د. توفيق هندي/أول لقاء بين القوات ووليد جنبلاط

130

أول لقاء بين القوات ووليد جنبلاط
د. توفيق هندي/النهار/13 آيار/2023
في 30 تموز 2000، عاد الرئيس أمين الجميل من منفاه الباريسي بعد 12 سنة وعقد اتفاق مع السيد وليد جنبلاط تُرجم بانتخاب الشهيد أنطوان غانم، عضو لقاء قرنة شهوان العلنية، على لائحة جنبلاط في دائرة بعبدا-عاليه.
في 31 آب 2000، حصل لقاءٌ بين جنبلاط وبيني في منزل الصديق المرحوم وديع عقل، نائب اللقاء الديمقراطي، وبتدبير منه، بقي طي الكتمان لخطورته. وكان لهذا اللقاء أهمية، إذ أنه جمع طرفين أساسيين كبيرين، لهما تاريخ طويل من العلاقات العدائية فيما بينهما، ولا سيما في الجبل، مما كان يُشير إلى عزم جنبلاط في المضيّ بالخط السيادي.
البطريرك صفير
بعد إنتهاء العمليات الانتخابية في 3 أيلول 2000، أطلق مجلس المطارنة الموارنة نداءه المفصلي في 20 أيلول، طالب فيه بخروج سوريا من لبنان. وكان أن تريّث البطريرك صفير في إعلانه، عن حكمة ودراية، للتمعّن بنتائج التطورات المفصلية الثلاث ونتائج الانتخابات وتداعياتها على الوضع اللبناني، حتى يكون للنداء وقعه المدوّي، فاتحا” بذلك مرحلة مُفعمة بآمال تحقيق الحرية والسيادة والإستقلال.
في 13 شباط 2001، زار البطريرك الولايات المتحدة. وقبيل عودته في 26 آذار 2001، كان المطران بشارة يَوَدْ أن يستقبله في المطار وفدٌ من 150 شخصية. إلا أن لقاء قرنة شهوان أصّر أن يكون للبطريرك إستقبال شعبي، فجرى له إستقبال حاشد في بكركي جمع حولي 250000 شخصا”. وقد لعبت الأحزاب، ولا سيما “الوطني الحر” و”القوات”، دورا” أساسيا” في الحشد لإستقباله.
إعتبارا” من تلك اللحظة، أصبح للتيار السيادي قائد يستند إلى قاعدة شعبية واسعة. فكان لا بد أن يكون له أداة سياسية تعمل بالعلن.
بُعيد نداء المطارنة وتشكيل لقاء قرنة شهوان غير العلني، بدأت أعدادٌ من القيادات المسيحية تتجمع وتلتقي بالبطريرك صفير. والحقيقة أن بعضهم قد تواصل معي.
منذ ذلك الحين، طُرِح موضوع توسيع لقاء قرنة شهوان. فانقسمت الآراء بعضٍ معارضين له، وآخرين مؤيّدين، وكنت من بينهم، لكي لا يؤدي الأمر إلى تفتيت صفوف القوى السيادية.
ومع عودة البطريرك من أميركا، حُسم الجدل حول توسيع اللقاء وبدأ التحضير لإعلانه. وللمرة الأولى في تاريخ الساحة المسيحية، نجح اللقاء في أن يجمع في إطاره جميع القوى والشخصيات، الراديكالية منها، والأقل راديكالية.
كانت وراء نجاح تجربة لقاء قرنة شهوان أسباب أساسية:
1) عدم وجود رئيسا” له. هذا السبب جعل كل عضو يشعر بأن مشاركته ليست شكلية بل أنه عضو كامل العضوية، ما حال دون “صراع الديوك” داخله.
2) هدف اللقاء. إنه وطنيٌ بحت، لا يهدف إلى الوصول إلى السلطة.
3) قيادة البطريرك الحكيمة للقاء والحركة السيادية والتي لم تُثر أي حساسية كون لا طموح سلطوي لديه.
