نبيل بومنصف/النهار: لبنان الغريق ما خوفي من البلل

50

لبنان “الغريق”… “ما خوفي من البلل”!
نبيل بومنصف/النهار/20 كانون الأول/2023

ترانا امام دوامة ان الغربيين يتعاملون مع السلطة كأنهم لا يعرفون ويطالبونها بما تعجز عنه مثلما تعرف السلطة أنهم يدركون واقعها وواقع سيطرة “حزب الله” المستأثر بالميدان كما بالقرار وتتظاهر تاليا بانها “الدولة”.

بات الكلام عن الدور الفرنسي في لبنان رتيبا مملا وبلا جدوى لفرط ما اختلطت في تجارب السنوات الأخيرة، منذ انفجار مرفأ بيروت وحتى الساعة، عوامل الإخفاق الفرنسي بتداعيات الكوارث التي تسببت بها الطبقة السياسية اللبنانية، فصارت المقاربة للفشلين بمثابة لازمة مملة. ومع ذلك لا يمكن وفق التقديرات الموضوعية اسقاط هامش من قلق حيال المنحى الذي ينظر اليه معسكر السلطة اللبنانية، او نصف السلطة بالأحرى، الخاضع كليا لمفاهيم وإرادة وقرار محور الممانعة، باعتبار ما يرد في التحركات والمبادرات والزيارت الفرنسية للبنان منذ وبعد وبمواكبة حرب غزة وتمددها الى الجنوب اللبناني بمثابة تهويل مضخم في خدمة الأهداف الإسرائيلية.

اذ ان هذا الانطباع السلطوي لا يقتصر على التقويم السلبي الجديد لفرنسا ودورها، علما ان هذه السلطة وتشعباتها “الممانعة” كانت حتى عشية حرب غزة تتباهى بكونها “أسقطت” العلاقات التاريخية للدور الفرنسي مع القوى السيادية اللبنانية بعد انحياز باريس الى مرشح الممانعة سليمان فرنجية ، بل يتسع لكل موقف وتحرك غربي تلقائيا. ولعل المشكلة الجدية هي ان الموقف الغربي للحكومات عموما من مجازر إسرائيل في غزة تحديدا يقوي منطق التشكيك وعدم اخذ المعطيات الفرنسية بعين الجدية اللازمة حيال لبنان لدى “الحلفاء” الجدد الذين لم تدم نعمة تحالفهم مع باريس الا اشهرا معدودة قبل ان تسقط المبادرة الفرنسية الرئاسية سقوطا دراماتيكيا.

بذلك ترانا اليوم امام خشية جدية من ان يكون حوار الطرشان هذا بين الموفدين الفرنسيين والمسؤولين اللبنانيين الذين لا يملكون واقعيا من أدوات التأثير سوى شكلياتها وسط الإمساك الحديدي ل”حزب الله” الحصري والاستئثار الكامل بقرار السلم والحرب ، ولنقل قرار المشاغلة الحربية والتفاوض .. الخشية من “زلة قدم” استراتيجية في التعامل مع “معادلة التهويل” على انها تهويل خالص لا اكثر. ذلك ان هذا المحظور لم يعد متصلا فقط بالتخفيف او بالتقليل او حتى بالشبهة بالدور الفرنسي، ولو ان ثمة الكثير مما يبرر ذلك واقعيا بعد حرب غزة، وإنما أيضا وأساسا لان ما يسمى سلطة لبنانية تتظاهر بكونها تخفف وطأة كل التحذيرات الغربية من حرب إسرائيلية ساحقة على لبنان لطمس واقع ان هذه السلطة لا تملك السلطة على “حزب الله” أولا وأخيرا لا اكثر ولا اقل.

وبذلك ترانا امام دوامة ان الغربيين يعرفون ذلك ويتعاملون مع السلطة كأنهم لا يعرفون ويطالبونها بما تعجز عنه اطلاقا، مثلما تعرف السلطة أنهم يدركون واقعها وواقع سيطرة “حزب الله” المستأثر بالميدان كما بالقرار وتتظاهر تاليا بانها “الدولة” عبر الشكليات الفارغة لا اكثر ولا اقل . هي دوامة الحقيقة المفجعة اذن اكثر من خطر الحرب التي قد تغرق لبنان بما يستعصي بعدها على شفائه ، كما حذرت بالأمس وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا من قصر الصنوبر. ولعلنا نخشى ان يكون كلامها، الخطير جدا حتى بواقعيته الافتراضية، قد ذهب هباء منثورا لأننا “الغريق الذي لا يخشى من البلل”. فحال الداخل اللبناني تسابق المعادلة الحربية المتفجرة على طول الحدود اللبنانية الجنوبية منذ نحو ثلاثة اشهر، وحال لبنان وسط تسابق “الاخطار الماحقة” اكبر وافظع من كل تهويل حقيقي او مضخم. فكيف يثق اللبنانيون بمن يشككون في الداخل في أدوار الوسطاء ومواقفهم وتحركاتهم ولو صح بعض من تشكيكهم، وهم سلطة القصور والعجز والانقياد؟