غسان صليبي/النهار: حول حق ارتداء المايوه النسائي على شاطيء صيدا …ميساء اللبنانية ترد التحية لمهسا الايرانية

123

حول حق ارتداء المايوه النسائي على شاطيء صيدا: ميساء اللبنانية ترد التحية لمهسا الايرانية
غسان صليبي/النهار/22 آيار/2023

يا لها من مصادفة جميلة، أن يتشابه اسم ميساء اللبنانية مع اسم مهسا الايرانية، في أحرف البداية والنهاية وفي النغمة. مهسا اميني الايرانية، تجرأت على ارتداء حجاب يظهر جزءا من شعرها في شوارع ايران، وميساء يعفوري اللبنانية تجرأت على ارتداء لباس بحري يظهر بعضا من جسدها على شاطىء صيدا. جرأة مهسا قتلتها على يد شرطة الأخلاق الايرانية، وجرأة ميساء تسببت لها بالاذى الجسدي والنفسي على يد شيخ دين ومرافقيه، حاولوا طردها هي وزوجها بالقوة من الشاطىء بسبب ارتدائها المايوه.

لكن فيما سلوك مهسا الايرانية يتناقض مع القوانين الايرانية، يتطابق سلوك ميساء اللبنانية مع نصوص الدستور اللبناني.

اختلفت مواقف اللبنايين، في وسائل الاعلام وعلى الارض بشأن تقييم ماجرى واتخاذ موقف منه، واصطف بعضهم مع حق النساء بإرتداء المايوه، ووقف بعضهم الآخر ضد ممارسة هذا الحق. بعد حوالي الاسبوع من الحادث، جاء في صحيفة “النهار” يوم الاحد ٢١ ايار ما يأتي: “شهد مدخل المسبح الشعبيّ في مدينة صيدا صدامات بين مؤيّد ومعارض للباس البحر، فيما منعت القوى الأمنية الجميع من النزول إلى الشاطئ، وإقامة أيّ مؤتمر أو نشاط. وسُجّلت مواجهات بين القوى الأمنية وعدد من الشبان على كورنيش صيدا البحري.”

علينا التسليم منذ البداية، ان الدستور اللبناني هو المرجعية الوحيدة، التي تحكم علاقة اللبنانيين فيما بينهم. ولا يمكن اتخاذ موقف من ظاهرة معينة متصلة بحقوق اللبنانيين الا بالعودة اليه، وليس بالرجوع الى معتقدات من خارجه. الا اذا لم تتناقض هذه المعتقدات مع احكامه.

اذا لم نعد نسلّم بمرجعية الدستور، علينا الاعتراف بشجاعة بهذا الواقع المرير، واستنتاج ما يترتب على هذا الاعتراف، على المستويات كافة، لا سيما الدستورية والقانونية منها. عندها يأخذ النقاش منحىً آخر. لكن طالما نحن لا زلنا نعترف بالدستور، فلا مرجعية لنا غيره، لاتخاذ موقف من قضية الحرية الشخصية التي تمثلت بمشكلة ارتداء اللباس البحري النسائي على شاطىء صيدا.

الدستور يعطي الحق التام للسيدة ميساء يعفوري ومناصريها، ويدين مواقف المعتدين ورئيس بلدية صيدا على حد سواء. فلنُعد التذكير ببعض ما جاء في الدستور اللبناني، والمتعلق بموضوعنا. فلبنان “واحد أرضا وشعبا ومؤسسات…وملتزم بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء…وهو جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد…ونظامه قائم على مبدأ الفصل بين السلطات…وارضه أرض واحدة لكل اللبنانيين…ولا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”. واللبنانيون “سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون فرق بينهم”. ” حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الاجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان وتكفل حرية إقامة الشرائع الدينية تحت حمايتها، على الا يكون في ذلك إخلال في النظام العام”.

نعم، لا يحق للشيخ المعتدي أن يقول ” إنهم متواجدون هنا لـ”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، او يقول أحد مرافقيه “هذا مش قانون.. هذا عرف.. وروحو على مناطقكم”. ولا يحق لأحد الاعتداء الكلامي والجسدي على السيدة، والتصريح بوجه زوجها بكل وقاحة ” بدك تتشكى عليي للبلدية؟ هيك عم تقلل من احترامي! نحنا ما منخاف من حدا بدك تبعت الدولة ابعت”.

كما لا يحق لرئيس البلدية أن يبرر الاعتداءات بالحفاظ على العادات والتقاليد وان يرمي المسؤولية على القوى الأمنية، وكأن القضية مسألة أمنية وليس قانونية، ضاربا بعرض الحائط الحقوق التي كفلها الدستور وواقع الاعتداء الجسدي على مواطنين.