جدير القول، إنّ غياب الجنرال عون والدكتور جعجع القسري عن ساحة التنافس السلطوي، كما ِشّدة القمع السوري، أجبرا القوى السيادية على التواصل وتخطي إختلافاتهم وخلافاتهم.
عند التحضير لإعلان تأسيس لقاء قرنة شهوان، نوقش موضوع مشاركة قوى مسلمة فيه. فقد إلتقى الجميع على ضرورة عدم مشاركتهم نظرا” للبطش السوري الذي قد يتعرضون له في حال أقدموا، كما لضرورة خفض سقف الخطاب السياسي إذا شاركوا.
من هنا، صدر البيان التأسيسي للقاء بعنوان “من أجل حوار وطني”، تدليلا” على ضرورة التواصل والإلتحام التدريجي بالقوى المسلمة في إطار حركة سيادية وطنية شاملة.
فكانت باكورة الالتحام هذا، مصالحة الجبل مع وليد جنبلاط التي أدت إلى توقيفات 7 آب.وقد تلَّقَى اللقاء بإعتقالي و”محاكمتي” بتهم باطلة ضربة قاسية. وقد تكثفت التواصلات مع عدد من الكيانات الوطنية، أذكر منها المنبر الديمقاطي (حبيب صادق)، لقاء الوثيقة والدستور،… وكيانات رأت النور بالمناسبة، مثال “الجبهة الوطنية للإصلاح” ضمّت أعضاء من اللقاء وقيادات مسلمة. تُوج هذا المسار بلقاءات البريستول وصولا” إلى تجمع 14 آذار.
أُعلن تأسيس لقاء قرنة شهوان العلني في 30 نيسان 2001 في بكركي تدليلا” على إحتضان البطريرك صفير له وتظهيرا” لواقع أنه ذراعه السياسي المدني
.أول ضربة لوحدة القوى السيادية.
عند توسيع لقاء قرنة شهوان، أصّر البعض على تضمين بيانه التأسيسي الإشارة إلى مرجعية اتفاق الطائف. حاولت جاهدا” في آخر إجتماع للجنة صياغة البيان، الحيلولة دون ذلك، معللا” موقفي بقدرة اللقاء الثلاثي في السوديكو على صياغة المواقف المواجهة للاحتلال السوري وإحتفاظ كل طرف بموقفه الخاص من اتفاق الطائف. ولكنّي لم أُفلح. في نهاية الإجتماع قال لي سامي نادر إن عون لن يقبل بالإستمرار في اللقاء الموسع على هذا الأساس وأبلغني في الليلة ذاتها، جواب الجنرال عون الرافض للمشاركة. عندها أصريت عليه أن يحضر أول إجتماع للقاء بعد تأسيسه علّنا نتمكن من إقناع أعضاء اللقاء بتخطي قضية “مرجعية اتفاق الطائف”. وعندما لم نفلح، قرر عون تعليق إجتماعات اللجنة الثلاثية ولكنّ التنسيق إستمر بين “الوطني الحر” و”القوات” و حزب الأحرار.
إلا أن هذه التطورات الخطيرة أسست لمزيد من التباعد بين اللقاء والتيار الوطني في مرحلة ما بعد 14 آذار.
من قرنة شهوان إلى قرنة الشهوات
قدم نواب 14 آذار مشروع قانون للانتخابات النيابية يعتمد القضاء كدائرة انتخابية. في خلوة عقدها اللقاء في 17 نيسان 2005 قبيل الانسحاب السوري في 26 نيسان، اقترحت أن نتمسك بقانون ال 60 لما كان يمثل من تصحيح نسبي للتمثيل الميسحي بعد “تصحير” الساحة السياسية المسيحية في مرحلة الوصاية السورية، كما اقرحت التنسيق مع “الوطني الحر” لتصحيح الخلل في التوازن المسلم-المسيحي والتوجه مجتمعين إلى التحالف الانتخابي مع جنبلاط والحريري.
