الكولونيل شربل بركات/العرب واسرائيل (الحلقة الأولى)…لماذا لم يتعلم العرب الصفح أو تقبّل الهزيمة مرة تلو الأخرى والتخلص من مرارة الحروب وترسبات الحقد

275
Der Grossmufti von Palästina vom Führer empfangen. Der Führer empfing in Gegenwart des Reichsministers des Auswärtigen von Ribbentrop den Grossmufti von Palästina, Sayid Amin al Husseini, zu einer herzlichen und für die Zukunft der arabischen Länder bedeutungsvollen Unterredung. 9.12.41 Presse Hoffmann

العرب واسرائيل (الحلقة الأولى)
الكولونيل شربل بركات/18 تشرين الثاني/2023

لدخول صفحة الكولونيل شربل بركات وللإطلاع على كل ما هو منشور له على موقعنا اضغط هنا

لماذا لم يتعلم العرب الصفح أو تقبّل الهزيمة مرة تلو الأخرى والتخلص من مرارة الحروب وترسبات الحقد التي لم تفلح في نقلهم من ذلك الشعور بالنقص والغبن إلى العمل المبدع والانطلاق نحو آفاق جديدة تغيّر الواقع باتجاه نهضة فكرية وانتاجية تجعلهم في مقدمة الشعوب بدل التباكي كل الوقت وشحن النفوس بدون رحمة على أطفالهم الذين ينبتون في أجواء الانتقام الدائم وتراب الضغائن المرة؟ فقد انتقل اليابانيون من الهزيمة الأقسى بعد الحرب العالمية الثانية إلى أهم اقتصاديات العالم خلال سنوات من الاصرار على التقدم ونسيان الماضي الأليم. وكذلك فعل الألمان الذين بالرغم من الهزيمة المتكررة بعد حربين عالميتين وكل الخسائر الناتجة عن حروب هتلر، وبالرغم من تقسيم ألمانيا إلى دولتين تنتميان إلى كتلتين متصارعتين، عادوا وانطلقوا ليصبحوا من أهم دول العالم الصناعية وبنوا أقتصاد مهم سبق كافة الدول المنتصرة.

اليهود شعب من شعوب هذه الأرض التي يتغزى تاريخها على كثير من المرارة والخسارة. فقد كانوا هربوا من ظلم الفراعنة المصريين وعاشوا بعيدا في الصحراء خوفا من بطشهم. ثم استعادوا ثقتهم بأنفسهم والاههم فبنوا دولتهم في هذه الأرض، بالقوة أحيانا، وبالتفاهم والتعاون أحيانا أخرى. وهم لا يختلفون عن العرب لغويا أو تاريخيا فلا فرق بين كلمتي عرب وعبر سوى مكان الحروف والكلمتان تعنيان نفس الموضوع، أما في التاريخ فلهما نفس الجد ابراهيم الخليل باعتراف الجهتين. وقد سباهم البابليون مع نبوخزنصر وهدموا هيكلهم وأرجعهم قوروش الفارسي الذي رأى بالسماح للتعدد قوة لحكمه فأعاد كل المسبيين إلى بلادهم وليس فقط اليهود. وما لبثوا أن تأقلموا مع اليونانيين بالرغم من تباعد الأفكار، ومن ثم تعاونوا مع الرومان لفترة طويلة قبل أن يحاربهم هؤلاء ويدمروا هيكلهم الثاني ويطردوهم من كامل الأرض التي شكلت تاريخهم وافتخارهم. ولكنهم كانوا تعلّموا التجارة من جيرانهم وحلفائهم الفينيقيين وتعلّموا أيضا العض على الجراح والاعتماد على النفس كلما تعرّضوا لمأساة؛ كما صيدا مع الفلسطو أولا ومع ارتحشستا بعد أكثر من سبعمئة سنة، وصور مع الاسكندر، وقرطاجة مع الرومان. وهكذا بنوا لأنفسهم تلك العلاقات التجارية مع الآخرين، ولم ينسوا تمايزهم عن المجتمعات التي عاشوا بينها، ولا تلك الغصة في النفوس بالتوق إلى العودة وبناء دولتهم عندما يشاء الله. وقد شكّل انتشار المسيحية التي ولدت من رحم ديانتهم حافزا للخروج من العزلة أحيانا، ونقمة أحيانا أخرى على من، باعتقادهم، عطّل الحلم بمساندة الله الفريدة لهم. ومع الاسلام كانوا أهل ذمة حيثما سيطر الدين الجديد، فدفعوا الجزية وعاشوا تحت رحمة الحكام، ينقصهم الكثير من الحرية، كشعوب عديدة عانت من تحكّم من اعتمد الدين للتميّز والتباهي، وفسّر القرآن جهادا على الكفرة والمشركين.