في المقابل يحق للسيدة ميساء أن تصرخ عاليا: “أنا أتردد على شاطئ صيدا بشكل دائم منذ خمس سنوات، وبغض النظر عن البحر والمكان الذي أرتاده هنا أو في أي مكان آخر، لكن هذه حريتي وهذه مدينتي وهذا بيتي، ولا يحق لأحد أن يأتي ويقول لي “فلّي من هون. صيدا مش إلك. روحي على صور أو الرميلة” فمن الذي نصّبه على رقاب وحرية الناس وجعله يستقوي عليهم؟”.

صحيح، من نصّب الشيخ ومرافقيه؟ هذا هو السؤال الجوهري. فإذا كان النظام الإيراني بدستوره وقوانينه قد نصّب شرطة الأخلاق على رقاب وحرية الايرانيين، من نصّب هؤلاء على رقاب وحرية اللبنانيين، الذين من المفترض أن يحتكموا الى دستورهم وقوانينهم وليس الى شيء آخر؟

قد يأتي الجواب على شكل “اننا لم نعد نعيش في نظام يحكمه الدستور والقوانين، بل في نظام يحكمه السلاح”. ففي اليوم نفسه الذي جرت فيه المواجهة على شاطىء صيدا، كان “حزب الله” ينظم مناورة عسكرية على أرض الجنوب ويدعو إليها وسائل الاعلام. ولإكتمال المشهد، ها هو رجل دين، الشيخ صفي الدين، يتكلم بإسم الحزب، في هذه المناسبة.

يصعب التفريق بين العسكري والديني في مشهد المناورة، كما يصعب تحييد الدين عن العنف الممارس ضد السيدة وزوجها على شاطىء صيدا. كذلك لا يمكن إغفال التحالف بين “حزب الله” و”العلماء المسلمين”، الذي ينتمي اليه المشايخ الذين يحرّضون ضد اللباس الديني النسائي في صيدا. لا أقول ذلك لإلقاء المسؤولية على “حزب الله” في حادثة صيدا، بل للفت النظر الى نشوء نظام عسكري- ديني يتجاوز الحساسيات المذهبية الاسلامية. وبالتالي، ومع الاختلاف الجذري بين دستور وقوانين لبنان وايران، يبدو المشهد من خلال الممارسات، متقاربا الى حد بعيد.

لكن حملة الدفاع عن مهسا اميني الايرانية، تجاوزت المسألة الجندرية، وطالت النظام العسكري- الديني القائم. بحسب الموقف التي عبّرت عنه النساء المناصرات لميساء يعفوري، لا زالت الحملة في اطارها الجندري الخالص، فقد استهدفت “النظام الابوي”، مع بعض الإشارات الى العناصر الدينية في تركيبة هذا “النظام الابوي”، واغفال تام للجانب العسكري.

الحملة النسائية على الشاطئ كانت ضعيفة عدديا، كما أن صوت الجمعيات النسائية والحقوقية لم يرتفع بالشكل المطلوب، في ظل صمت نيابي وسياسي قاتل. فمسألة قضم الحريات العام بوتيرة متصاعدة وسريعة، ليست بعد على جدول اعمال المعارضة السياسية، بشقيها الليبرالي واليساري. فلا أزال اذكر كيف أن الحزب الشيوعي، خضع للضغوط واضطر لإلباس كوفية لإحدى شهيداته التي كانت سافرة في حياتها، حتى يتمكن من نشر صورها بمناسبة ذكرى استشهادها.

ولا أعرف الى اي مدى كان من المفيد، ان تقوم الناشطة، السيدة جوزفين زغيب، بقراءة بيان الحملة النسائية على الشاطئ، وهي المولودة مسيحية ومن سكان كسروان. فإذا كانت الرسالة هي في أن الشاطئ لجميع اللبنانيين، لأي طائفة او منطقة انتموا، كما يقول الدستور، فإن ذلك يؤشر أيضا الى تردد في المواجهة المباشرة، بين النساء المسلمات ورجال دينهم وبيئتهم. كما ان ذلك يسهّل على المعتدين تحويل قضية الحريات الى مسألة طائفية. مع العلم ان من بين النساء المشاركات في الحملة اكثرية مسلمة، كما أن الكثير من النساء المحجبات او المنقبات، شاركن دعما للشيخ وأتباعه ورفضا للباس النسائي البحري.

في معرض الاشارة الى ان أرقام الاحصائيات لا تعطي فكرة واضحة عن الواقع الذي تتوخى العلوم الانسانية دراسته، جرى التداول بمقولة ان “الاحصائيات، مثلها مثل المايوه، تظهر كل شيء ما عدا الأساسي”. يبدو لي، أن النقاش حول حق ارتداء المايوه النسائي على شاطيء صيدا، أظهر الكثير لكنه لم يتطرق الى الأساسي، بعد.