نديم قطيش/عن مقتل نجل محمد رعد

279

عن مقتل نجل محمد رعد
نديم قطيش/أساس ميديا/الإثنين 27 تشرين الثاني 2023

يختصر مقتل نجل محمد رعد أخيراً في غارة جوّية إسرائيلية الكثير من أحوال لبنان الأيديولوجية والثقافية والانقسامات العميقة حولها.
سجّل الحزب عبر محمد رعد، نقطة عقائدية وتعبوية مهمّة. فعلى الرغم من أخبار الفساد التي تلاحق التنظيمات الجهادية، وانخراطها في نشاطات جرمية كتجارة المخدّرات، الا أنّ خبر مقتل أحد أبناء قادتها على خطّ الجبهة، يزيد قناعة جمهورها بجدّية القضية التي تمثّلها وتدافع عنها. من جهة أخرى تجسّد هذه اللحظة وجهة نظر فئة حول “لبنان المقاومة”، بشّر بها قبل سنوات والد الضحية، حين وعد اللبنانيين ببناء “لبنان الذي ينسجم مع المقاومة.. لا لبنان الخدمات ومكان عقد الصفقات”.

يأتي هذا الجانب من سيرة محمد رعد ترجمة لعنوان الكتلة التي يرأسها، أي “كتلة الوفاء للمقاومة”، وينطوي على التزام صريح بقضية المقاومة حتى على حساب الخسارة الشخصية، دفاعاً عن اللبنان الذي يؤمنون به ويريدون له أن يظلّ ساحة للصراع العقائدي مع إسرائيل، وأن يجعلوا الموت فيه في سبيل هذه القضية أسلوب حياة. وقد رأينا أصداء لمنطق محمد رعد تتردّد أخيراً بشكل صادم على ألسنة أهالي ضحايا سقطوا جرّاء القصف الإسرائيلي، وتعاملوا مع فكرة الفداء و”الاستشهاد” بمثل ما تعامل معها رعد، وقبله عموم مجتمع “عوائل الشهداء”.

لحظة فاقعة كلحظة مقتل نجل النائب محمد رعد، تعيد تذكيرنا بأنّنا غالباً ما نبسّط الديناميكيات المعقّدة للتجربة اللبنانية ومعاني الوطنية في لبنان، وحجم الهوّة الفاصلة بين جماعاته. تشكّل هذه اللحظة وما أحاط بها من منطق سياسي ومنظومة قيم تناقضاً صارخاً مع تصوّر شريحة أخرى كبيرة من الشعب اللبناني، تريد مستقبلاً مختلفاً لبلدها، يتمحور حول الاستقرار والتنمية الاقتصادية والتكامل مع العالم، والأهمّ الاحتفاء بحياة الأبناء لا بموتهم. ويعتبر أصحاب هذا الرأي أنّ حالة الصراع المستمرّة وثقافة الاستشهاد تشكّلان عقبة، لا أمام ازدهار لبنان وحسب، بل أمام إمكانيات التعايش بين مجموعات لبنانية تختلف إلى هذا الحدّ على معنى الحياة نفسها. وممّا يفاقم من تحدّيات التنوّع والتعدّد الثقافي في لبنان والضغط الهائل الذي يحدثه على تماسك الهويّة الوطنية، أنّ الانقسامات الداخلية باتت شديدة الاتصال بالسياق الإقليمي الأوسع، وأدوار اللاعبين فيه، لا سيما إيران التي تتميّز عن غيرها بأنّها دخلت إلى أعماق النسيج الاجتماعي للشيعة في لبنان.

استمرار الصراع جيلاً بعد جيل
بهذا المعنى فإنّ ما يسمّيه الحزب “قافلة الشهداء” يكتسب مع مقتل نجل محمد رعد زخماً مضافاً يشير إلى استمرار الصراع عبر الأجيال، وضمان توريث هذه الصراعات التاريخية والانخراط فيها. فهذه لحظة، تتجاوز مجرّد كونها خسارة شخصية أو مأثرة نضالية، إلى كونها تنطوي على جوهر صراع اللبنانيين حول هويّة وطنهم ووجهته المستقبلية. يقودني هذا إلى نقطة أخيرة، وهي الانقسام حول قضية المقاومة لا المقاومة نفسها كخيار. فإحدى الحجج الرئيسية ضدّ من يعارضون أنشطة الحزب في لبنان، خاصة في سياق حرب غزة الآن، هي اتّهامهم بدعم الاحتلال بشكل غير مباشر، وأنّهم شركاء في إضعاف عزيمة المقاومة. بيد أنّ هشاشة هذا الرأي سرعان ما تظهر بالنظر إلى أنّ لبنان اليوم دولة محرّرة، لا تحتاج الى المقاومة. فما بالك بمقاومة بمثل حجم الحزب وترسانته. وبإزاء ذلك، تفقد المقاومة صفتها كردّ فعل على التهديدات الخارجية أو الاحتلال، وتترسّخ هويّتها كمشروع أبدي وغاية في حدّ ذاتها.

لا مجال للشراكة
مهما حاول الحزب أن يقدّم تجربته كاستراتيجية عسكرية أو سياسية، فإنّ جوهرها اليوم، بنظر شريحة لبنانية كبيرة، مشروع خاصّ يجسّد مجموعة من القيم والخيارات التي تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة، باقتصاداتها ومجتمعاتها، والسيطرة على إرادتها السياسية. إنّ لحظة فاقعة كلحظة مقتل نجل النائب محمد رعد، تعيد تذكيرنا بأنّنا غالباً ما نبسّط الديناميكيات المعقّدة للتجربة اللبنانية ومعاني الوطنية في لبنان، وحجم الهوّة الفاصلة بين جماعاته. فكلّ ما يحيط بالأحداث الملتهبة جنوب لبنان، يؤكّد بما لا يدعُ مجالاً للشكّ، أنّ المقاومة، كما تمارسها جماعات مثل الحزب، تطوّرت إلى أيديولوجية ذات طموحات خاصة لا تترك مجالاً لبناء حدّ أدنى من المشتركات مع بقيّة اللبنانيين.