د. توفيق هندي: لماذا لا تقر غالبية القوى السيادية بوقوع لبنان تحت الاحتلال الإيراني

39

 لماذا لا تقر غالبية القوى «السيادية» بوقوع لبنان تحت الاحتلال الإيراني

د. توفيق هندي/جنوبية/07 حزيران/2023

لماذا يرزح لبنان تحت الاحتلال الإيراني، كيف الأمر كذلك، ولا وجود لجنود الجيش الإيراني على الأرض اللبنانية؟!
مرّ لبنان سابقاً بثلاثة إحتلالات جليّة المعالم: إحتلال فلسطيني وإحتلال إسرائيلي وإحتلال سوري. أما الإحتلال الإيراني فله خصوصيته.
للتثبت من صحة مقولة “الاحتلال الإيراني”، فيما يلي الأدلة:
إن الدستور الإيراني ومؤلفات الإمام روح الله الموسوي الخميني، تحدّد طبيعة الجمهورية الإسلامية في إيران القائمة على إجتهاد “ولاية الفقيه”، كما توضح الهدف التاريخي التي تسعى إلى تحقيقه إيران، ألا وهو “أسلمة” العالم وفقاً لإجتهاد “ولاية الفقيه”، وذلك بإعتماد “الجهاد” بأشكاله كافة وسيلة لتحقيق الهدف، وخاصة “الجهاد العسكري”، الممارس بأسلوب حرب طويلة الأمدّ.
وهنا، لا حاجة للتدليل على الهدف التاريخي، بالإستناد على التصاريح والمواقف القيادات الإيرانية، كما لا يجب التوقف عند مواقفها ومقارباتها الحدثية التكتيكية المؤقتة، كتلك التي سُمعت في سياق الاتفاق السعودي-الإيراني، للإستنتاج أن إيران تغيّرت أو ضعُفت وباتت مُضطَرةً إلى تغيير مسيرتها. فهي ساعة توقف مسيرتها الجهادية، تكون قد تخلت عن علّة وجودها، مما يؤدي بالضرورة إلى سقوط النظام الإسلامي فيها.
من السذاجة الظن أن يتخلى “حزب الله” عن سلاحه من خلال “طاولات الحوار اللبنانية” كما لن تجري إيران أية صفقة مع أي دولة يكون مؤداها تسليم الحزب لسلاحه.

للجمهورية الإسلامية وجهان: الوجه الفارسي الموروث من الأمبراطورية الفارسية، والوجه الإسلامي. غير أن وجهها الفارسي هو في خدمة وجهها الإسلامي وليس العكس. لذا، إيران اليوم هي أكثر من كونها دولة: إنها دولة وثورة في آن معاً، وبالتالي، القوانين العامة للعلاقات بين الدول لا تنطبق عليها ولا تصحّ مقاربتها من هذه الزاوية. أما بما يخص “حزب الله”، فلا يصح توصيفه على أنه ميليشيا فحسب، ولا أنه ميليشيا لبنانية. فهو تنظيم عسكري-أمني-جهادي، له مؤسساته السياسية والإجتماعية والإقتصادية والمالية والإعلامية والشعبية والتنظيمية و… ليس هو دولة داخل الدولة فحسب، إنما هو أكثر من دولة، وتركيبته مشابهة لتركيبة الجمهورية الإسلامية في إيران، فضلاً عن أنه مسيطر على مفاصل “الدولة اللبنانية” بحيث أن أي مسؤول في إدارات وأجهزة الدولة، عند إتخاذ أي قرار يسأل أو يتساءل، عن ماذا سوف يكون موقف “الحزب” إزاء قراره.

أمّا عن علاقته مع إيران، فهي عضوية. وبواقع الحال، إنه المكون الرئيسي والأقدم والأكثر خبرة وقدرة، في “فيلق القدس” المُلقى على عاتقه في إطار الحرس الثوري الإيراني، مسؤولية تصدير الثورة الإيرانية إلى العالم، بدءاً من تصديرها إلى المنطقة. كما أنه المكوّن الرئيسي ل”محور المقاومة” الذي يضم إضافة” لفيلق القدس، مكونات على مثال النظام السوري وحماس والحوثيين وسرايا المقاومة في لبنان،… أما بعد موت قاسم سليماني، فإن قائد الفيلق والمحور غير المعلن، بات السيد حسن نصر الله وليس القاآني.

