العميد الركن خالد حماده/قرية الغجر: هل هي لبنانية فعلاً؟ قرية الغجر هي قرية سورية احتلّتها إسرائيل في عام 1967

103

قرية الغجر: هل هي لبنانية فعلاً؟ قرية الغجر هي قرية سورية احتلّتها إسرائيل في عام 1967.
العميد الركن خالد حماده/أساس ميديا/ السبت 08 تموز 2023

قفزت قرية الغجر فجأة إلى واجهة الأحداث. توحي البيانات والمواقف المتعدّدة لأكثر من جهة أنّ العدوّ الإسرائيلي فاجأهم باحتلالها وبناء سياج إسمنتيّ حولها يتطلّب إنجازه أسابيع عديدة فيما كان سكّانها ينعمون بطمأنينة العيش في وطنهم الأصلي.
الضبابية التي أحاطت بموقف الدولة اللبنانية ممّا سُمّي “الجزء اللبناني” من قرية الغجر، لطالما طرحت العديد من التساؤلات منذ الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000، الذي تلاه ترسيم للحدود تكرّر بعد عام 2006 مع وضع القرار الدولي 1701 موضع التنفيذ. وبقيت التساؤلات جميعها من دون إجابات.
توحي البيانات والمواقف المتعدّدة لأكثر من جهة أنّ العدوّ الإسرائيلي فاجأهم باحتلالها وبناء سياج إسمنتيّ حولها يتطلّب إنجازه أسابيع عديدة فيما كان سكّانها ينعمون بطمأنينة العيش في وطنهم الأصلي
قد يكون من المفيد إيراد التوضيحات التالية:
– قرية الغجر هي قرية سورية احتلّتها إسرائيل في عام 1967.
– ما يُسمّى بـ”الجزء اللبناني” منها ليس مردّه إلى شراكة عقارية لبنانية سورية أوجدتها معاهدة “بوليه نيوكومب” بين فرنسا وبريطانيا عام 1923 أو اتّفاقية الهدنة في عام 1949، بل سببه التمدّد العمراني لسكّان هذه القرية من التابعية السورية إلى الداخل اللبناني في ظّل الاحتلال الإسرائيلي… حتّى أصبح أكثر من نصف منازلها ضمن أراضي تتبع عقاريّاً لقرية الماري اللبنانية.
– ليس من تحفُّظ لبناني أو إسرائيلي عن ذلك الجزء من الحدود، وليس الوضع القائم هناك سوى احتلال سافر لأراضٍ لبنانية من دون وجه حقّ.
من هنا يُطرح التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء عدم مطالبة لبنان الجدّية بانسحاب إسرائيلي فوريّ منها منذ عام 2000 وما بعد عام 2006، والتركيز على مزارع شبعا على الرغم من عدم اعتراف سوريا بلبنانيّتها ووجودها ضمن الأراضي السورية في كلّ الخرائط اللبنانية ما قبل عام 2000.
أخطاء لبنان المستمرّة
أدّت المقاربة اللبنانية لمسألة الغجر إلى تقديم أكثر من ذريعة للعدوّ الإسرائيلي لجعلها حالة مماثلة لمزارع شبعا. قرية الغجر ومزارع شبعا هما منطقتان سوريّتان احتلّتهما إسرائيل عام 1967، ثمّ تمدّدت قرية الغجر السوريّة المحتلّة إلى الداخل اللبناني وتمدّد معها الاحتلال الإسرائيلي إلى جزء من لبنان، وبالمثل أُدخلت مزارع شبعا عنوة إلى الخرائط اللبنانية الجديدة بعد عام 2000 بقرار من دمشق لتحميل لبنان وزر احتلال إسرائيلي وتمديد صلاحية السلاح باعتبار أنّه مازالت هناك أراضٍ محتلّة. وما يجمع الاحتلالين هو إخضاع التعامل معهما لأجندة إيرانية.
