شارل الياس شرتوني/لبنان والمعادلات المقفلة، فهل من سبيل؟

60

لبنان والمعادلات المقفلة، فهل من سبيل؟
شارل الياس شرتوني/17 أيلول/2023

لبنان يعيش على تخوم إقفالات لا تفسح أي مجال أمام تسويات متكافئة، مظللة بمؤسسات ديموقراطية وبثقافة دولة القانون وموجباتها الإتيكية.  نحن أمام سياسة سيطرة شيعية تعمل على خطين متوازيين، خط التسوية السياسية المفخخة كمناورة تغطي مشروع الدولة الرديفة التي تعد لها بشكل منهجي، وتوظيف الأزمة المالية وتداعياتها المميتة في مجال توسيع القبضة الشيعية على القرار الحكومي في البلاد، وحماية سياسة الجريمة المنظمة بديلا عن سياسة الاصلاحات المالية البنيوية، كأساس في مجال حل النزاعات وتطبيع الأوضاع الحياتية؛ وسياسة علوية تستعمل لبنان مكبًا لتصريف نزاعات الداخل السوري من خلال متابعة سياسة التهجير وإعادة ترسيم خطوط التماس الاستراتيجية، والاستغراق في سياسة الهروب الى الأمام التي عاش عليها حافظ وبشار الأسد؛  وتسكع التماسك السياسي في الأوساط المسيحية لحساب مصالح فردية وفئوية مخالفة للتوجهات السياسية فيها؛ ومتابعة الأوليغارشيات السياسية والمالية عملها في مجال حماية سياسات النهب تجاه أعمال المقاضاة الدولية، والإصلاحات التي تشترطها المؤسسات الدولية، والعقوبات المالية التي خرجتها وزارة الخزانة الاميركية والبرلمان الأوروپي، والدعاوى الفردية المقامة في أوروپا والولايات المتحدة الأميركية.

إن الاحتباسات السياسية المفروضة على البلاد من خلال وضعية الرهينة التي دفعت بها سياسة النفوذ الشيعية لن تحل بفعل التواصل الإرادي الحر، بل من خلال معادلات نفوذ إقليمية جديدة تحرر الحياة السياسية الداخلية من قيودها وتعيد المناخات الديموقراطية إليها. هل تسمح إيران بانهاء سياسة الاقفالات، وهل الشيعة في لبنان بصدد التخلي عن سياسة الإستباحات المطبعة، كما تعبر عنها المقولات الشعبية وتصريحات المسؤولين في حزب الله وأوساط نبيه بري وتردداتها الإعلامية، الجواب كلا. إن الأداء السياسي في الوسط الشيعي إنقلابي بالتعريف والممارسة وخارج عن أي منطق ديموقراطي وتسووي، الأمر الذي يوجب تحفظات مبدئية تجاه المناورات التأليفية بين المواقف السياسيةًالمتعارضة. إن تعطيل المؤسسات الدستورية وتوظيفها في خدمة سياسة وضع اليد الشيعية، في وقت تتمدد فيه الاستثناءات السيادية من خلال المعارك الفلسطينية التي تديرها سياسة النفوذ الإيرانية، وسياسة النزوح والتهجير السوري، القديم والمحدث، التي تستهدف التوازنات البنيوية في البلاد، لم يعد من الأمور العارضة مع تفكك قواعد الاجتماع الوطني اللبناني على كل المستويات.

إن التمترس وراء خطوط التماس الانقلابية هو نذير خطير لما ينتظرنا ولما يمكن توقعه، إذ أنه لا شيء منتظرًا مع السياسة الراهنة ولا آفاق تغييرية نتلمسها. هذه السياسة الانقلابية تستند الى مد إنقلابي شيعي إقليمي يديره النظام الإيراني، متلازمة مع مقولات وأداءت تندرج  في خانة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتزوير الوقائع، وتشريع منطق الإستباحات التي تبطل الشروط المنشئة لأي إجتماع إنساني متحضر يؤهل لاستعادة مفهوم دولة القانون.

هذه الاستنتاجات تفضي الى خلاصة مرحلية واضحة، لا سبيل لأية تسوية ديموقراطية خارجًا عن إستقامة موازين القوى في الداخل والخارج. سياسة النفوذ الشيعية مبنية على وهامات توحيد الساحات الإقليمية القاتلة، وما سوف تختبره من خلال النزاعات القادمة مع الدولة الاسرائيلية، واللعب على خطوط التماس المتسكعة والناشئة مع الحرب الباردة الجديدة، في وقت تتقلص فيه هوامش المناورة، وتكبر فرص السياسات الاحتوائية والمجابهات العسكرية الحاسمة.