سام منسى: الاستعصاء اللبناني والفراغ أو البناء على الخطأ/Sam Menassa: The Intractable Situation in Lebanon, the Vacuum, and Building on A Mistake

69

The Intractable Situation in Lebanon, the Vacuum, and Building on A Mistake
Sam Menassa/Asharq Al Awsat/May 01/2023

الاستعصاء اللبناني والفراغ أو البناء على الخطأ
سام منسى/الشرق الأوسط/01 آيار/2023
لا يقتصر الاستعصاء، الذي يصيب الأزمة اللبنانية، أو بحسب بعضهم القضية اللبنانية، على صعوبة إيجاد حلول أو مخارج، بل يتعداها ليصل إلى شبه استحالة فهم مجمل أداء القوى السياسية في لبنان، لا سيما تلك المناهضة لمشروع «حزب الله» وحلف الممانعة. شبه الاستحالة هذا يكمن في عجز هذه القوى عن الإجابة عن سؤال واحد يبدو بالشكل بسيطاً وسهلاً، لكنه بالمضمون يعبر عن لب الاستعصاء: هل هذه القوى السياسية مقتنعة فعلاً أن انتخاب رئيس للجمهورية هو الحل، من دون أن يكون وصول هذا الرئيس إلى قصر بعبدا نتيجة لتفاهمات جذرية على قضايا الخلاف الرئيسية والكيانية وأولها هيمنة المحور الإيراني – السوري وحلفائه في الداخل والإقليم على خيار موقع لبنان الجيو – استراتيجي؟ بلغة مبسطة: إلى أي محور ينتمي لبنان، المحور الغربي أم الشرقي، المحور العربي – الخليجي المنفتح أم المحور الإيراني – السوري الممانع؟ ويتدرج بعد هذه المسألة باقي القضايا الخلافية الفرعية، من إصلاحات سياسية ومالية واقتصادية واجتماعية، إلى الإدارة والمناصب وصلاحيات الرؤساء وشكل الحكومات وطريقة تشكيلها وغيرها الكثير.

التجارب القريبة والبعيدة منذ اتفاق أو تسوية الدوحة سنة 2008 التي أعقبت غزوة «حزب الله» لبيروت والجبل، والتي سميت حينها بحرب القمصان السود وانتهت يومها بالتفاهم على انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً، إلى تفاهمات سنة 2016 بين القوات اللبنانية وتيار المستقبل التابع لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري والتيار الوطني الحر، التي أوصلت رئيسه ومرشح «حزب الله» ميشال عون إلى كرسي الرئاسة بعد تعطيل الانتخابات لأكثر من سنتين، مقابل إسناد رئاسة الحكومة للحريري. التجربتان فاشلتان بامتياز، إذ انتهت مفاعيل الأولى يومها بانخراط «حزب الله» بالحرب السورية متراجعاً بذلك عن موافقته على إعلان بعبدا لسنة 2012 الذي يؤكد على تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية. أما الثانية، فلم تصمد أكثر من سنة، وأدت إلى أخطر انهيار مالي واقتصادي وسياسي يشهده لبنان في تاريخه الحديث، فضلاً عن تمتين إحكام «حزب الله» قبضته على البلاد، مما سمح حينها لأحد المسؤولين الإيرانيين بالتبجح بأن طهران باتت تسيطر على أربع عواصم عربية.

