عبدو شامي/الجلاد والضحية كيف يتحاوران؟

490

الجلاد والضحية كيف يتحاوران؟!
عبدو شامي
8/1/2015

انطلقت سنة 2015 وفي جعبتها ملفات عديدة ثقيلة وملغومة ورثتها عن سابقتها، وكانت الافتتاحية مع الجلسة الثانية من ما أسمَوه حوارًا بين “تيار المستقبل” و”حزب الإرهاب المنظم”.

بداية وللأمانة، لا بد من الشهادة بأننا لم نجد حزبًا سياسيًا وفيًا لشهدائه ومحافظًا على المبادئ الذي دفعوا حياتهم ثمنًا لها بقدر ما هو حال “تيار المستقبل”؛ فالرئيس رفيق الحريري كُرِّم من تياره الأزرق مرات عديدة تجلى أهمها بزيارة نجله “سعد” سوريا حيث حظي بكرم ضيافة مجرمها “بشار الأسد” ونام في قصره وجاب في سيارته شوارع دمشق في أجواء ودية حميمية لا تمت بصلة الى ما روّج له إعلام “الحريري” من أنها زيارة بروتوكولية رسمية ومن دولة الى دولة. تبِع ذلك تكريمات متفرّقة مثل اعتراف الحريري الابن بوجود شهود زور في التحقيق الدولي وأنهم أساؤوا الى العلاقة بين لبنان وسوريا. اللواء “وسام الحسن” كرّمه التيار أيضًا على طريقته الخاصة حيث أعطى مقعده لقيادي ميليشوي في الحزب الإرهابي شارك قادة الأجهزة الأمنية في اجتماع رسمي على طاولة وزارة الداخلية الزرقاء، وكان التكريم الثاني في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال “الحسن” مع اعتراف الوزير “المشنوق” بلعب دور الصحوات في وزارة الداخلية لمصلحة الحزب الإرهابي وإن تأفّف من الاستمرار فيه. بدوره الشهيد محمد شطح حظي أيضًا بتكريم تياره مرتَين، تكريم أول قبل أن يجف دمه وبعد نحو أسبوعين من اغتياله مع إعلان الرئيس “سعد الحريري” موافقته على مشاركة الحزب الإرهابي في حكومة ائتلافية، وكان التكريم الثاني في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد “شطح” بجلوس التيار الأزرق الى طاولة الحزب الإرهابي بشروط الأخير و”لاءاته” وعلى أرضه في “عين التينة” والبلد محتل والسلاح موجه الى الرؤوس، والحجة الاستغبائية “تنفيس الاحتقان السني-الشيعي”.

ثلاث نقاط استغبائية وردت على ألسنة المتحاورَين تأبى عقولنا وكرامتنا وإنسانيتنا أن نخاطَب بها لما تحمله من إهانة مباشرة لشخصنا واستهزاء واضح بعقولنا واستخفاف لا أخلاقي بإدراكنا:

النقطة الاستغبائية الأولى هي “تتنفيس الاحتقان السني-الشيعي” الذي تبجّح أحدهم بأنه خفّ كثيرا عقب اللقاء الأول الذي جمع الطرفَين! والسؤال الذي يوجَّه لأصحاب هذا الادعاء من “سعد الحريري” الى أقل السياسيين “ببغائية” في تياره: هل تعتقدون أن جمهوركم بهذه الدرجة من السجاجة بحيث يطوي صفحة إرهاب الحزب الدموي بما فيها من جرائم واحتلالت لا تزال قائمة ومستمرة لمجرد مشاهدته صورة تجمع بين قياديين من “المستقبل” و”الحزب” والأنكى من ذلك أنهم قياديون من الصفَّين الثاني والثالث؟! حقًا إنه لعَيب ما بعده عَيب. تنفيس الاحتقان لا يتم إلا بنزع مسبباته الاستفزازية المباشرة وأهمها الاعتذار عن غزوات 7أيار الإرهابية وتسليم المتهمين باغتيال الحريري والكف عن قتل الشعب السوري وإنهاء اضطهاده مدن الثقل السني.

النقطة الاستغبائية الثانية هي “مكافحة الإرهاب والتطرف”، وهذه إهانة ثانية لعقول اللبنانيين تضاهي سابقتها، فكيف للحزب الدموي التكفيري والإرهابي ورمز التطرف في لبنان أن يكافِح نفسه؟! فاقد الشيء لا يعطيه إلا إذا كان المراد بمكافحة الإرهاب توغل “المستقبل” أكثر وأكثر في تغطية إرهاب الحزب في سوريا ولعب دور الصحوات في لبنان. أما التطرُّف الذي بدأت بعض نماذجه تظهر لدى قلّة من أبناء الطائفة السنيّة فالحوار سيفاقمه وعودة المستقبل الى المعارضة والمقاومة السلمية هي السبيل الوحيد لإيقافه أو على الأقل فرملته والحد منه؛ إذ ما كان لهذا التطرّف على ضآلته أن ينشأ لولا تخلي “الحريري” عن المقاومة السلمية لمشروع الحزب الإرهابي، أي لولا رؤية الشباب السني الغيور على طائفته ووطنه التيار الذي يدّعي تمثيله ينقلب على مواقفه وتعهداته المشرفّة وينبطح أمام الحزب الإرهابي سواء بدخوله حكومة الصحوات أو بتجريبه المجرّب في حوار الجلاد والضحية.

النقطة الاستغبائية الثالثة هي ما أُعلن عقب الجلسة الأولى من الاتفاق على “وقف الحملات الإعلامية” بين الطرفَين، والسؤال المطروح: هل إعداد صحيفة أو تلفزيون المستقبل تقريرًا عن فضائح الحزب الإرهابي يكشف مدى إجرامه في حق لبنان أو سوريا، هل يعد ذلك حملة إعلامية؟! هذا والله واجب وطني بل هو أضعف الإيمان في مقاومة الاحتلال الفارسي، وإيقافه استسلام تام وخيانة عظمى ما بعدها خيانة.

ختاما لم أجد كلامًا أكثر تعبيرًا عن واقع الحوار الاستغبائي من جملة قالها المفتي “دريان” في خطبته الأخيرة وإن لم يوردها في هذا السياق ولا عناه بها من قريب أو بعيد: “لا يمكن أن يلتقي العلم مع التطرف، ولا الفكر مع الإلغاء، ولا يمكن أن تلتقي السماحة مع الإرهاب، ولا العيش المشترك مع رفض الآخر”. فهل لطرفَين يمثلان هذه التناقضات أن يلتقيا ما لم يكن تنازلاً قاتلاً جديدا يُمهَّد له في حق لبنان؟!