د. محمد الموسوي/ التدخلات الإيرانية… من منطلق الضعف أو القوة؟

319

التدخلات الإيرانية… من منطلق الضعف أو القوة؟
د. محمد الموسوي/السياسة
15 كانون الثاني/15

تزامنا مع المفاوضات النووية بين النظام الإيراني مع الدول الخمس + واحد وبعد إزاحة المالكي عن السلطة, أخذت تدخلات النظام الإيراني في العراق وباقي الدول بالمنطقة, أبعادا غير مسبوقة وعلنية في الوقت ذاته حيث أعلن ويعلن النظام الإيراني ومسؤولوه, وبكل صراحة وتبجح, تدخلاتهم في الشؤون الداخلية لدول المنطقة منها العراق ولبنان واليمن وسورية, وبالغوا وتمادوا في تبجحهم ومازالوا فلا يمر يوم إلا وأشاروا فيه إلى جرائمهم تلك, ففي آخر نموذج لهذه التبجحات نشرت وكالة أنباء “فارس” التابعة للحرس الثوري الإيراني في 30 ديسمبر الماضي”أكد الجنرال حسين سلامي نائب قوات حرس للثورة الإسلامية أن ما نشاهده من تغيير في موازين القوى بالمنطقة يصب في مصلحة الثورة الإيرانية الإسلامية” وقد نقلت الوكالة عن سلامي قوله أن: “لدى الثورة الإسلامية علاقات وثيقة مع العراق وأنه عندما تتشكل القوى الشعبية فيه. ويقصد على غرار القوى الشعبية في نظامه المسماة “البسيج” ونسخة منها وبتشكيل هذه القوى فأنها ستكون متضاعفة بالمقارنة ب¯ “حزب الله” اللبناني. واضاف: “أن فكرة تشكيل القوى الشعبية في سورية أتت من فكرة وقيم الثورة الإيرانية الإسلامية, وأن ما تفعله قوات “أنصار الله” في اليمن هو ما يفعله “حزب الله” في لبنان من أعمال كونهم قلدوا قيم الثورة الإسلامية”.

وأكد احد قادة الحرس في وقت سابق أن إيران تستحوذ وتهيمن على أربع عواصم عربية, أي كل من بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء, والهدف مما يطلقونه من الدعايات الصاخبة القاضية بأن قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” التابع للنظام الإيراني هو الذي يشرف على الأوضاع في العراق كرسالة موجهة يوحون من خلالها بأن إيران تعزز قدراتها وأدوارها المتعددة, أي أنها أصحبت أقوى رغم ما مر بالشرق الأوسط من تطورات في الآونة الأخيرة, وعلى ضوء هذه الرسالة الموجهة يجب اعتبار النظام لاعبا اساسيا في صياغة المعادلات بالمنطقة, وفي الحقيقة انه لو تمعنا بدقة في تفاصيل اوضاع النظام بمعزل عن الفرص المهداة اليه من المجتمع الدولي في اطار المساومة والابتزاز المتبع في مفاوضات الطرفين لوجدنا ان كل الادوار المكشوفة التي يؤديها النظام في سورية والعراق واليمن ولبنان وفلسطين والخليج ما هي الا هروبا إلى الأمام وهذا هو نهجه سرقته للثورة وقفزه إلى السلطة عام 1979. الواقع يخالف ذلك تماما, وخير دليل ما أدلى به علي شمخاني, أمين مجلس الأمن القومي للنظام الإيراني من تصريحات في مراسم تشييع حميد تقوي قائد “فيلق رمضان” في الحرس الذي قتل في 29 ديسمبر الماضي في العراق اذ قال: “مروجو الإشاعات الذين في قلوبهم مرض يشيعون هذه الأيام سؤالا أنه ما العلاقة بين مدينة سامراء وحميد تقوي وما العلاقة بيننا وبين ما يجري في كل من العراق وسورية”, ووفق وكالة “أنباء فارس” فقد صرح شمخاني في هذا الشأن قائلا: “الجواب عن هذا السؤال واضح, إذا لم يدفع أمثال تقوي دماءهم في العراق فعلينا أن ندفع دماءنا في مدن سيستان اذربيجان وشيراز وإصفهان” مشددا: “يدفع, تقوي وأمثاله اليوم دماءهم لان لا بد لنا من أن ندافع في العراق وندفع دماءنا هناك بدلا من أن ندفع دماءنا في طهران” ويعني بذلك أنها حرب استباقية لحماية نظامهم المنهار داخليا, والمهدد بالزوال هو وشخوصه خصوصاً في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية اقليميا ودوليا, ويشن النظام حربه الاستباقية هذه على حساب شعوب المنطقة واستنزافا لاموال الشعب الايراني الذي يعاني الفقر الشديد بسبب تلك السياسة الاستبدادية الهوجاء.