تأتي استعادة تجربة الدوحة وتفاهم سنة 2016 في إطار ما يتردد هذه الأيام عن الدور الفرنسي في إرساء تسوية على غرار الدوحة، تأتي برئيس في ظل استمرار موازين القوة الراهنة في البلاد لجهة سيطرة «حزب الله» على جميع مفاصل الدولة واستئثاره بصناعة القرار، في اجترار للتجارب الفاشلة التي لم تكن في أحسن الأحوال سوى إدارة فاشلة للأزمة. ورغم المتغيّرات في المنطقة بعد الاتفاق السعودي الإيراني، لم تظهر أي ملامح لوصول رياحه «التسووية» إلى بيروت، في وقت، طالت فيه أزمات أكثر صعوبة ودقة منها حرب اليمن والعلاقات السعودية بنظام بشار الأسد. فمسار عدد من المواقف يوحي بالتشدد، أبرزها تحذير رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» السيد هاشم صفي الدين من «أن لبنان يمر بمرحلة خطيرة جداً ينتقل فيها من مرحلة التأزم إلى مرحلة الفوضى العارمة… على أنّ الدعوة اليوم لبعض اللبنانيين هي بالاستفادة من كل ما يحصل للإسراع في عملية الإنقاذ، لأن التأخير ليس في مصلحتهم». ونورد أيضاً موقف نائب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، الذي خيّر اللبنانيين بين مرشحين: سليمان فرنجية أو الفراغ، إلى مؤشرات حادثة إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل، التي تزامنت مع زيارة إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إلى بيروت وتأكيد الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي – في حديث توجه به مباشرة إلى أهل غزة – التزام بلاده المقاومة ودعمها. ولا يغيب تمدد إيران في المخيمات الفلسطينية بلبنان عبر عراضات مؤيدة لها، ولعل حبة الكرز على قالب الحلوى هي زيارة وزير الخارجية الإيراني أمير عبداللهيان إلى بيروت في هذا الوقت بالذات، التي افتتحها بلقاء قادة «حزب الله» وليس أركان الدولة اللبنانية، والتقى بعدها عدداً من النواب في سفارة بلاده. المحصلة هي أن موقع لبنان الراهن ضمن محور الممانعة يتجذر أكثر فأكثر، ولن يتيح ذلك أي تفاهمات مثمرة سواء في دوحة 2 أو باريس أو القاهرة؟

وفي السياق نفسه، ينبغي عدم الانجرار وراء ما يسوقه بعض الإعلام «المعارض» في لبنان من تأكيد تراجع باريس عن تبني ترشيح سليمان فرنجية وخلاف بين الخارجية الفرنسية والرئاسة حول هذا الموضوع، في قراءة بعدسات لبنانية محلية فئوية للكلام الذي صدر عن الوزارة وأعلنت فيه أنه «ليس هناك مرشح مفضل لدى فرنسا»، داعية اللبنانيين إلى اختيار قادتهم.

لا بد من محاولة تصويب البوصلة بالانتباه إلى دلالات موقف دولة غربية كبرى صديقة للبنان يصعب أن تكون متباينة أو مختلفة في سياستها عن حلفائها، سواء الأوروبيين أم الأميركيين. هذا لا يعني تطابقاً، ولا يمنع أن تكون لفرنسا مصالح اقتصادية ونفعية، خصوصاً مع إيران، إنما أيضاً تشترك مع الحلفاء بالتوافق على نقطتين رئيسيتين هما الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني في الداخل وضمان الهدوء على الحدود لاستخراج الغاز من المياه اللبنانية.

ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا عبر استمالة «حزب الله»، لأنه – كما سبق وقلنا سابقاً – الأقوى بين الضعفاء، ولا يوجد ضمن القوى المناهضة له محاور موثوق وقادر على تنفيذ تعهداته بسبب الخلافات المستحكمة بين أطرافها، والدول الغربية باتت على يقين من ميزان القوى الداخلي هذا. لذلك فرنسا تدعم مرشح «حزب الله»، والولايات المتحدة صامتة وبعض العرب يغض الطرف.

هل تعني هذه القراءة أن وصول سليمان فرنجية إلى سدة الرئاسة هو لصالح لبنان؟ الإجابة طبعاً لا، لا سيما أنها تؤكد مرة جديدة أن الممر الضروري لقصر الرئاسة بات عبر طريق «حزب الله». هل أن وصول سليمان فرنجية إلى سدة الرئاسة بات حتمياً؟ السياسة متحركة ليست جامدة ولا شيء حتمياً، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً والموجه إلى المعارضة اللبنانية «السيادية»، هو هل باتت الأزمة اللبنانية مختصرة بمعضلة انتخاب رئيس للجمهورية؟ وهل وصول أي شخصية أخرى حتى من ضمن صفوفها دون تسوية جدية مع «حزب الله» ستختلف عن سليمان فرنجية؟ الإجابة هي لا، لأن الاختلاف سيكون بالاسم فقط، وقد يطال التوجه أيضاً، لكن النتيجة لن تختلف من دون نزع القرار السياسي والأمني من يد الحزب وعودته إلى كنف دولة وحكومة ومؤسسات دستورية تعمل وفق الأصول.

