علي حمادة: مواقف هنيّة وأبو مرزوق: تغيير أم مناورة/الإمارات والمغرب الشّراكة المبتكرة والرّاسخة؟

44

الإمارات والمغرب: الشّراكة المبتكرة والرّاسخة
علي حمادة/النهار العربي /15 كانون الأول/2023

مواقف هنيّة وأبو مرزوق: تغيير أم مناورة؟
علي حمادة/النهار العربي /13 كانون الأول/2023
يكشف الصدام الأميركي – الإسرائيلي الذي انفجر بعد ملاحظات الرئيس الأميركي جو بايدن الأخيرة عن هوة سحيقة بين الطرفين، لا سيما بعدما اتهم بايدن الحكومة الإسرائيلية الحالية بالتشدد (التطرف)، معتبراً أن إسرائيل تفقد يوماً بعد يوم الدعم الدولي بسبب القصف العشوائي الذي تقوم به في غزة، داعياً إلى تغيير الحكومة الإسرائيلية الحالية. هذه الهوة لا تقلل من قوة التقاطع حول هدف تقويض حكم حركة حماس في قطاع غزة. فهما متفقان على تحقيق هذا الهدف. الخلاف يقع حول نقطتين: الأولى، استهداف إسرائيل المدنيين في غزة منهجياً بهدف التغيير الديموغرافي. والثانية رفض حكومة بنيامين نتنياهو صراحة حل الدولتين، واتفاقات أوسلو، إحياء السلطة الوطنية الفلسطينية لكي تشكل رافعة الحل العربي والدولي بعد الحرب.
من الصعب تصور حصول تقاطع بين الإدارة الأميركية الحالية وحكومة نتنياهو في ما يتعلق باليوم التالي، وخصوصاً أن اليوم التالي الذي نتحدث عنه يقوم أساساً على الحل السياسي. وحكومة نتنياهو لا تريد حلاً سياسياً، بل تريد كسباً ريثما يتم تغيير الواقع على الأرض في الضفة الغربية، والآن في قطاع غزة المنكوب. بعد انتهاء الحرب الشاملة في غزة بحلول منتصف شهر كانون الثاني (يناير) يمكن أن تحصل أمور عدة، يمكن أن يخرج بنيامين نتنياهو من الحكم. ويمكن أن يقاوم مع التوليفة اليمينية المتطرفة التي يترأسها، وأن يحدد موعداً لانتخابات تشريعية مبكرة في نهاية الربيع أو نهاية الصيف المقبل. في الأثناء، ستغرق أميركا في حمى الحملات الانتخابية، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل قد يعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ما سيشكل تحولاً دراماتيكياً على مستوى الإدارة الأميركية لأربع سنوات مقبلة. تطورات كثيرة قد تحدث في الأشهر المقبلة.
وإذا ما أضفنا إلى العوامل التي أشرنا إليها آنفاً، عنصر الخلاف الفلسطيني الداخلي، وغياب التصور العربي المشترك لتوحيد الصف الفلسطيني لقطع الطريق على الاختراق الإيراني الكبير، فسنجد أنفسنا بعد سنة من الآن في المربع الأول بعد الحرب. بمعنى أنه لن تكون هناك مسارات سياسية جديدة وخلاقة. ولن تكون هناك تسوية. ولن تكون هناك بارقة أمل في حياة المواطن الفلسطيني المنكوب في غزة والضفة الغربية.
في ما يتعلق بالخلاف الفلسطيني الداخلي، ثمة جديد يمكن استخلاصه من مواقف أخيرة لعدد من قيادات حركة حماس في الخارج كرئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية وعضو المكتب السياسي موسى أبو مرزوق. الأول يقول في تصريح له مؤخراً، إن حركة حماس منفتحة على أي مبادرات لترتيب البيت الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. والثاني يعلن أن حماس تسعى لأن تكون جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية تحترم التزاماتها.
طبعاً لا يمكن البناء على هذه المواقف في خضم الحرب الدائرة اليوم. فقد تكون مجرد مناورة ينفذه الجناح السياسي لحماس لإرسال إشارات إلى الأميركيين والاعتدال العربي للقول إن حماس قررت أن تغير سلوكها في مرحلة ما بعد الحرب. وبالتالي يمكن البناء على الإشارات للتعجيل في وقف الحرب، وسحب هدف إخراج حماس من غزة من التداول. من هنا من الصعب ومن المبكر إدراج مواقف هنية وأبو مرزوق ضمن سياق تغيير جوهري في مواقف حركة حماس من منظمة التحرير الفلسطينية، أو من حل الدولتين. لذلك يجب انتظار كلام من القائد الفعلي لحماس في غزة يحيى السنوار ومجموعته بهذا الخصوص.
مع ذلك ليست المواقف التي بدأنا نسمعها من قيادات في حماس بالأمر البسيط. إنها تعكس في مكان ما نقاشاً داخلياً محموماً في مرحلة الخطر الشديد الذي يحدق بقطاع غزة وحركة حماس.