لذا، من السذاجة الظن أن يتخلى “حزب الله” عن سلاحه من خلال “طاولات الحوار اللبنانية”، كما لن تجري إيران أية صفقة مع أي دولة يكون مؤداها تسليم الحزب لسلاحه، لأن ذاك الأمر يفقد الحزب علّة وجوده، ويكون قضى على نفسه بنفسه. أما تخاطبه مع اللبنانيين بإظهار حرصه على لبنان الدولة والشعب والكيان والدستور وإتفاق الطائف، فيمكن وضعه في خانة التكتيك ليس إلّا. فهو يريد أن يتحكم ب”الدولة اللبنانية” ولا ولن يقبل إلا ب”وحدة لبنان، أرضاً وشعباً ومؤسسات، كي يشكل هذا اللبنان الدرع الواقي له، من مؤامرات أعدائه في الخارج والداخل.

ولكن، لماذا تحاذر غالبية القوى “السيادية”، تبني مقولة أن لبنان يرزح تحت الاحتلال الإيراني المجسد ب”حزب الله”؟

إن تلك القوى “السيادية”، تفضل أن تقارب حقيقة “حزب الله” بشكل سطحي، لأن الإعتراف بطبيعته وبعلاقته العضوية بإيران، يوصلها إلى حقيقة مُرة ليس من مصلحتها الإعتراف بها: وهي أن لبنان تحت الاحتلال الإيراني. فتصبح مساكنة الإحتلال في البرلمان أو الحكومة أو مجالسته في هيئات الحوار، بهدف الحصول على فتات من سلطة “دولة لبنانية” متداعية باتت إفتراضية، تصبح لوناً من ألوان الخضوع لمشيئة المحتل، في ظل غبار معارك إنتخابية دونكيشوتية تخوضها ضد “حزب الله”، وكأن النظام الديمقراطي اللبناني لا يزال ساري المفعول تحت الإحتلال.

ربّ قائل: ولكن هل تريد تسليم الدولة ورئاسة الجمهورية إلى “حزب الله”؟!

الأوضاع في الشرق الأوسط هي في غاية الخطورة رغم الإتفاقات والمسارت السلمية التي يشهدها مما سوف يدفع القوى الدولية، الى إعطائه مجدداً الأولوية في سياساتها الخارجية.

جوابي بسيط : المكون الرئيسي لأي ميزان قوى هو المكون العسكري-الأمني وليس المكون الشعبي أو السياسي أو الإقتصادي … لذا، الحزب هو الممسك بسلطة اللادولة، وإن مساكنته الدونية تعطيه قوة” إضافية.

لسنا اليوم في دولة ديمقراطية، لكي يصبح الطموح إلى الوصول إلى مراكز القرار فيها حقاًّ مشروعاً. رجاءً، كُّفوا عن رفع الشعارات الوطنية البراقة (السيادة، الإصلاح والتغيير) خدمةً لشغفكم للوصول إلى “سلطة” وهمية. إن هذا المنطق أوصلكم إلى التدرج نزولاً نحو هاوية “الممكن تحقيقه”، وأَحبطُم بذلك الشعب المخدوع!

مقابل هذا الدرك، هذا ما أطرحه:
مصارحة الشعب بحقيقة الوضع وصعوبة تغييره اليوم، في ظل أوضاع دولية وعربية غير مؤاتية.
تشكيل تجّمع وازن من قوى وشخصيات صادقة، تجّمع عابر للطوائف، يسعى إلى تحقيق هدفين: رفع الاحتلال الإيراني والخلاص من الطبقة السياسية المارقة القاتلة الفاسدة.

الأسلوب : مقاومة سلمية، تحرك شعبي، مواجهة سياسية تكتيكية حَدَثية للإحتلال والطبقة السياسية المارقة.

المطالبة بتفيذ قرارت مجلس الأمن وعلى رأسها القرار 1559، والمطالبة بوضع لبنان تحت الإنتداب الدولي المؤقت، وفق الفصلين 12 و13 من شرعة الأمم المتحدة، وصوناً لحقوق الإنسان المنتهكة في لبنان، تمهيداً لإستعادة لبنان كامل سيادته وحريته، ليتمكن من تنفيذ الدستور وإستعادة عافيته الإقتصادية والمالية. رُّبَ قائلٍ أن هذا الطرح خيالي غير قابل للتحقيق. جوابي هو : نعم في الوقت الحاضر، ولكن يجب النظر إلى الأوضاع الدولية والعربية بدينامكيتها: ما هو حاصل اليوم يمكن أن يتغير غداً.

لا محل للتشاؤم. لا أزال متفائلاً وأرى أن الأوضاع في الشرق الأوسط هي في غاية الخطورة، بالرغم من الإتفاقات والمسارت السلمية التي يشهدها، مما سوف يدفع القوى الدولية، الى إعطائه مجدداً الأولوية في سياساتها الخارجية. يبقى أن الحل يبدأ بالحلم. لكن الأمل حلمٌ من أحلامِ اليقظة، على حدّ قول الفيلسوف أرسطو.