غير أن “الغولنة” السلطوية لغالبية أعضاء اللقاء المتوجسين من عودة عون ومن شراهته السلطوية، تلاقوا مع جنبلاط في تصريحاته عن “التسونامي” الآتي من باريس، كما شاركوه في جولاته على عواصم القرار للمطالبة بترك الشق من القرار 1559 الذي “يدعو إلى حل جميع المليشيات اللبنانية ونزع سلاحها”، في عُهدة اللبنانيين نظرا” لحساسية هذا الموضوع وتداعياته الوخيمة المحتملة على الاجتماع اللبناني.
جرت الانتخابات وفقا” لقانون غازي كنعان، فخاضتها مجموعة 14 آذار بما فيها غالبية لقاء قرنة شهوان، على قاعدة “التحالف الرباعي” المخالف للطبيعة. فقد مهّد له وليد جنبلاط من خلال مواقفه وتحركاته الآنفة الذكر، بحيث إلتحقت في ركابه الغالبية في لقاء قرنة شهوان، فحصلت على 30 % من أصوات المسيحيين في حين حصدت لوائح عون 70 % منها. إستياء البطريرك صفير من هذه الغالبية وصل إلى حد أنه تّوج عون قائدا” للمسيحيين.
تلك كانت النهاية المأساوية للقاء قرنة شهوان الذي حوّلوه إلى “لقاء قرنة الشهوات”.
العبر من هذا التأريخ : قيام أطر للعمل الجماعي المستدام
1) إن أي إطار لعمل جماعي مُستدام (أكان لقاء أو تجمعا” أو جبهة) يتطلب تشكيله ظروفا” موضوعية. فالخطر الداهم يستدعي تضافر الجهود لمواجهته. واليوم يعيش لبنان خطرا” وجوديا” لم يشهد مثله من قبل.
2) يتعارض السعي وراء السلطة مع تحقيق الأهداف الوطنية كاملة”، والوضع المأساوي الذي يعيشه لبنان اليوم هو نتاج إعطاء مجموعة 14 آذار، منذ البداية، الأولوية للسعي وراء السلطة. فكيف اليوم ولبنان يعيش حالة اللادولة؟!
3) لا يكفي لأي إطار للعمل الجماعي أن يحدد أهدافه و/أو برامج مفصلة للحكم والاصلاح، بل يتطلب أن يحدِّد أهدافه، فيَصِف أولا” الأخطار الأساسية الجوهرية بصورة موضوعية، ويضع، ثانيا”، العناوين العامة لخريطة طريق توصل لبنان إلى بر الأمان، ويحدّد، ثالثا”، الوسائل الإستراتيجية والتكتية لتحقيق تلك الأهداف.
العناوين العريضة لخارطة طريق لتجمع من أجل خلاص لبنان
1) إن الخطر الاساسي والرئيسي يكمن في احتلال إيران للبنان من خلال “حزب الله”. فالتوصيف هذا لا يشّكل مبالغة لغوية بل إنه حقيقة دامغة. ذلك أن “حزب الله” ليس مجرد حزب لبناني يتحكّم بالبلد من خلال مليشيا، بل إنه كيان عسكري-أمني-سياسي، هو في واقع الحال، المكون الأهم والقاطرة الرئيسية لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الملقاة على عاتقه تصدير الثورة الإيرانية على نطاق العالم أجمع، إنطلاقا” من المنطقة، ونشر الإسلام الشيعي الإثني العشري وفقا” لإجتهاد “ولاية الفقيه”، كما إنه المكون الرئيسي ل”محور المقاومة” الذي يضم مكونات غير شيعية مثل النظام السوري وحماس والحوثيين بالإضافة إلى فيلق القدس. أما السيد حسن نصر الله، فهو الرئيس الفعلي غير المعلن للفيلق والمحور الذي خَلًفَ سليماني.
من هنا، هذا الاحتلال لا يشبه الاحتلال السوري وبالتالي لا يجوز مساكنة “حزب الله” في مؤسسات الدولة، ولا سيما أن لبنان يعيش حالة اللادولة، مما يُحَّتم على التجمع من أجل خلاص لبنان أن يتحرك من خارج “الدولة”.