الإمارات والمغرب: الشّراكة المبتكرة والرّاسخة
علي حمادة/النهار العربي /13 كانون الأول/2023
شكلت الزيارة الرسمية التي قام بها ملك المملكة المغربية محمد السادس لدولة الإمارات العربية في مطلع هذا الشهر محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين اللذين تجمع بينهما علاقات وطيدة على أكثر من مستوى. ولعل الزيارة هذه هي الأولى التي يقوم بها الملك محمد السادس للإمارات بعد تولي الشيخ محمد بن زايد رئاسة الدولة خلفاً للشيخ خليفة بن زايد. ومن المهم بمكان الإشارة إلى أن العلاقات بين الزعيمين بلغت في الأعوام الأخيرة مستويات غير مسبوقة من التفاهم، وتبادل وجهات النظر والتنسيق الثنائي الدائم. وقد أشّرت هذه العلاقات المتينة بين الرجلين إلى تقارب كبير في المفاهيم والعقلية، يلتفت إلى المستقبل بدلاً من الغرق في دهاليز الماضي المبني على الشعارات القديمة التي طواها الزمن منذ عقود عدة. هذا الأمر تجسد في الحفاوة الخاصة التي لاقى بها الشيخ محمد بن زايد ضيفه، أقلها بقيام طائرات من سلاح الجو الإماراتي بالتحليق في سماء العاصمة أبو ظبي راسمة العلم المغربي تحية للملك محمد السادس.
ويمثل بلوغ العلاقات الإماراتية – المغربية هذا المستوى المتقدم توجهاً مشتركاً لربط الوطن العربي بصورة جناحين من الخليج إلى المحيط. بمعنى أن المشرق العربي يتحرك في فضاء المغرب العربي وبالعكس. أما التحديات الكبيرة التي تواجهها منطقتا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل فبعضها مترابط على أكثر من صعيد، ما يدفع بقوتين إقليميتين كالإمارات والمغرب تتشاركان في النظرة إلى إرساء قواعد تنسيق وثيق في العديد من الملفات الساخنة مثل القضية الفلسطينية، في توقيت شديد الأهمية ربطاً بحرب غزة بين إسرائيل و”حماس” والمساعي التي يقوم بها البلدان لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية ضمن آليات آمنة ودائمة، والسعي لتطبيق مبدأ حل الدولتين لإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
وهناك تفاهم تام في ما يتعلق بقضية وحدة التراب المغربي الحاسمة المتمثلة بمغربية الصحراء التي افتعل بعض الجوار أزمة بشأنها. ومن جهة أخرى لا ننسى تحديات أمن منطقة الساحل الأفريقي، فضلاً عن مواجهة الحركات المتطرفة والفكر التكفيري الذي يتحرك في فضاءات عربية وإسلامية تمتد من المشرق إلى المغرب فأفريقيا.
ومعلوم أن البلدين يواجهان تيارات التطرف بسياسة الانفتاح والتسامح، ويرفضان الغلو في الدين والمجتمع والسياسة. والأهم أنهما يلتفتان إلى سياسات مستقبلية تطويرية للاقتصادات التي تتطلع إلى عقود مقبلة. ولذلك شهدت زيارة العاهل المغربي للإمارات توقيع عدد كبير من الاتفاقات، ومذكرات التفاهم بين البلدين في مختلف المجالات والقطاعات الاقتصادية التي تهمهما.
من أهم الاتفاقات التي جرى التوقيع عليها بين الطرفين الإماراتي والمغربي تحت عنوان “نحو شراكة مبتكرة وراسخة”، شراكة استثمارية في مشاريع القطار فائق السرعة في المغرب الذي بدأ يربط بين مختلف الحواضر الكبرى في البلاد، من الشمال إلى الوسط فالجنوب. وثمة مشروع مهم لربط الصحراء المغربية ببقية أنحاء البلاد بخط سكة حديدية للقطار فائق السرعة الذي يتميز بكونه بمستوى ما يماثله في أكبر الدول الأوروبية. وثمة مشاريع كبيرة ذات طابع استثماري جرى الاتفاق بشأنها تتعلق بقطاعات النفط، والبتروكيماويات، والسياحة، ولا سيما على ساحل المحيط الأطلسي. كما أنه ستكون للموانئ حصة كبيرة من الاستثمارات، خصوصاً ميناء مدينة الداخلة في الصحراء المغربية، بما يعتبر استثماراً إماراتياً في مستقبل سيادة المغرب على الصحراء ضمن مبدأ وحدة التراب.
ختاماً كان لافتاً أن تأتي زيارة العاهل المغربي للإمارات تزامناً مع احتفالات عيد تأسيس دولة الاتحاد الثاني والخمسين، وانطلاق أعمال قمة المناخ العالمي “كوپ 28” التي تستضيفها دبي. وهذه بحد ذاتها علامة فارقة على أن في العالم العربي ثمة من يمثل المستقبل، وفي المقابل ثمة من يمثل الماضي والتحجر. والإمارات والمغرب يراهنان على المستقبل والابتكار.