اليهود هؤلاء فضّلوا الحكم العربي في الأندلس وشاركوا بكثير من منجزاته، كونهم اعتُبروا من قبل المسلمين أكثر تجانسا معهم من المسيحيين الاسبان في العديد من المسائل الحياتية. ولذا فقد ساهموا بقدر المستطاع بدعم حكم هؤلاء المسلمين في الأندلس، ولكنهم، مثل المسلمين، تهجّروا من اسبانيا بعد تحريرها إلى المغرب. بينما بقيت الجاليات التي سكنت المدن الاوروبية وتأقلمت مع أنظمتها تعيش في أحياء خاصة بها لتحافظ على التمايز والايمان والتوق إلى العودة لأرض “الميعاد” وبناء دولتها العتيدة.

وقد نجح متمولون منهم في أوروبا الحديثة، خاصة بعد الثورة الصناعية، حيث سادت قوانين وأنظمة ساوت بين المواطنين، أن يصبح لهم تأثيرهم في الحياة السياسية والاجتماعية، كبقية التشكيلات الحضارية، وحاول بعضهم احياء فكرة العودة إلى الأرض التاريخية، وبدأوا بشراء المساحات غير المستصلحة غالبا هناك، في الفترة العثمانية، حيث رحّب السلطان، وهو خليفة المسلمين يومها، بهذه الشركات التي تشتري الأراضي وتستثمرها بطرق حديثة يتعلم منها بعض من سكن في تلك النواحي، لا بل يساهمون معها بزيادة الانتاجية، وبالتالي الضرائب التي تغزي خزانة السلطنة.

اليهود إذا، وبسبب الشعور بالعداء تجاههم، إن في أوروبا المسيحية أو في العالم الاسلامي، وبالتعرض للمضايقة والتهديد ودفع “الخوة” كلما أراد الحكام أظهار بطشهم وسلطتهم، عاشوا الخوف الذي أثر على تصرفاتهم وعلاقاتهم بالشعوب التي سكنوا بينها، فشعروا بالاجحاف لا بل بالذل احيانا. ومن هنا قامت الصهيونية التي حاولت استعادة العزة والعنفوان عند “يهود الشتات” مستندة لنظريات الحرية التي رافقت تطور المجتمعات الأوروبية. ولذا فقد كان من الضروري لهم، لتنمية هذا الشعور، العيش ضمن دولة يهودية مستقلة تتباهى بين الامم وتعيد لهذا الشعب ثقته بنفسه وبمعتقداته وبقدرته على مجاراة البقية لا بل التفوق أحيانا.