تتضح من هذه التصريحات ثقافة انتهجها وقام عليها النظام الإيراني في المنطقة منذ وصول الخميني إلى السلطة حتى اليوم, إذ أكد الخميني أن الحرب نعمة واليوم يؤكد المسؤولون في هذا النظام أن فقدانهم خوزستان وهي محافظة جنوب إيران أفضل من فقدانهم سورية لان في حالة فقدانهم ل¯ خوزستان يبقى النظام ويستمر في السلطة لكن في حالة إسقاط نظام الأسد فإن في ذلك سقوطا حتميا للنظام الإيراني. الحقيقة هي أن النظام الإيراني الذي لا يستوعب حكم القرن الحادي والعشرين في أمس الحاجة إلى التدخل في دول المنطقة كصانع أزمات من أجل بقائه ليتمكن ومن خلال ذلك من التغطية على أزماته الداخلية, وااليوم ونتيجة العقوبات الدولية ورغم عدم صرامتها احيانا الا انه وبسببها أصبح الاقتصاد الإيراني على وشك افلاس تام (خصوصاً في ظل انخفاض سعر النفط إلى نصف ما كان عليه سابقا مما خلق ازمات داخلية شديدة كتضاعف سعر الخبز وهو الغذاء الرئيسي أو النزر الميسور للإيرانيين) إضافة الى تنفيذه لأكثر من ألف إعدام خلال العام الحالي, وقد بلغ الصراع القائم على السلطة بين كل من الخامنئي ورفسنجاني ذروته وفقد مواطئ قدمه في العراق عقب ازاحة المالكي عن السلطة حيث بدأ العراق ينفتح على دول المنطقة والعالم بما لا يروق له لذلك حاول النظام ومن خلال تقديمه دعوات متتالية لوزراء ومسؤولين عراقيين لزيارة طهران, ان يضع عراقيل في هذا الطريق ويوحي بأنه يسيطر على الحكومة الجديدة وقد يحتاج النظام الى ازمات عدة داخل العراق ك¯ “داعش” وغيره تتماشى مع توجهاته موفرة الاسباب لادامة هيمنته على العراق, إلا أن النظام وببساطة شديدة متجه الى صناعة الازمات وافتعالها وتضخيم اجوائها بسبب ضعفه وسعيه إلى البقاء في السلطة وسعيه ومساومته ليكون بإمكانه وبتنازلات غربية واقليمية جزءا من المعادلات الدولية. ويتضح للمتابعين وبشكل جلي من خلال ما أدلى به شمخاني من تصريحات أن هدف النظام الإيراني من الحرب في العراق ليس التصدي ل¯ “داعش” الذي يوفر له اسباب الازمات ومبررات الوجود ولا لحماية للمراقد المقدسة وإنما ذلك يهدف إلى وقاية النظام من تبعات العزلة الدولية والانتفاضة الداخلية وإنقاذه أخيرا من الانهيار. أثبت التاريخ أن الحل في مواجهة هكذا نظام لا يكمن في المساومة وإنما في الوقوف بوجهه وابداء قدر عال من الصرامة تجاهه وإضعاف خياراته وبعبارة أخرى اذا أردتم أن يوقف النظام الإيراني شره في المنطقة عليكم مجابهته بكل قوة وصرامة, ولا يعبر الاستعراض المزيف للعضلات ونهج المساومة والابتزاز الا عن ضعف يدفع الى الهروب الى الامام, وعلى من يعتقد ان نظام طهران يقاتل “داعش” أن يتساءل: (ألا يمكن محاربة “داعش” والانتصار عليه في العراق بمجرد دعم الجيش العراقي, وفي فترة وجيزة من دون التدخل العسكري الايراني, لماذا كل هذا التباطؤ, وهل هناك هناك حاجة لاعلاء دور الميليشيات الموالية لطهران فوق دور القوات النظامية العراقية التي توالي النظام أيضا ولكن بدرجات متفاوتة واقل, ألا تستوجب معاناة أهل الموصل والأنبار جدية اكبر في مقاتلة “داعش”, ألم يكن بعض قادة الجيش العراقي الموجهة اليهم تهمة التخاذل وإخلاء الموصل امام “داعش” الذي بنى قدراته من خلال هذا الإخلاء ألم يكن بعض هؤلاء القادة من الموالين لنظام إيران والمساندين له في قتل وقمع معارضيه فلو كانت للنظام جدية في مقاتلة “داعش” فلم تقاعس الضباط الموالون لها عن اداء واجبهم في الموصل وغيرها?

واهم من يعول على نظام طهران ومخطئ من يذهب بعيدا عن حقيقة حاجة النظام الإيراني لازمة كازمة “داعش” التي ستمكنه من بناء وتعزيز سياجه الامني والسياسي الخارجي مما سيحميه ويكسبه المزيد من الوقت وفرص المناورة والمساومة ونقل جزء من صراعاته الاقليمية والدولية خارج اراضيه في العراق واليمن ولبنان والخليج ويبقى العراقيون وكل من يعول على اسناد نظام الملالي له ضحية لاهدافه ومخططاته, ويأتي اسهابنا لنؤكد ان التدخلات الايرانية المخلة بالمنطقة والعالم هي من منطلق الضعف وفقدان الشرعية وليس من منطلق القوة ولا قوة له ولا تقدم للامام الا من خلال تراخي وانكسار اقليمي ودولي, والعمل على مجابهة نظام طهران بصرامة هو الحل الغائب اليوم. كاتب عراقي