محمد قواص/لماذا أسقطوا 15 بنداً من قرار البرلمان الأوروبيّ؟

46

لماذا أسقطوا 15 بنداً من قرار البرلمان الأوروبيّ؟
محمد قواص/أساس ميديا/الثلاثاء 18 تموز 2023
لا يعتبر الصفّ السياسي في لبنان مسألة اللاجئين – النازحين السوريين قضية، بل مناسبة للعبث والتلاعب بحساسيّات سياسويّة رخيصة وخبيثة:
– هي رخيصة من حيث إنّها موضوع مجّاني يسهل على بعض الساسة أن يدلوا بدلوهم فيه لتعبئة فراغ في وظيفتهم وأدوارهم.
– وخبيثة لأنّها تنمّ، في ردود الفعل، عن حقّ يراد به دائماً باطلٌ وقح. وما مراقبة احتشاد جوقة الردح ضدّ قرار البرلمان الأوروبي الداعي إلى إبقاء النازحين في لبنان، إلا مثال مضجر عن ساسة لا قدرة لهم على قراءة السطور وما بينها. وللتوضيح فهو قرار صادر عن البرلمان الأوروبي وليس عن الاتّحاد الأوروبي كما يستسهل البعض ذكره.
فضيحة وزارة الخارجيّة
تكمن قمّة الفضائح في أنّ لبنان الرسمي والسياسي تبلّغ الخبر بعدما غرّد نائب فرنسي يحرّض اللبنانيين على تحوُّل مؤامراتيّ أوروبي جديد ضدّ لبنان من خلال ما صوّت عليه البرلمان الأوروبي في 12 تموز الجاري. ولم تُظهر وسائل الإعلام اللبنانية أيّ إشارة قبل ذلك إلى أجواء كانت تمتلكها حكومة البلد، ولا سيّما وزارة الخارجية، بشأن نصّ يخصّ لبنان يجري نقاشه في برلمان تابع لدولة أو منظمة أجنبية.
ينتمي النائب تيري مارياني إلى حزب “التجمّع الوطني” اليميني المتطرّف في فرنسا الذي كادت زعيمته مارين لوبن أن تدخل قصر الإليزيه في الانتخابات الرئاسية في نيسان 2022 قبل أن تحول كتلة ناخبة من اليمين واليسار الوسط دون طموحها وتعيد انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً لفرنسا. وما تحريض مارياني إلا جزء من سياق قومي كاره لأوروبا يجد له صدى لدى بيئة سياسية يختلط فيها الوطني بالعصبي بالطائفي بالعنصري في لبنان.
المفارقة أنّ ردود الفعل الغيورة على وطن الأرز أتت من مشارب مختلفة، بعضها متناقض ومن خنادق متقابلة، مجمعةً على إدانة القرار الأوروبي واستنكاره. والأفدح أنّ ردود الفعل لم تقرأ قرار المشرّعين الأوروبيين وأنّها ثارت على “ولا تقربوا الصلاة” من دون بذل أيّ عناء للاطّلاع على “وأنتم سكارى”، فما اكتنزه النصّ من مواقف كان أكثرها هامشية وتكراراً هو ذلك البند المتعلّق باللاجئين السوريين في لبنان.
البرلمان الأوروبي هو مؤسّسة مستقلّة يحقّ داخلها للنواب الأوروبيين المنتمين إلى 27 دولةً عضواً في الاتحاد الأوروبي، التعبير عن آرائهم في كلّ المواضيع بكلّ حرّية. وقرار البرلمان بشأن لبنان كما أيّ قرار يصدر عن هذا البرلمان لا يعبّر عن الموقف الرسمي للاتّحاد الأوروبي. والقرار الذي سها عن “المفجوعين” في بيروت يتناول قضايا لبنان في 16 بنداً لم يحتلّ موضوع اللاجئين إلا بنداً واحداً منها.
بنود “الحزب” المخفيّة
انصبّت تعليقات “أشاوس” الزودِ عن سيادة البلد على بند اللاجئين، لكنّها أهملت، جهلاً أو خبثاً، بقيّة البنود التي تلقي باللائمة على الحزب وحلفائه المعرقلين للعملية السياسية وتطالب بنزع السلاح غير الشرعي، وتشير بالبنان إلى ظواهر الفساد التي تطال المشاريع والبرامج التي يموّلها الاتحاد الأوروبي، وتوصي بإعادة النظر في صلاحيّات المحكمة العسكرية وبتحقيق دولي بشأن انفجار مرفأ بيروت وباستنكار الاغتيالات المرتكبة ومنها اغتيال لقمان سليم، وبتشكيل لجنة أممية لتقديم الدعم الإنساني للبنان.