صدق رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الأسبوع الماضي عندما قال إن «فرنجية يمكنه الالتزام بما يملك، لكن كيف يمكنه الالتزام بما لا يملك، والأمر بيد حزب الله»؟ لكن فاته أن أي شخصية أخرى تنتخب ضمن موازين القوة الراهنة لن يكون الأمر بيدها أيضاً. لذلك نكرر للمرة الألف، أي استحقاق دستوري يجري والحال على ما هي عليه هو باطل، ويبقى الفراغ أفضل لعله يتيح للمعارضة ملأه بالتوحد وتشكيل قوة تستجلب الثقة الدولية والعربية والتفكير بمخارج واقعية تستطيع عبرها محاورة الحزب لأن البناء على الخطأ لن يجر سوى الخطأ.

The Intractable Situation in Lebanon, the Vacuum, and Building on A Mistake
Sam Menassa/Asharq Al Awsat/May 01/2023
In the Lebanese crisis, or what some call the Lebanese question, the malfunction does not end with the failure to develop solutions. Rather, it goes further, as it is almost impossible to understand the actions of the political forces in the country, especially those opposed to Hezbollah and the Axis of Resistance. Indeed, they have failed to answer one simple question that may seem simple on the surface but is at the heart of the intractable state of affairs in Lebanon: Are the political forces genuinely convinced that electing a president is the solution?
Could a solution emerge if radical agreements regarding points of major contention (the most prominent of which are the hold that the Syrian-Iranian axis, as well as its local, regional and foreign allies, have over the country’s geostrategic position) do not bring this president to office? In other words: To which axis does Lebanon belong, the Western or Eastern axis? Is it aligned with the Gulf states that are open to the world or the Iranian-Syrian Axis of Resistance? Once this question is resolved, its sub-questions will be easy to overcome, from the controversies surrounding political, financial, economic and social reforms to how the country is administered, how positions are allocated, to the powers of different branches of government, to the form of the executive takes, how the government is formed, and many others.
In 2008, the Doha Agreement was reached following Hezbollah’s incursion on Beirut and the Mountain, which was referred to as the Black Shirts War. The deal struck in Doha led to the election of Army Commander Michel Sulieman. Then, in 2016, the Lebanese Forces, the Future Movement, and the Free Patriotic Movement struck a deal to elect Hezbollah’s candidate, Michel Aoun, as president. This deal emerged after Hezbollah disrupted the election of a president for over two years, and in return for the election of Aoun, Hariri was elected prime minister.
Both of these experiments failed par excellence. The first was nullified after Hezbollah got involved in the Syrian war, walking back on the terms of the Baabda Declaration that it had agreed to in 2012, which stressed that Lebanon would adopt a policy of neutrality and stay away from regional and international axes and conflicts. As for the second, it did not endure for more than a year, and it precipitated the most severe financial, economic and political collapse in the history of modern Lebanon. It also fortified Hezbollah’s grip on the country, allowing an Iranian official to brag that Tehran controlled four Arab capitals.
Bringing up the Doha Agreement and the deal of 2016 comes within the context of the reports that the French are trying to develop a Doha-style settlement. This new deal would lead to the election of a president without altering the current balance of power in the country, allowing Hezbollah to maintain control over all the facets of the state and monopolize decision-making. In fact, such an agreement would be little more than a repeat of previous failure experiences that were failed attempts at managing the crisis at best.
While the winds of change have been felt in different parts of the region since the Saudi-Iranian agreement, they have yet to blow in Beirut. Meanwhile, it has had implications for more difficult and delicate crises, including the Yemen war and Saudi relations with the Assad regime.
Several actors have expressed extreme positions. The most prominent of which is the warning of the head of Hezbollah’s Executive Council, Sayyed Hashem Safieddein. “Lebanon is going through a very dangerous phase in which it is going from crisis to total chaos … However, today, we call on some Lebanese to make use of everything that is happening to accelerate the recovery of the country, as delays do not serve their interest.
Another example we should mention is the recent statement of Hezbollah Deputy Secretary-General Sheikh Naim Qassem, who gave the Lebanese two choices: Suleiman Franjieh or a vacuum. The rockets fired at Israel from South Lebanon also sent a message, and they coincided with the visit of Hamas Political Bureau Ismail Haniyeh to Beirut. It was also around this time that Iranian President Ebrahim Raisi – in an interview addressed directly to the people of Gaza – stressed his country’s determination to continue supporting the resistance.
We should not ignore Iran’s expansion in the Palestinian refugee camps in Lebanon either. It has been manifested in parades in support of Iran. Finally, the cherry on top was the latest visit of Iranian Foreign Minister Amir Abdollahian to Beirut and its timing. He began his visit with a meeting that brought him together with Hezbollah officials, not the top brass of the Lebanese state. After that, he met several Hezbollah deputies at his country’s embassy in Beirut. In conclusion, Lebanon is becoming increasingly rooted in the Axis of Resistance by the day. So long as this is the case, could any settlement, be it a second Doha agreement or a deal struck in Paris or Cairo, bear fruit?
We should not be dragged into the claims being made by some in the Lebanese “opposition” media, who are claiming that Paris has withdrawn its support for Suleiman Franjieh’s candidacy and that the French Foreign Ministry and the Presidency are in dispute around this issue. This analysis sees the matter through a factional, local Lebanese lens and is based on the foreign ministry’s claim “France has no preferred presidential candidate” and its call on the Lebanese to choose their own leaders.
We must set things straight. We are talking about the position of a major Western country that has strong ties with Lebanon. Its stance probably does not diverge from that of its allies, be they in Europe or the US. While this does not imply that the positions of these countries are identical, nor does it mean that France does not have an eye on its economic interests, especially with Iran. What it does mean is that these allies agree on two fundamental matters: preserving a minimal degree of domestic security and stability and avoiding trouble on the borders in order to allow for the extraction of gas from Lebanese waters.
This can only be achieved by bringing Hezbollah on board. As we have previously mentioned, it is the strongest of the weak local actors. None of the forces opposed to Hezbollah could be considered reliable partners capable of carrying out his commitments. This is due to the deep schism between these opposition parties, and Western powers are under no illusions about the domestic balance of power. That is why France supports Hezbollah’s candidate, while the United States is silent, and some Arabs are turning a blind eye.
Does this reading of the current state of affairs mean that Suleiman Franjieh’s accession to the presidency is Lebanon’s interest? Of course not, especially since it would reaffirm that Hezbollah is the gatekeeper of the Presidential Palace. Is Suleiman Franjieh’s election as president inevitable? Politics is variable; nothing is set, so nothing is inevitable. The most pressing question for the Lebanese “sovereignist” opposition remains the same. Can the Lebanese crisis be boiled down to the election of a president?
Would any other figure, even from within the ranks of the opposition, make a difference without a serious settlement with Hezbollah? The answer is no. The difference would be purely nominal. It might slow things down, but the result will be the same so long as the political and security decisions remain in the hands of Hezbollah. Only once these decisions are made by the state, government, and constitutional institutions can things change.
Lebanese Forces chief Samir Geagea was right last week. He said that “Franjieh can make commitments regarding the matters in his hands, but how can he commit regarding what is not his when the matter is in the hands of Hezbollah?” However, he overlooked the fact that no other figure who comes to power amid the current balance of power would have a grip over Hezbollah. Thus, we reiterate this point for the thousandth time: whatever the position in government, so long as the status quo does not change, changing it is null and void. Maintaining the vacuum would be better; it could perhaps allow the opposition to fill this vacuum by coming together and forming a united force that could draw international and Arab support. They could thus garner the confidence of the international and Arab communities and develop realistic strategies for engaging with Hezbollah; building on a mistake can only lead to a mistake.