كان خيار ارض اسرائيل الأفضل لاستناده إلى تراث من البطولة حيث عاشت هذه الجماعة مدة طويلة حرة سيدة لها قوانينها وعلاقاتها مع الجيرة ومع القوى الكبرى. وهي شكلت في مرحلة من التاريخ كيانا قادرا استطاع فرض نفسه. ومن هنا كان السعي لدى الدول العظمى التي كانت تستعمر مناطق نائية في أفريقيا وشرق آسيا أو جزر الكاريبي وتحولها إلى بلاد منتجة قادرة على العيش الكريم في ظل حمايتها. ولما كانت المقاربة هنا تتعلق بالسلطنة العثمانية لم تجد القوى الأوروبية ضررا من هذا الاختيار كون مسؤولية القرار عند السلطان الذي هو سيد الأرض في الشرق الأوسط الكبير. وكان السعي للتنفيذ في تلك المرحلة بدون مشاكل تذكر، فقد كانت هجرات الشعوب الأوروبية وغيرها إلى الأمريكيتين واستراليا قد عمرت تلك البلاد وأنشأت فيها دولا منظمة تضاهي الدول الأم، ولذا سارع كل من كان يفهم بقوانين التملك إلى مساعدة الشركات اليهودية على شراء الأراضي في ما كان يسمى فلسطين، وجلها كما ذكرنا سابقا أراض لم تكن مشغولة بالطرق الحديثة التي سعت هذه الشركات إلى اتباعها، ما اعتبر ربحا للبائعين وللسماسرة في نفس الوقت.

ولكن التغيرات السياسية التي جرت في بداية القرن العشرين، وسرعة تدهور الأمور نحو حرب بين القوى الأوروبية، ما لبثت أن اتسعت لتصبح حربا عالمية، جعلت هذه البلاد تقع ضمن سلطة بريطانيا في ما سمي لاحقا بالانتداب، فكان وعد وزير خارجيتها بتبني أقامة وطن قومي لليهود. وقد كان الاضطهاد الذي تعرضوا له في روسيا القيصرية قبل حوالي ربع قرن ساهم في هجرة كبيرة نحو فلسطين. ولم يكن اليهود فقط من حاول الهجرة وبناء تجمعات بشرية في فلسطين فقد دفع تفاهم امبراطور المانيا مع السلطان بجاليات المانية مسيحية للاقامة في فلسطين، المعتبرة أرضا مقدسة لدى المسيحيين أيضا، وهكذا فقد تركز بعض هؤلاء في حيفا مثلا وبدأوا باعمارها، ولا تزال المناطق التي سكنوها وقاموا بزراعتها وتنظيمها تسمى “الألمانية” إلى اليوم. وقد افادوا الكثير من السكان المحليين لا بل هاجر بعض اللبنانيين في نهاية القرن التاسع عشر إلى ما أصبح مدينة حيفا للعمل والارتزاق بين الجالية الألمانية المنتجة من جهة والتجمعات اليهودية التي تمّول نشاطاتها الاسكانية المنظمة الصهيونية.

بعد الحرب العالمية الأولى وخلال مؤتمر باريس، قارب رئيس المنظمة الصهيونية حاييم وايزمان يومها الأمير فيصل ابن الشريف حسين، الذي كان يطالب باقامة دولة عربية، واتفقا على التعاون بين فلسطين التي يشملها وعد بريطانيا والمملكة العربية المزمع اقامتها بحسب وعد مماثل، وتشجيع الاسكان في فلسطين على أن تؤخذ حقوق الفلاحين العرب بالحسبان. ولكن استمرار القتال في تركيا بسبب رفض كبار الضباط حل الجيش العثماني خوفا من محاكمتهم على جرائم الحرب، ودخول السوفيات على الخط لدعم مقاومة بقايا هذا الجيش للحلفاء، خوفا من عودة النظام القيصري إلى روسيا، حيث كانت مجموعات من الجيش الأبيض لا تزال تقاتل قوات البلاشفة (فلم يكن مر على الثورة البلشفية أكثر من سنة)، قلب الأمور راسا على عقب وأطلق ما يشبه الثورة في سوريا وفلسطين ضد الحلفاء، قامت بقايا المخابرات التركية فيها بالتعبئة مستغلة الفارق الديني بين الحلفاء وأكثرية السكان (كما كانوا فعلوا بعد انسحاب ابراهيم باشا المصري للانتقام من اللبنانيين الذين ساعدوه فأثاروا فتنة بين الدروز والمسيحيين نتج عنها تقليص الأمارة إلى حدود الجبل فسميت المتصرفية واخضعت لحاكم من خارج البلد)، ما فتح جراحا كانت مندملة وأشعل صراعا بين السكان خاصة في لبنان مع المسيحيين وفلسطين مع اليهود وحتى في العراق مع الأشوريين. وهكذا اضطر الحلفاء أن يتركوا جنوب تركيا وينسحبوا إلى سوريا والعراق ويتخلوا عن أرمينيا أيضا التي دخلها الجيش الأحمر وضمها إلى الاتحاد السوفياتي، ويقبلوا بالأمر الواقع في معاهدة لوزان 1923.

