ومن جهة أخرى، لا يجارون قيادة إسرائيل بتهوّرها الذي يؤدي عملياً إلى توّسُع الحرب، ودفع واشنطن إلى دخولها في مواجهة، قد تتطور إلى مواجهة مباشرة مع إيران، لا ترى فيها مصلحة لها، كما تهدد مواقعها العسكرية في سوريا والعراق، ومصالحها الإقتصادية في البحر الأحمر.
كما أن رفض إسرائيل لطروحات “اليوم التالي” الأميركية، و”حل الدولتين” التي تقترحه إدارة بايدن، يحرجها تجاه حلفائها العرب كافة، ويلحق الضرر بصدقية أميركا تجاههم، كما بمصالحها الإستراتيجية معهم.
وبالإضافة إلى كل هذا الضرر، فإن تناقض سياسة إدراة بايدن ، يضعها في مرمى مزايدات الجمهوريين، ولا شك أنه يلحق الضرر الجسيم في مصلحة بايدن الإنتخابية، الذي يخسر الأصوات من الجهتين المؤيدة لإسرائيل والمعادية لها.
لذا، اليوم تبدو واشنطن أقرب إلى وقف الحرب، عبر التوصل في البداية إلى إتفاق بين إسرائيل و”حماس” عبر الوسيطين المصري والقطري، شكلاً لتبادل الأسرى، وفعلاً للتوّصل إلى وقف الحرب، ولو في نهاية المرحلة الثالثة لهذه العملية.
أما إسرائيل، فبالرغم من مواقف المتشدّدين في الحكومة الإسرائيلية، والمزيدات بين أطرافها وتناقضاتهم مع المعارضة الإسرائيلية، والتناقضات بين القيادات العسكرية والأمنية من جهة، والقيادات السياسية المتطرفة من جهة أخرى، فلن تقدم على شّن حرب مدمرة على “حزب الله” ولبنان، لأنه حتى في حال أقدمت على مثل هذه الحرب، يمكن للحزب أن يمطر إسرائيل بصواريخه ومسيراته، وأن يلحق بها الأذى البليغ، علماً أن طاقاته العسكرية تفوق أضعاف أضعاف طاقات “حماس”، فضلا” عن دخول كل “محور المقاومة” حينذاك، بقّضه وقضيضه، في حرب شاملة تقضي على إسرائيل بالضربة القاضية، بالرغم من مخاطره على طهران.
بالخلاصة، برأيي المتواضع، سوف نشهد نهاية هذه الحرب، في مرحلة زمنية أقصاها أربعة