على ضوء هذا الواقع، فإن الهدف الأول لخريطة الطريق هو العمل على تنفيذ القرارت الدولية وعلى رأسها القرار 1559.
2) أما الخطر الأساسي الثاني، فيتمثّل في التركيبة الاجتماعية السياسية اللبنانية ذاتها، التي وصّفها آخر متصرف لجبل لبنان، أوهانس باشا قيومجيان، على أنها مزيج هجين من الاقطاع الآري والقبلية السامية. وكان الرئيس الراحل فؤاد شهاب أوّل من تلاقى معه على هذا التوصيف، فأيقن هذا الخطر وحاول أن يزيله، ولكن لم يفلح.
تتجسد هذه التركيبة بما يسمى البيوتات السياسية القديمة والمستجدة. فالتركيبة تجدد وتعيد إنتاج نفسها بنفسها. وقد رأينا كيانات قوى وقادة” ثاروا ضد الطبقة التقليدية، لكنهم سرعان ما تحولوا إلى نسخة مسخ عنها.
فرؤساء هذه العائلات السياسية هم في واقع الحال، رؤساء قبائل، يكنّ أفرادها لرئيسهم ولاء” مطلقا”، حتى الموت، مهما إقترف هذا الأخير من أخطاء. فهو يؤمّن قوة القبيلة من خلال إقتطاع حصص في الدولة المركزية لحاجات قطيعه، ولتقوية مكانة قبيلته في مواجهتها للقبائل الأخرى. فتراهم يتقاتلون ويعلوا الصراخ فيما بينهم عندما يتعدى أحدهم حدود نفوذ الآخر، ثم يعودون إلى التساكن والإلفة والشراكة في نهب الدولة.
وهذا هو بالذات مصدر الفساد!
من هنا، فإن تنفيذ القرار 1559 لا يفي وحده بالمطلوب. لذلك، يتعيّن وضع لبنان تحت الوصاية الدولية وفق الفصلين 12 و 13 من شرعة الأمم المتحدة. بناء” عليه وإنفاذا” له، تشكِّل السلطة القائمة بإدارة الوصاية، وتحت إشرافها، سلطة لبنانية مؤقتة تُختصَر مهمتها ب”تكنيس” الطبقة السياسية المارقة من كافة مؤسسات وأجهزة وإدارات الدولة بما فيها القضاء، تمهيدا” لإنهاء الإنتداب والعودة إلى تنفيذ الدستور.
عندها، تُجرى الانتخابات النيابية والرئاسية وتشكل الحكومة. إن الأمل معقودٌ على شبيبة 17 تشرين. أني على يقين أن الوعي اللبناني بضرورة الخروج من نفق هذه التركيبة القاتلة لبناء أمّة وطن ودولة، بات حقيقة وإن لم تسمح الظروف للشعب اللبناني أن يعبر عن أمانيه الحقيقية.
لبنان بحاجة لنيو-شهابية ليخرج نهائيا” من كبوته! الحلول الجزئية والآنية والمؤقتة لا تفي بالغرض.
ربما قائل بأن مقاربتي تلك هي تفاؤلٌ مفرط، أو هي تنظيرٌ ساذجٌ أو وهمٌ.
جوابي هو: نعم في الظروف الدولية والإقليمية والداخلية الحاضرة. ولكن أي ظرف دولي أو إقليمي لا يتصف بالاستدامة. فما يبدو مستحيلا” اليوم قد يصبح ممكنا” غدا”.
وفي مطلق الأحوال، أي مسألة ضخمة ومعقّدة وشاقة، تستوجب حلولا” كبيرة، جريئة، وفي واقعها الآني، عسيرةَ المنال.
يبقى أن الحل يبدأ بالحلم. لكن الأمل حلمٌ من أحلامِ اليقظة، على حد قول الفيلسوف أرسطو.