تحت الادارة البريطانية تنظمت دولة فلسطين التي سكنها اليهود والعرب على السواء في ظل قوانين الأنتداب، لا بل أصبحت نقطة جذب للمهاجرين من دول المنطقة بسبب الوضع الاقتصادي الجيد، كما تنظّم لبنان وسوريا في ظل الانتداب الفرنسي. ولكن الحقد، الذي كان زرعه بقايا العثمانيين بين العرب واليهود في فلسطين كما بين المسيحيين والمسلمين في لبنان ولو بشكل أقل، إدى إلى الأحداث التي تلت الأزمة الأقتصادية في أوروبا ونشوء الحركات الفاشية والنازية والتي ناصبت العداء للرأسماليين اليهود في ألمانيا، فتوسع ذلك ليطال كامل الشعب اليهودي، ما أدى إلى المحرقة الشهيرة التي قام بها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية والتي دفعت بأفواج جديدة من اليهود الناجين للهرب من أوروبا باتجاه فلسطين قبل وبعد المحرقة، وبالرغم من قرار منع هجرة اليهود إلى فلسطين الذي أصدرته بريطانيا والذي كان قيد التنفيذ منذ 1936، فزاد عدد اليهود القادمين إلى فلسطين لاحقا ليشكلوا نسبة كبيرة من السكان في نهاية الحرب العالمية الثانية.

كان البريطانيون طلبوا من قوات فرنسا الحرة التي دخلت معهم إلى لبنان في 1942 التحضر لتسليم البلد لسلطة محلية لكي تتفرغ هذه القوات لتحرير فرنسا من الاحتلال النازي وهو ما جرى في 1943 (الأستقلال)، ولكن الاحداث التي كانت وقعت بين اليهود الذين حاولوا تنظيم فرق عسكرية للدفاع عن تجمعاتهم ومصالحهم ردا على الاعتداءات، والعرب الذين رأوا، بصعود نجم هتلر في بداية الحرب واحتلاله السريع لفرنسا وتهديد لندن نفسها من قبل الطيران الآلماني، فرصة لمهاجمة السكان اليهود سيما وأن غضب النازية على اليهود كان قد ظهر بوضوح زاد من هيجان هؤلاء لدرجة مهاجمة القوات البريطانية أحيانا. وقد التحق الحاج أمين الحسيني الذي كان تلقى علوما عسكرية في المدرسة الحربية في اسطنبول قبل الحرب الكبرى وقاد الحركة المعادية للمستوطنين اليهود بعد خسارة السلطنة للحرب وانضم إلى المانيا علنا لا بل شارك في برامج على الاذاعة الالمانية لحث المسلمين في البوسنة للالتحاق بقوات هتلر. وهكذا بعد انتهاء الحرب وخسارة المحور في 1945 تنفس اليهود في فلسطين الصعداء وتقلصت دوافع العرب نوعا ما. ولكن قرار بريطانيا سحب جيوشها من عدد كبير من مراكز انتشارها في العالم، لكي تركز على اعادة تنظيم البلاد التي كانت تضررت من مفاعيل الحرب وخسرت الكثير من شبابها، شمل فلسطين، وكان تاريخ الانسحاب منها سنة 1948. وهنا كان على اليهود اعداد قوات مدربة للدفاع عن مراكز وجودهم بينما لم ينظم العرب صفوفهم أو حاولوا البحث عن حلول ممكنة للتفاهم مع جيرانهم حول ادارة البلاد وظلوا يعيشون الحقد على اليهود من جهة والحلم بدولة كبيرة على النسق العثماني يعتمدون فيها على الاعداد العربية في الدول المحيطة لتهجير اليهود بالقوة.

يتبع في الحلقات المقبلة