في بيان الحزب بالأمس أكثر من مسألة ينبغي التوقّف عندها بما يتعدّى المفاجأة التي حاول الحزب إضفاءها على الاحتلال الإسرائيلي للبلدة:
– يوصّف الحزب ما قامت به إسرائيل بأنّه “عزل للقرية عن محيطها التاريخي داخل الأراضي اللبنانية”. في حين أنّ القرية السورية المحتلّة تمدّدت عنوة على حساب القرى اللبنانية المجاورة لها، مُفقدةً سكّان هذه القرى لملكيّاتهم.
– ويختم الحزب البيان بـ”دعوة الدولة اللبنانية ومؤسّساتها، ولا سيّما الحكومة، كما يدعو الشعب اللبناني بكلّ قواه السياسية والأهلية… إلى العمل على تحرير هذا الجزء من أرضنا وإعادته للوطن”.
أدّت المقاربة اللبنانية لمسألة الغجر إلى تقديم أكثر من ذريعة للعدوّ الإسرائيلي لجعلها حالة مماثلة لمزارع شبعا
– فهل هذا يعني أنّ الحزب يعيد قرار السلم والحرب إلى الدولة اللبنانية التي دأب على اعتبارها عاجزة عن الاضطلاع بمسؤولية التحرير من الاحتلال الإسرائيلي؟
– ولماذا يصحّ في قرية الغجر ما لا يصحّ في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا؟
– ولماذا لا يستخدم الحزب قدراته العسكرية لتحريرها أو للتذكير أنّها محتلّة، ولا سيّما أنّه لا يوجد أيّ تحفّظ عن لبنانيّتها؟
– ثمّ لماذا تُنصَب خيمتان للحزب في مزارع شبعا بعد الخطّ الأزرق ويُدعى المواطنون إلى التعبير عن رفضهم للاحتلال على الرغم من عدم اعتراف سوريا بلبنانيّة المزارع، ولا تُنصَب مئات الخيم في ما سُمّي “الجزء اللبناني” من قرية الغجر التي لا تشوب لبنانيّتها أيّ شائبة؟
لماذا “غابت” الدولة؟
لقد طالب القرار 1701 في البند 2 منه “إسرائيل بسحب جميع قواتها من جنوب لبنان”، وأكّد في البند 3 “بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية… وأن تمارس كامل سيادتها حتى لا تكون هناك أيّ أسلحة من دون موافقة حكومة لبنان ولا سلطة غير سلطتها”. فلماذا لم تُقدم حكومات لبنان المتعاقبة على معالجة موضوع تمدّد قرية الغجر المحتلّة إلى الداخل اللبناني، على الرغم من عدم وجود أيّ تحفّظ في شأنها؟ ولماذا امتثلت هذه الحكومات ومعها الحزب للرغبة الإسرائيلية من دون أيّ مواجهة دبلوماسية أو ميدانية؟ ولماذا لا تنتشر القوات المسلّحة اللبنانية على الأراضي غير المأهولة التي تعتبرها إسرائيل من دون وجه حقّ جزءاً من قرية الغجر ريثما يتمّ إلزام إسرائيل بإعادة سكّان الغجر إلى قريتهم المحتلّة؟
حكومة لبنان مدعوّة إلى العمل على مسارين:
– الأوّل: استكمال انتشار الجيش وفقاً للقرار 1701 على كامل الأراضي اللبنانية، ومنها الأراضي المحتلّة التي تمدّد إليها أهل قرية الغجر، وهذا لا يلقي بأيّ تعديل على مهمّة الجيش وعلى قواعد الاشتباك المعمول بها، حتى لو أدّى ذلك إلى اشتباك مع العدوّ.
– والثاني: امتلاك شجاعة المواكبة السياسية والدبلوماسية للإجراءات الميدانية لدى المحافل الدولية.
فهل تُقدم حكومة لبنان حيث تراجع الحزب؟ أم تنجح إسرائيل في تحويل قرية الغجر إلى مزارع شبعا جديدة؟ وأين هي دمشق من كلّ ذلك؟
* مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات