طوني عطية/في ذكرى البطريرك صفير: رحل “الباشا” وبقيت بكركي

85

في ذكرى البطريرك صفير: رحل “الباشا” وبقيت بكركي
طوني عطية/نداء الوطن/12 آيلول/2023

قلّ ما نجد في قائمة البطريركية المارونية هامات عظيمة لم تترك بصماتها المحفورة بالدموع والدماء والمواقف والإيمان. فلكلّ بطريرك حكاية مع السماء والأرض. من «الأوّل» مار يوحنا مارون إلى «السادس والسبعين» مار نصرالله بطرس صفير الذي تحلّ اليوم الذكرى الرابعة لرحيله، وخلفه ومن يخلفه. سلسلة لم تنقطع. كأنها مرادفة لديمومة الحياة. لم يرضخوا أمام جور الطغاة وإغراءات الممالك. تجرّأوا على إشراك لبنان في عبادتهم وطقوسهم. وما حياتهم سوى سِفر حبّ مفتوح على الوطن والإنسان والله. رفضوا «فرامانات الباب العالي» لتثبيت كرسيهم، حين انتفض البطريرك يوحنا الحاج قائلاً: «حقوقنا سابقة لوجود السلاطين ونحن أبناء البلاد ولا حاجة لنا لأنْ تعترفوا بنا».

في 12 أيار 2019 حمل «البطريرك الدائم» سنواته الـ99 ليدخل بها التاريخ الذي ما زال يصنعه. عمره من عمر «لبنان الكبير»، كأنّ العناية الإلهية شاءت أن يترافقا معاً وينموَا في السرّاء والضرّاء، وهو الذي قال إن «الوطن كأمّ يجب محبتها فقيرة كانت أم غنيّة». وحين دقّت ساعته البطريركية، تشابكت قصّته مع داود الملك. عندما أرسل الله «صموئيل النبّي» ليختار ملكاً على إسرائيل من بيت يسّى، قدّم له الأخير جميع أولاده ما عدا داود، لكن رؤية صموئيل كانت مغايرة لتوقّعات الحاضرين، إذ وقع الاختيار على الإبن الأصغر داود الذي لم يكن بين إخوته، فهو خارج القائمة الملكية كونه الأصغر سنّاً والأضعف جسديّاً وراعيَ الغنم.

وفي العام 1986، اثر استقالة البطريرك أنطونيوس خريش، إنقسم المسيحيون بين مرّشحين: مطران صور يوسف الخوري ومرشّح الفاتيكان مطران دير القمر إبراهيم الحلو. أمّا صفير فكان خارج المنافسة. هو الأقل شهرة ونصيباً. غير أنّ مشيئة «الروح القدس» الذي يحلّ على المطارنة الموارنة لانتخاب رأس كنيستهم، كانت أيضاً خارج الحسابات السياسية والكنسية.

لم تكن مسيرة صفير سهلة أو مختلفة عن أسلافه، فمجد البطاركة لا يُكلّل إلّا بالتضحيات والمقاومة والصمود. مهمّتهم ملء فراغات هذا الشرق في الثقافة والعلم والتربية والحضارة. أمّا أعظمها فهي الحريّة التي قال عنها في «مزمور الحريّة»: «ونحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام طِوال مئات السنين لِيسلم لنا الايمان بالله وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ ولتَبقى لَنا الحُريّة التي إذا عُدمناها عدِمنا الحياة». هذه المهمّة نجحوا بها في اتقان مبهر، لكنهم لم يفلحوا في تفريغ شهوات السلطة من جُعب المسيحيين وقادتهم وصراع بعضهم في الوصول إلى رئاسة الجمهورية. كم مرّة خُذلوا وطُعنوا وأهينوا وحتّى هُجّروا، ليس من الغزاة فحسب بل من أبنائهم.

تسلّم عصا الرعاية والحرب في أوج استعارها والضربات تتوالى على شعبه. لم يقفل أبواب بكركي يوماً. مدّ الجسور فوق حواجز التفتّت. دعا الى أكثر من قمة روحية مسيحية إسلامية شارك فيها الإمام محمّد مهدي شمس الدين وشيخ العقل الشيخ محمد أبوشقرا ومفتي الجمهورية حسن خالد. ويوم استشهد الأخير فتح صفير في 18 أيار 1989 أبواب بكركي لتقبّـل التعازي.

قاد صفير المسيحيين في عزّ ضعفهم وتقهقرهم بعد اعتقال قادتهم ونفيهم. واجه الإحتلال السّوري إلى جانب اللبنانيين الأحرار. للبطريركية تاريخ طويل في مواجهة الاحتلالات. فلكلّ احتلال بطريرك. التعرّض للكيان كالمسّ بالمقدّسات، رفضوا جنوح «الأم الحنون» في مقاربة مصالحها على حساب لبنان اليوم كما في الأمس. عندما علم البطريرك التاريخي الياس الحويك بمخطّط فرنسي يقضي في إعادة النظر بحدود لبنان، قال للجنرال غورو: «إذا مُسّت حفنة من تراب لبنان فأنا خلال أربع وعشرين ساعة سأشعلها ثورة في البلاد».

رفض صفير زيارة دمشق سائلاً: «أين يقع قصر المهاجرين؟». القصر الذي حوّل شعبه مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011 إلى مهاجرين ولاجئين في بلاد الأمم. بعد أربعة أشهر على انسحاب الإحتلال الإسرائيلي من لبنان، أدرك صفير حجم التخاذل المحلّي والدولي في المطالبة بسيادة لبنان، أطلق نداء المطارنة الشهير في 20 أيلول 2000، «متّكلا على الروح القدس وشعبي»، كما قال لأحد المقربين منه الذي زار الولايات المتحدة لمعرفة رأيها في مسألة الإنسحاب السوري والتي كان جواب إدارتها آنذاك: «إذا بدكن شي من سوريا إذهبوا إلى دمشق». اتّكل على الروح الذي ساهم في انتخابه بطريركاً. وعملاً بمواهبه، قاد مصالحة الجبل، وساهم في تفجير ثورة الأرز. أنجز المهمّة واستقال بِكبرٍ في العام 2011 على عكس تخيّلات وأوهام بعض المناهضين لبكركي وسيّدها، تخلّى عن حبريته في منطقة لا يعرف حكامها وقادتها ثقافة الإستقالة أو التجرّد.

في ذكرى غياب البطريرك الحاضر أبداً في الوجدان الوطني والمسيحي، ورغم هذا «الزمن البائس» الذي استشرفه صفير، تبقى بكركي كـ»وردة بين الأشواك». وأنّ «العشب الذي سينبت على أدراجها»، كما توقّع الحاكم التركي مظفّر باشا حين اشتدّ خلافه مع البطريركية المارونية زمن المتصرفية، سيُزهر حريّة وصلابة في الدّفاع عن لبنان وسيادته. رحل الباشا وبقيت بكركي.