ليست قرارات البرلمان الأوروبي ملزمة للبنان ولا للاتّحاد الأوروبي الذي يستنير بتوصيات المشرّعين من دون أيّ تماهٍ معها. والواضح أنّ برلمانيّي الاتحاد لا يأتون بجديد بشأن اللاجئين السوريين في لبنان بل يستعيدون مواقف مكرّرة للاتحاد الأوروبي الذي يرفض التعامل مع إعادة اللاجئين السوريين في أيّ بلد من بلدان اللجوء، إلا إذا كانت “طوعية وآمنة”. وهذا موقف الأمم المتحدة ولم تحِد عنه قرارات جامعة الدول العربية ولم تبتعد عن احترامه الدول التي طبّعت أخيراً علاقاتها مع دمشق.
يعطي النصّ البرلماني الأوروبي رأياً بشأن اللاجئين في البند 13 من القرار، فيلاحظ أنّ “الظروف لم تتوفّر لعودتهم”
لكنّ قرار البرلمان الأوروبي يعبّر عن مزاج لا تستريح له دمشق وطهران وحلفاؤهما في لبنان. وفيما كانت زعيمة اليمين المتطرّف مارين لوبن، التي اتُّهمت سابقاً بتلقّي تمويلات من روسيا، تدعو أثناء حملتها الانتخابية إلى استئناف علاقات فرنسا مع الرئيس السوري بشار الأسد، كان النائب مارياني الذي ينتمي إلى حزبها يعبّر عن استيائه من قرار ينحو باللائمة ولو بشكل غير مباشر على دمشق بتحميلها مسؤولية غياب بيئة آمنة لعودة اللاجئين، وبالتالي يحمّلها المسؤولية الأولى والوحيدة عمّا يحول دون عودة سلسة لمواطنين سوريين إلى بلدهم.
رفض الغرب التطبيع مع الأسد
ينهل موقف برلمان أوروبا من بيئة دولية عبّر عنها بيان رباعي صدر في آذار الماضي عن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تعيد التذكير برفض التطبيع مع دمشق والانخراط بورش إعادة الإعمار وعودة اللاجئين قبل إيجاد عملية سياسية تكون المعارضة جزءاً منها وفق القرار الأممي 2254. وطالب البيان يومها روسيا وسوريا بـ”احترام حقّ اللاجئين السوريين بالعودة الطوعية وبأمان إلى ديارهم، والتوقّف عن ادّعائهما أنّ الظروف باتت مناسبة لإعادة الإعمار والتطبيع”، ودعاهما إلى “المشاركة جدّياً في المفاوضات التي هي وحدها كفيلة بإحلال السلام في سوريا”.
فما هو الجديد الذي حمله البرلمان الأوروبي وأثار حميّة البعض في لبنان واندهاشهم؟
على أيّة حال، يعطي النصّ البرلماني الأوروبي رأياً بشأن اللاجئين في البند 13 من القرار، فيلاحظ أنّ “الظروف لم تتوفّر لعودتهم”. وهذا رأي لا يمنع لبنان وساسته المتحمّسين من أن يقرّروا ما يشاؤون بشأن اللاجئين في بلادهم، والبند لا يطلب أبداً، كما زعم المستشيطون غضباً، إبقاء اللاجئين في لبنان. هذا ولم يلاحظ أحدٌ أنّ في هذا البند “دعوة إلى إنشاء فرقة عمل دولية بمشاركة الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والسلطات اللبنانية لمعالجة قضية اللاجئين”.
لافت جداً أن يهتمّ الغيارى ببند واحد من بين 16 بنداً في القرار البرلماني. كان من شأن ساسة البلد المتحمّسين ردّ صاع البرلمان الأوروبي بانتقاد تدخّله في شؤون لبنان حين مسّ النصّ بدعة السلاح لدى الجماعات المسلّحة وحمل على الحزب وحلفائه وانتقد القضاء العسكري وأدان الفساد وأوصى بتحقيق دولي بشأن فاجعة مرفأ بيروت.. إلخ، لكنّهم لم يفعلوا. طربوا لحفلة زجل بثّها من بعيد يمينيّ متطرّف لم يتخيّل هو نفسه يوماً سهولة أن يجد لمواويله أصداء وآهاتٍ وتطبيلا.